Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

البديع

الكاتب

أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعني

البديع

علم البديع هو ثالث علوم البلاغة العربية، ويهتم بتحسين الكلام بعد مطابقته لمقتضى الحال، ويشمل البديع فنونًا متنوعة مثل: الطباق والمقابلة والجناس والسجع، ويأتي البديع بشكل فطري وغير متكلف في القرآن الكريم؛ مما يجعله سمة من سمات إعجازه وبلاغته.

مفهوم علم البديع ومنزلته وأقسامه

البديع في اللغة هو: الجديد والطريف والمخترع [اللسان والمعاجم اللغوية، مادة: بدع].

أما في اصطلاح البلاغيين فهو: علم يعرف به وجوه تحسين الكلام [سر الفصاحة ص: ١٩٣].

وهو العلم الثالث من علوم البلاغة: المعاني والبيان ثم البديع، ومنزلته بين علوم البلاغة أن علمي المعاني والبيان علمان أساسيان في بلاغة الكلام، ويأتي البديع يزيد الكلام البليغ حسنًا راجعًا إلى المعاني أولًا، ثم إلى الألفاظ ثانيًا، أو حسنًا راجعًا إلى الألفاظ أولًا، ثم إلى المعاني ثانيًا.

وعلى هذا الاعتبار قسموا البديع قسمين:

أحدهما: البديع المعنوي؛ كالطباق والمقابلة ومراعاة النظير.

الثاني: البديع اللفظي؛ كالجناس والسجع [بغية الإيضاح ٣/ ٣ تعليق الشيخ عبد المتعال الصعيدي مكتبة الآداب ١٤٢٠ هـ].

شروط قبوله في الكلام وأساليبه في القرآن الكريم

وقد وضعوا لقبوله في الكلام شروطًا ، منها:

* عدم الإكثار منه، وترك الإسراف فيه.

* ألا يكون متكلفًا، بل يقبل منه ما جرى على الطبع.

وعلى أساس هذا نقدوا كثيرًا من الشعراء لإسرافهم في الألوان البديعية، وتكلفهم بعض صوره في شعرهم، وقالوا: إن المسرف فيه يكون عرضةً للذم وكثرة الخطأ.

أما بديع القرآن فسوف نتناول أطرافًا منه من خلال بعض آيات القرآن الكريم؛ لنثبت بالأدلة القاطعة أنه كثير جدًّا في القرآن الكريم، ومع هذه الكثرة لا نقول: إنه سلم من كل عيب فحسب، بل هو سمة من سمات الإعجاز في كتاب الله العزيز، وهذا هو الفرق بين كلام الله وكلام البشر.

نعرض في هذا المبحث نصوصًا من القرآن الكريم، محاولين توضيح ما فيها مما أطلقوا عليه "بديعًا"، سواء دخل عندهم في المعنوي، أو اللفظي.

 ١)_ ولنبدأ بقوله تعالى:{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ * ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} [البقرة: ٢٦ - ٢٧ ].

جاءت في هاتين الآيتين ضروب عدة من البديع، نذكرها فيما يلي:

(أ) المشَاكلة: وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا} وهي مشاكلةٌ من النوع الثاني الذي ذكروه في قولهم: (المشاكلة هي: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقًا أو تقديرًا) [الإيضاح ٦/ ٢٧]، فهي مشاكلةٌ تقديرية، وذلك بناء على ما ذكره المفسرون، فالزمخشري يقول: "ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: أما يستحي رب محمدٍ أن يضرب مثلًا بالذباب؛ إشارة إلى قوله تعالى: {لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا} [الحج: ٧٣]، فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال، وهو فن من كلامهم بديع، وطراز عجيب، منه قول أبي تمام:

مَن مُبَلِّغٌ أبناءَ يَعْرُبَ كلَّها ... أَنى بَنَيتُ الجارَ قبل المنزلِ

ويلاحظ أن اللفظ "المشاكل" هنا مجازى المعنى حقيقته الترك، فمعنى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ}[البقرة: ٢٦] أي لا يترك الضرب بالبعوضة ترك من يستحى أن يمثل بها لحقارتها؛ لأن الحياء تغيرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به أو يذم [الكشاف ١/ ٨٤]، وهو بهذا المعنى مستحيل في جانب الله.

إذن فقد اجتمع هنا لونان بديعيان:

(أ) المشاكلة: وقد تقدم شرحها.

(ب) والمماثلة أو التمثيل: وهم يعتبرونه لونًا بديعًا، وعندهم يطلق على عدة أمورٍ: الاستعارة المفردة، الاستعارة التمثيلية، المثل السائر.

(ج) الإبهام: وذلك بناء على ما ذكره المفسرون- كذلك- من أن "ما" في قوله تعالى: {مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ} [البقرة: ٢٦] أن "ما" الأولى إبهامية، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهامًا وزادته شيوعًا وعمومًا [المصدر نفسه ١/٨٦].

 وكون "ما" إبهامية مشروط بنصب "بعوضة" -كما هي القراءة المشهورة-، وإن رفعت "بعوضة" فإن "ما" تصبح موصولة.

(د) التوجيه: وذلك في قوله تعالى: {فَمَا فَوۡقَهَاۚ} [البقرة: ٢٦] فإن الفوقية هنا لها معنيان، أحدهما: فما تجاوزها في المعنى الذي ضربت فيه وهو القلة والحقارة.

وثانيهما: فما زاد عليها في الحجم.

ولما كان أحد هذين المعنيين لم تنصب قرينةٌ على إرادته بعينه، وبقي الفهم والاعتقاد شركة بينهما، حصل النوع البديعي الذي يسمونه "التوجيه"، وهو أن يكون للّفظِ معنيان لم تقم قرينةٌ على إرادة أحدهما، والمتأمل يرى أن كلا المعنيين هنا صالحٌ للفهم والاعتقاد.

(هـ) حسن التقسيم: حيث قسم الناس بالنسبة لضرب الأمثال بالبعوضة وما زاد عليها في الحقارة، أو ما زاد في الحجم - إلى فريقين: فريق مؤمن مصدق، وآخر كافر مكذب.

(و) المقابلة: حيث طابق بين {آمنوا} و {كفروا} و {يضل} و {يهدى}، وقد جمعت المقابلة هنا التكافؤ حسبما يرى ابن أبي الأصبع؛ لأن {يهدى} و {يضل} مجازيان.

(ز) التعطف: وذلك في ثلاثة مواضع { مَثَلًا } و { مَثَلًا }، { يُضِلُّ } و { يُضِلُّ }، { كَثِيرٗا } و { كَثِيرٗا }.

(ح) البيان بعد الإبهام: وذلك أنه سبحانه قال: {يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ[البقرة: ٢٦]، فبين أن فريقا يُضل به وآخر يُهدي، ولم يبين من المُهدَى ومن المُضَل، ثم عاد فقال: { وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ }؛ ليعلم من هو الفريق المُضَل، وفي هذا البيان معنى الاحتراس.

(ط) صحة التفسير: حيث فسر {الفاسقين} في قوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ} [البقرة: ٢٦]بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} [البقرة: ٢٧] .

(ي) النزاهة: وذلك لأنه سبحانه حين أراد ذمهم لم يستعمل فيه هجين اللفظ، ولا قبيح المعاني، بل سجل عليهم نقضهم ميثاق الله، وترك ما أمر الله بفعله، وفسادهم في الأرض، وأخبر عنهم بأنهم هم الخاسرون لا غيرهم.

(ك) التكافؤ: وهو- كما عرفه ابن أبي الأصبع- أن يكون ركنا الطباق مجازيين لا حقيقيين، وأن تكون أركان المقابلة مجازية كذلك، والتكافؤ بهذا المعنى وارد في الآية الثانية: { ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ[البقرة: ٢٧]، حيث قابل بين النقض والتوثقة، والقطع والوصل، وهذه كلها أركان مجازية، فالنقض لا يكون إلا في المركبات الحسية، وكذلك التوثقة، والقطع لا يكون إلا في المتماسك الحسي، وقد استعمل هنا مرادًا به الترك، والوصل صنو القطع، واستعمل هنا في أمر معنوي هو الإتيان والفعل.

(ل) الترشيح: وذلك أنه قال: {يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ} [البقرة: ٢٧] هو الذي رشح لإيقاع النقض على العهد، وهو لا يكون إلا في المركب الحسي و"العهد" معنى من المعاني، فالذي رشح له أنهم يسمون العهد "حَبْلًا" على سبيل الاستعارة.

قال الزمخشري: "فإن قلت من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد؟ قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة؛ لما فيه من إثبات الوصلة بين المتعاهدين" [المصدر نفسه (١/ ٩٠)].

(م) التسجيع: وهذا ظاهر من فاصلتي الآيتين: {وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ}، {أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} فاتحدت الفاصلتان في حرف النون، مسبوقًا بحرف مد في الموضعين.

(ن) التذييل: وذلك في قوله تعالى: {أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ[البقرة: ٢٧]؛ فإنه تذييل جاء مؤكدًا لما فهم من أوصاف الفاسقين.

(س) حسن النسق: حيث جاءت الجمل مرتبة ترتيبًا حسنًا، خالية من عيوب النظم.

فقد بدأ- سبحانه- بأن له مطلق الإرادة، يمثل بما شاء لما شاء، والناس إزاء هذا التمثيل ضربان: مؤمنٌ مصدقٌ، وكافرٌ مستريب، وفي هذا يضل الله من يشاء وهم كثيرون، ويهدي من يشاء وهم كثيرون، ثم بين أنه لا يضل إلا الفاسقين، ثم شرع في بيان صفات الفاسقين، فبدأ بنقضهم عهد الله، وتركهم ما أمر الله به أن يؤتى، ثم عطف عليه كونهم مفسدين في الأرض، ثم أخبر عنهم بأنهم الخاسرون.

والمتأمل يرى أن كل جزء تقدم على آخر؛ فإنه كالسبب فيه، أو أخص منه، وما أتى بعده عام، أو حكم تقدمت مسبباته، فجاء التعبير محكم البناء، موصول العُرى، متلاحم الفقرات.

(ع) الانسجام: وقد عرفه ابن أبي الأصبع: بأن يكون الكلام منحدرًا كانحدار الماء المنسجم، بسهولة سبكٍ وعذوبة ألفاظ وسلامة تأليف، حتى يكون للكلام موقع في النفوس وتأثيرٌ في القلوب ما ليس لغيره وإن خلا من البديع [بديع القرآن :١٦٦].

وهذا الانسجام ينطبق على آيتينا هاتين، بل ينطبق على كل موضع في القرآن الكريم، فهو وصف عام له، لم يختص به موضعٌ دون آخر.

(ف) المجاز: هكذا عدوا المجاز من فنون البديع، وهو في آيتنا ظاهر في بعض مواضعها؛ كالنقض في الإبطال، والتوثق في الحفاظ على عهد الله، والقطع في الترك والوصل في الفعل، ومن قبل هذا كان الاستحياء في الترك أيضًا.

(ص) الإدماج: وهو كما عرفه ابن أبي الأصبع [المصدر نفسه ص: ٧٢]: أن يدمج غرضٌ في غرض، أو بديعٌ في بديع بحيث لا يظهر إلا أحد الغرضين: وهذا قد مر بنا في موضعين من النص الكريم:

أحدهما: دمج التكافؤ في المقابلة في قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا} [البقرة: ٢٦]؛ فإن "يضل" و "يهدى" مجازيان- كما سبق-، وهذا تكافؤ مدمج في المقابلة.

وثانيهما: دمج التكافؤ في المقابلة كذلك في قوله تعالى: {يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ} [البقرة: ٢٧] على ما سبق بيانه.

(ق) التفصيل: وهو الواقع بعد "أما" و"أما" في قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ}، ولا يقف بنا الأمر عند هذا الحد، فإن لنا أن نصف النص بما يأتي:

(ر) ائتلاف اللفظ مع المعنى: لأن كل لفظ فيه قد ائتلف مع معناه، فهما مقدران بقدر، وموضوعان بحكمة، وهذا اللون- وإن مثلوا له ببعض آيات القرآن- فإنه وصف عام، ليس في موطن دون موطن، بل القرآن كله موصوف بائتلاف ألفاظه مع معانيه.

(ش) حسنُ الجوار: وهذا مثل سابقه، وصف عام للقرآن؛ حيث لم تقع فيه لفظةٌ واحدةٌ متنافرة مع سابق عليها أو لاحق لها، وهو ينطبق على آيتينا باعتبارهما جزءًا من التنزيل الحكيم.

فهذه أكثر من عشرين لونا بحثوها في ألوان البديع، وقد جاءت في القرآن على أحسن موقع وأجمل مطلع.

وهل ترى في هذا النص- وقد علمنا ما فيه من ألوان البديع- قصورًا في معناه الذي سيق من أجله؟ أم اقتسارًا للفظ على المعنى؟ ليس في النص شيء من هذا، بل هو واف بالمراد في وضوح وقوة، وهذا هو الفارق بين كلام معجز، وكلام هو عرضة للخطأ والمغالاة.

٢)_ وقوله تعالى: {وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ} [هود: ٤٤].

هذه الآية الكريمة تصور لنا في إيجاز نهاية قصة الطوفان، في عهد نوح - عليه السّلام -، وقد اشتملت على الألوان البديعية الآتية:

(أ) المناسبة اللفظية التامة بين "أقلعي" و "ابلعي"، فقد جمع بين اللفظين، وهما هنا موزونان مقفيان بزنةٍ وقافيةٍ واحدة، وهذا هو معنى المناسبة التامة.

(ب) المطابقة: بين "السماء" و "الأرض" في قوله تعالى: {يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي}، وقد مر تعريف المطابقة؛ فلا حاجة إلى ذكره.

(ج) الاستعارة: في قوله تعالى: "أقلعي" و "ابلعي".

(د) المجاز المرسل: في قوله تعالى: "يا سماء" والحقيقة: يا مطر السماء، والعلاقة المجاورة.

(هـ) الإشارة: وهي أن يدل اللفظ القليل على المعنى الكثير؛ بحيث يكون اللفظ لمحة دالة، وذلك في قوله تعالى: {وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ}؛ لأن الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء، وتبلع الأرض ما يخرج منها من عيون الماء، فدل هذا التركيب القليل: {وغيض الماء} على أن كل ذلك قد حدث.

(و) الإرداف: في قوله تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِىِّ}.

(ز) التمثيل: وقد مر تعريفه، وهو في قوله: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ}.

(ح) التعليل: لأن {وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ} علة الاستواء.

(ط) صحة التقسيم: حيث استوعب - سبحانه - حالة الماء حين نقصه.

(ى) الاحتراس: من توهم متوهم أن الماء قد عم من لا يستحق الهلاك، وقد تحقق "الاحتراس" بالدعاء على الهالكين.

(ك) الانفصال: لأن لقائل أن يقول: إن لفظة "القوم" يستغنى عنها المعنى؛ إذ لو قيل: {وقيل بعدا للظالمين} لتم الكلام.

(ل) المساواة: لأن لفظ الآية لا يزيد على معناه ولا ينقص عنه، وستأتي مخالفة هذا الوجه.

(م) حسن النسق: في عطف القضايا بعضها على بعض حسبما وقعت؛ الأول فالأول.

(ن) ائتلاف اللفظ مع المعنى: لكون كل لفظة لا يصلح غيرها مكانها.

(س) الإيجاز: لأن الله اقتص قصة السفينة بلفظها، مستوعبة في أخصر عبارةٍ، بألفاظٍ غير مطولة.

(ع) التسهيم: لأن أول الآية إلى قوله تعالى: {أقلعي} يقتضي آخرها، والتسهيم أن يكون في أول الكلام ما يدل على آخره؛ لأنه يقتضيه.

(ف) التهذيب: لأن مفردات الألفاظ موصوفةٌ بصفات الحسن، كل لفظةٍ سهلة مخارج الحروف، عليها رونق الفصاحة.

(ص) حُسن البيان: لأن السامع لا يتوقف في فهم معنى هذا الكلام؛ لوضوحه، وصفائه.

(ق) التمكين: لأن الفاصلة مستقرة في قرارها، مطمئنة في مكانها، غير قلقة ولا مستكرهة.

(ر) الانسجام: وهو تحدر الكلام بسهولةٍ وعذوبة سبك.

(ش) الإبداع: وهو في مجموع الآية.

هذا خلاصة ما ذكره ابن أبي الأصبع في بديع هذه الآية، ولنا عليها ملاحظة مهمة.

ذلك أنه وصف الآية بالمساواة، وجعل المساواة فنًّا من فنون البديع، كما جعل الاستعارة كذلك، ثم عاد ووصف الآية بالإيجازٍ، والإيجازُ والمساواةُ ضدان لا يجتمعان، فإما أن يكون الكلام مساويًا أو غير مساوٍ؛ بأن يكون موجزًا، أو مطنبًا. أما أن يوصف كلام واحد بعينه بأنه مساوٍ مرة، وموجز مرة أخرى؛ فهذا شيء غير مفهوم على الإطلاق.

ونحن- إذا جاريناه على أن الإيجاز من فنون البديع- فإن الآية موصوفة به، لا بالمساواة؛ إذ هي قد اشتملت على نوعي الإيجاز: ففيها إيجاز الحذف، ويكفي في تصور ذلك أن في الآية قد بنى الفعل للمفعول في عدة مواضع: {قِيلَ يَٰٓأَرۡض} و {غِيضَ } و {قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ} و {قِيلَ بُعۡدٗا}، كما طوى ذكر السفينة وأضمر فاعل الفعل  {ٱسۡتَوَتۡ}، وحذف معمول {أَقۡلِعِي}، وهذا موسوم بإيجاز الحذف. وفيها إيجاز قصر؛ لأن بعض ألفاظها قد حوى كثيرًا من المعاني، مثل: {غِيضَ ٱلۡمَآءُ } و {قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ }.

وبهذا يظهر خلط ابن أبي الأصبع في عد الآية من باب المساواة مرة، والإيجاز مرة أخرى.

وكيف ساغ له ذلك؛ وهو البلاغي الضليع والناقد الأديب؟ لا أرى سببًا وراء ذلك إلا ولوعه بألوان البديع، وكثرة محصوله منها.

 ٣)_ وقوله تعالى: {قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ * وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ} [يوسف:٢٦ - ٢٧]

المعنى الإجمالى لهاتين الآيتين:

تكذيب يوسف - عليه السّلام - لدعوى امرأة العزيز، ثم تأييده فيما قال بشهادة شاهد من أهلها، لفت نظر العزيز إلى قرائن الأحوال التي منها: علم العزيز صدق يوسف - عليه السّلام -، وكذب امرأته على يوسف عليه السلام.

والناظر فيهما لا يجد تكلفًا في العبارات، ولا نقصًا في المعنى، ومع هذا فقد جاءت فيها فنون شتى من البديع، لم تخرج عن سمات البلاغة الأصلية، والبيان الآسر.

وتلك الفنون هي:

١ - المناقضة: وهي – هنا - مناقضة المتكلم غيره في معنى، فقد ادعت امرأة العزيز أن يوسف عليه السّلام راودها عن نفسها، فنقض هذا المعنى في قوله: {هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ}.

٢ - الكناية: في قوله أيضا: {رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ}، وحقيقته: طلبت مني الفحشاء، والمراودة: أن تنازع غيرك في الإرادة فتريد غير ما يريد [مفردات الراغب ص: ٢٠٦]، فقد كان يوسف عليه السّلام عزوفًا عنها؛ فأرادت أن تثنيه عن رأيه؛ لتحقق مقصودها.

٣ - النزاهة: لأن في قوله: {رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ} بعدًا عن الألفاظ المعيبة، وفيها كذلك الاعتدال في الاتهام، ويبدو هذا جليًّا إذا ما قورنت هذه العبارة بعبارة امرأة العزيز: {مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} [يوسف: ٢٥]، فهى تدل على نفسٍ حاقدةٍ كائدةٍ مغيظةٍ؛ إذ لم تكتف بمجرد الاتهام، بل بالغت فيه مقترحة الجزاء: إما السجن، وإما العذاب الأليم.

٤ - جناس الاشتقاق: وذلك في قوله تعالى: {وَشَهِدَ شاهِدٌ}؛ لأنهما يرجعان في اللفظ إلى أصلٍ واحد.

٥ - الاستقصاء: وهو في قوله تعالى: {مِنْ أَهْلِها} وصفًا للشاهد، وفي هذا مدخل عظيم الأثر في براءة يوسف عليه السّلام، وإدانة امرأة العزيز.

٦ - حسن البيان: لأن المعنى في هاتين الآيتين واضحٌ، لا يعوق عنه فهم، ولا يغرب عن طالب.

٧ - حسن التفسير: لأن قوله تعالى: {إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ}، والآية التى بعدها؛ كل هذا تفسير للشهادة التي أشارت إليها العبارة السابقة.

٨ - حسن التقسيم: حيث قسم قرائن الواقعة قسمين؛ باعتبار ما حدث من قدّ القميص.

٩ - المزاوجة: حيث زاوج بين الشرط والجزاء، فقدّ القميص من القبل يترتب عليه صدقها وكذبه، وقده من الدبر يترتب عليه كذبها وصدقه.

١٠ - الإيهام: حيث ساوى بين امرأة العزيز ويوسف عليه السّلام في احتمال دعوى كل منهما في الصدق والكذب، والقرائن التي أشار إليها الشاهد تخص دعواها بالكذب، وتثبت الصدق ليوسف عليه السّلام.

١١ - المقابلة: حيث طابق بين القبل والدبر، والصدق والكذب.

١٢ - العكس والتبديل: حيث قدم الصدق مرةً وأخّره مرةً أخرى، وقدم الكذب تارةً وأخره تارةً أخرى.

١٣ - التمكين: لأن الفاصلة في الموضعين قارة في مكانها، لا نافرة ولا قلقة.

١٤ - التسهيم: لأن قوله في الآية الأولى: {إِنْ كانَ قَمِيصُهُ} إلى: {فَكَذَبَتْ} يدل على الفاصلة، وكذلك القول في الآية الثانية.

١٥ - التسجيع: لأن الفاصلتين في الموضعين متماثلتان: {الكاذبين}، {الصادقين}.

١٦ - لزوم ما لا يلزم: حيث التزم في الفاصلة الياء المكسور ما قبلها، وذلك نلحظه في الموضعين.

١٧ - الإيجاز: ففي الآيتين لوحظ حذف بعض الكلمات منها: {قال} قبل: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها} وحذف الفاعل في {قُدَّ} في الموضعين، وكان في هذا الحذف من الفخامة والروعة ما فيه.

١٨ - حسن النسق: حيث رتبت الأجزاء ترتيبًا حسنًا؛ فبدأ بتكذيب يوسف لدعوى امرأة العزيز، ثم ذكر شهادة الشاهد الذي أيده، ثم تفصيل تلك الشهادة، وما يترتب عليها، في عرض حسن ونسق جميل.

١٩ - الانسجام: وذلك من جزالة الألفاظ، وجودة السبك، والترتيب المنطقي لأجزاء القضية.

٢٠ - الافتنان: وقد عرفه ابن أبي الأصبع بأن يأتي المتكلم في كلامه بفنين؛ إما متضادين أو مختلفين، وقد جاء ذلك ظاهرًا في الجمع بين البراءة والإدانة، ثم الإدانة والبراءة في قوله تعالى حكايةً عن شاهد واقعة امرأة العزيز: {وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ}.

ففي الآية الأولى جمع بين براءة امرأة العزيز- فرضًا- وإدانة يوسف عليه السّلام، وفي الآية الثانية جمع بين إدانتها- حقيقةً - وبراءة يوسف عليه السّلام.

وقد خطّأ نصيب الشاعر، الكُميت في قوله:

أم هل ظعائن بالعلياء نافعة ... وإن تكامل فيها الأنس والشنب

قال نصيب للكميت: أين الأنس من الشنب؟!، ألا قلت كما قال ذو الرمة:

لمياء في شفتيها حوّة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب [الأغاني للأصفهاني ١/ ١٣٤]

فإن الشنب يذكر مع اللمس، والأنس يذكر مع الغنج.

وبمثل هذا عاب ابن الأثير قول أبى نواس يصف الديك:

له اعتدال وانتصاب قد ... وجلده يشبه وشى البرد

كأنها الهداب في الفرند ... محدوب الظهر كريم الجد

لأنه ذكر الظهر وقرنه بالجد، وهذا لا يناسب هذا؛ لأن الظهر من جهة الخلق، والجد من جهة النسب [المثل السائر ٣/ ١٥٥].

وكذلك خطأه في قوله:

وقد حلفت يمينا ... مبرورة لا تكذب

برب زمزم والحوض ... والصفا والمحصب

لأن ذكر الحوض مع الصفا والمحصب غير مناسب، وإنما يذكر الحوض مع الصراط والميزان.

وأما التكرار في القرآن فعذب وراق، كقوله تعالى: {ٱلۡقَارِعَةُ * مَا ٱلۡقَارِعَةُ * وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡقَارِعَةُ} [القارعة: ١ – ٣]، وقوله تعالى: {وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ} [الانفطار: ١٧ – ١٨]، وقوله: {وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ} [الواقعة: ١٠]، وهو على تقاربه تجد له قوة وجزالة.

وأغراضه: إما المدح، وإما التهويل، وإما الاستبعاد؛ كما في قوله تعالى: {هَيۡهَاتَ هَيۡهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} [الواقعة: ١٠] ... إلى غير ذلك من الأغراض.

وهذا التكرار لا يخرج عندهم عما سموه الترديد أو التعطف، أو الجناس والمشاكلة.

وقد جاء في الشعر وغيره من كلام الناس فلم يسلم من العيب إلا فيما قل.

فمما عيب قول أبى الطيب:

فقلقلت بالسهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلهن قلاقل

غثاثة عيش أن تغث كرامتي ... وليس بغث أن تغث المآكل

قال ابن سنان معلقًا عليهما: "فقد اتفق له أن كرر في البيت الأول لفظة مكررة الحروف، فجمع القبح بأسره في صيغة اللفظة نفسها، ثم في إعادتها وتكرارها، وأتبع ذلك بغثاثة في البيت الثاني وتكرار (تغث)، فلست تجد ما يزيد على هذين البيتين في القبح" [سر الفصاحة ص: ٩٣].

وقال أبو تمام:

قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا

وقد أخطأ أبو تمام في ذكر "القبول" مع "الصبا"؛ لأن الصبا هي القبول؛ لذلك عده النقاد غير مفيد.

 وإلى هنا فإننا تناولنا ثلاثة نصوص من القرآن الكريم، وقد أبنّا على طريقتهم ما يحتمله النص من وجوه البديع، وهذه النصوص في جملتها تتكون من خمس آيات.

جملة من فنون علم البديع

وكان جملة ما ظهر لنا من فنون البديع فيها -بعد حذف المكرر- واحدًا وأربعين فنًا، وهي:

١- التمثيل ٢- المشاكلة ٣- الإبهام ٤- التوجيه ٥- حسن التقسيم ٦- المقابلة ٧- التعطف ٨- البيان بعد الإبهام ٩- صحة التفسير ١٠- النزاهة ١١- التكافؤ ١٢- الترشيح ١٣- التسجيع ١٤- التذييل ١٥- حسن النسق ١٦- الانسجام ١٧- المجاز ١٨- الإدماج ١٩- التفصيل ٢٠- ائتلاف اللفظ مع المعنى ٢١- حسن الجوار ٢٢- الإشارة ٢٣- الإرداف ٢٤- التعليل ٢٥- الاحتراس ٢٦- الانفصال ٢٧- المساواة ٢٨ - التسهيم ٢٩- التهذيب ٣٠- التمكن ٣١- الإبداع ٣٢- المناقضة ٣٣- الكناية ٣٤- الجناس اللفظي ٣٥- الاستقصاء ٣٦- المزاوجة ٣٧- الإبهام ٣٨- العكس والتبديل ٣٩- لزوم ما لا يلزم ٤٠- الإيجاز ٤١- الافتنان.

 * نتائج مهمة:

والباحث في بديع القرآن مع إطلاق القول به ؛ حتى يشمل ما هو من المعاني والبيان، يخرج بعدة نتائج:

أولًا: أن العلماء قد اشترطوا لقبول البديع وحسنه وبلاغته شروطًا، منها:

ألا يكون متكلفًا ولا مسرفًا فيه صاحبه، وأن يرسل مع الطبع والسجية، ولا يكون على حساب المعنى؛ وبديع القرآن قد تحقق فيه عدم التكلف وكونه لا على حساب المعنى.

أما الشرط الثاني-وهو عدم الإكثار-؛ فلم يتحقق ذلك؛ إذ إن نصوص القرآن قد اشتملت على كثير من ألوان البديع، وقد رأينا أن آية واحدة قد استخرج منها العلماء أكثر من عشرين فنًّا من فنون البديع، ولم تزد كلماتها على سبع عشرة كلمة، بل إن ابن أبي الأصبع قد استخرج من حرف واحد وهو "ثم" في قوله تعالى: {ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [آل عمران: ١١] استخرج من هذا الحرف وحده ثمانية فنون بديعية.

ومع هذه الكثرة في بديع القرآن لم تجد له إلا بلاغةً وحُسنًا، ولم يؤثَر عن أحد من العلماء والنقاد التقليل من قيمة البديع في القرآن، وما رأيناهم قد استحسنوا فيما سواه ما كثر منه في القصيدة أو البيت؛ لأن التاريخ والنقد الأدبيين لم يجدا مكثرًا من البديع أو مسرفًا فيه إلا كان خطؤه أكثر من صوابه ، وإجادته أقل من رداءته. ولم يكن الإقلال منه عاصمًا من التكلف فيه حتى يكون مع الإكثار عذرًا لذلك التكلف؛ فقد أخطأ المقلون كما أخطأ المكثرون.

فمثلا: قد ورد في القرآن الكريم أسلوب مراعاة النظير فملح وحسن، كقوله تعالى: {ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ * وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ} [الرحمن: ٥ – ٦]. وتناول الشعراء هذا الأسلوب فأصابوا وأخطئوا.

وجاءت المبالغة في القرآن قوية جزلة، لا تنبو عن ذوق، ولا ينكرها عقل، مثل قوله تعالى: {إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ} [الأحزاب: ١٠]. ففي هذه الآية مبالغة مقبولةٌ، غير منكرةٍ ولا نافرةٍ، تصف أثر الخوف، وهذا يصوره زوغ الأبصار لشدة الاضطراب، وهذا أمرٌ واقعٌ، عطف عليه أمرٌ قريبٌ من الواقع هو بلوغ القلوب الحناجر؛ فإن القلب حين يضطرب تظهر آثار اضطرابه في تهدج الصوت واضطرابه، والصوت يكون مسموعًا بعد مروره بالحنجرة، فلذلك ساغ هذا التعبير، وقوى به المعنى وحسن.

ومثل قوله تعالى: {يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ} [النور: ٤٠]، مبالغة في صفاء الزيت؛ وقوله تعالى: {إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ } [النور: ٤٠]، مبالغة في تصوير الظلمة المحيطة به.

وجاءت هذه المبالغة على ألسنة الشعراء فأصابوا وأبعدوا في الخطأ.

قال الأعشى:

فتى لو ينادى الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المقالدَا

فقد غالى في تصوير المعنى؛ فعلق تبذل الشمس على مجالسته لها، وكذلك تخلى القمر الساري عن المقالد مرهون بتلك المجالسة، وهذه مبالغة موصوفةٌ بالغلو، ولم يخل كلامه من التكلف؛ فقد أثبت للشمس قناعًا، وللقمر مقالد، وجوز في جانبهما المنادمة.

وقال أبو نواس:

وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق

وهذا البيت معيب "لما في ذلك من الغلو والإفراط الخارج عن الحقيقة".

وصحة التقسيم جاء في الكتاب الحكيم على أبلغ وجه، وأصح منهج كقوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا} [الرعد: ١٢]، وقوله تعالى: {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ * فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ * فَسَلَٰمٞ لَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٞ مِّنۡ حَمِيمٖ * وَتَصۡلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة: ٨٨-٩٤].

الآية الأولى: تبين قسمي أثر البرق عند الناس. والآية الثانية: تبين أقسام الناس يوم العرض، فهم ثلاثةٌ لا رابع لهم، فهذه قسمة صحيحة.

وقد أخطأ بعض الشعراء عندما تناولوا هذا الفن، مثل قول البحتري:

قف مشوقًا أو مسعدًا أو حزينًا ... أو معينًا أو عاذرًا أو عذولًا (ديوان البحتري ٢/ ١).

 قال ابن الأثير: "فإن المشوق يكون حزينًا، والمسعد يكون معينًا، وكذلك يكون عاذرًا. وكثيرا ما يقع البحتري في مثل ذلك".

وعابوا قول أبي الطيب:

فافخر فإن الناس فيك ثلاثةٌ ... مستعظمٌ أو حاسدٌ أو جاهلٌ

لأن المستعظم يكون حاسدًا، والحاسدُ يكون مستعظمًا، ومن شرط التقسيم ألا تتداخل أقسامه بعضها في بعض" [سر الفصاحة ص: ٩٤]، "وأما صحة التقسيم فأن تكون الأقسام المذكورة لم يخل بشيء منها، ولا تكررت ولا دخل بعضها في بعض".

ومثل للمعيب منه بقول جرير:

صارت حنيفة أثلاثًا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها

ثم علق عليه قائلا: فهذه قسمةٌ فاسدةٌ من طريق الإخلال؛ لأنه قد أخل بقسم من الثلاثة، وقيل: "إن بعض بنى حنيفة سئل من أي الأثلاث هو؟ قال: من الثلث الملغى" [سر الفصاحة ص: ٢٢٧]، وهذه لمحة نقد بالغة الدقة.

وجاء الإيجاز في القرآن الكريم بقسميه: إيجاز الحذف وإيجاز القصر، فلم يبهم معه معنى، ولا اختفي معه مراد، كقوله تعالى: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: ٨٢]، وقوله تعالى: {وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [الفجر: ٢٢]، وقوله تعالى: {وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ} [سبأ: ٥١]، وقوله تعالى: {وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ} [الرعد: ٣١]، وقوله تعالى: {أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ} [الأنعام: ٨٢]، وقوله تعالى: {إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} [يونس: ٢٣]، وقوله تعالى: {تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ} [البقرة: ١٣٤].

والقرآن ملئ بمثل هذه الدرر الغوالي، مع قوة المعنى ووضوحه، وشدة أسره للأفهام. وقد تناوله قوم فأصابوا وأخطئوا، فأما ما جاء في القرآن فهو أبلغ وأوجز.

ولعل مضرب الأمثال في ذلك قوله تعالى: {وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٌ} [البقرة: ١٧٩].

فإذا قورن به قول العرب: "القتل أنفى للقتل"؛ فإن عبارة القرآن قد فاقته من عدة وجوه [انظر- مثلًا- بديع القرآن لابن أبي الأصبع]، قد عنى العلماء بإفاضة القول فيها؛ مع أن هذا القول الصادر عن العرب كانوا يعدونه أبلغ ما قيل في معناه.

على أن كثيرًا من الشعراء قد أوجزوا فأخلوا، وسر بلاغة الإيجاز وضوح المعنى. من ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:

أعاذل عاجل ما أشتهى ... أحب من الأكثر الرائث (الرّائث: البطيء)

لأنه أراد: عاجل ما أشتهى مع القلة أحب إلى من الأكثر البطيء، فترك "مع القلة"، وبه تمام المعنى. ومنه قول عروة بن الورد: 

                                                          عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذرَا

كأنه أراد أن يقول: عجبت لهم؛ إذ يقتلون نفوسهم في السلم، وقتلهم في الحرب أعذر، فترك "في السلم"، وبه تمام المعنى كذلك.

وكذلك قول الحارث بن حلزة:

والعيش خير في ظلال الــ... نوك ممن عاش كدَّا

أراد: العيش الناعم في ظلال الجهل خير من العيش الشاق في ظلال العقل.

والوجه الذي يقرب هذه الأمثلة الثلاثة إلى الصواب أنه يمكن أن يقال: إن دليل الحذف فيها ما قابل المحذوف، فقوله: "ومقتلهم عند الوغى" دليل "في السلم" المحذوف، وإلا لخرج الكلام مخرج الأحاجي والألغاز، ولما استحق أن يدخل في باب الأدب.

ولو أننا تتبعنا سائر فنون البديع بمعناها العام لوجدنا أمثلتها في القرآن لا تخرج عن البلاغة الأصلية مع الوفاء بحق المعنى، وحق اللفظ؛ فليس فيه إحسانٌ في موضعٍ، وإساءةٌ في آخر، بل هو على وتيرةٍ واحدةٍ في جميع فنونه وطرق تعبيره، وهذا هو الفرق الذي رُمناه بين بديع القرآن وبديع الناس.

الإكثار من استعمال البديع في غير القرآن يضعف المعنى وربما أزاله

فالناس -شعراؤهم وناثروهم- إذا أكثروا من استعمال البديع لم يسلم لهم منه إلا القليل، وإذا لم يكثروا منه -وهذا شرط قبوله- فإنهم ليسوا في مأمن من السقوط والكلفة، كما وقع لبشار بن برد ومسلم بن الوليد وأبى تمام، وكما وقع للمتأخرين منهم حينما أسرفوا وغالوا في السعي وراء البديع، فضعف معه المعنى، أو زال من أساسه، كبديع الزمان الهمذاني وصفي الدين الحِلِّيّ، وغيرهم من عشاق البديع.

البديع في القرآن لا تكلف فيه

والبديع في القرآن فطري، جرى مع طبيعة الأسلوب، ولم يصر إليه حلية لفظ أو تزويق عبارة، وهو فيه سمة من سمات إعجازه وحسنه، سواء كان راجعًا إلى المعنى، أو راجعًا إلى اللفظ، وحسنه ذاتي لا عرضي، ولو ذهبنا ننحى ما جاء من بديع القرآن عن أصالة أسلوبه وروعة معانيه، لذهبنا بشرط الحسن فيه؛ لقوة صوره وأصالة وروده فيه، وقد تقدم لنا أن كثيرًا من فنون البديع من صميم طرق التعبير في القرآن الكريم، كالمطابقة؛ لأنه كثيرًا ما يقارن بين أنواع متضادة أو كالمتضادة، والمشاكلة والسجع ... وما إلى هذه الألوان الآسرة.

على أن هنا ملاحظتين:

إحداهما: ترجع إلى البديع بعامة.

الثانية: ترجع إلى بديع القرآن بخاصة.

أما ما ترجع إلى البديع بعامة؛ فإنه فن في حاجة إلى الإنصاف وإعادة النظر، ونحن هنا أمام طريقين:

إما أن نطلق كلمة "البديع" على فنون البلاغة جميعًا، وإما أن نرد كل حق إلى نصابه، فنرد ما للمعاني للمعاني، وما للبيان للبيان - مما يدرس ضمن فنون البديع-، ولو فعلنا ذلك لما بقي شيء يمكن أن نطلق عليه بديعًا؛ لاختلاس هذه الفنون من علمي المعاني والبيان، إلا فيما ندر.

وأما ما يتعلق ببديع القرآن، فإن بعض الباحثين مسرف في إثبات الألوان، كما فعل ابن أبي الأصبع في كتابه الموسوم "بديع القرآن" مثل: التفويف، والتنكيت، والانفصال، والتردد، والاطراد، فإن إدراك جمال التعبير في القرآن لا يحتاج إلى أكثر من الذوق وصفاء النفس، فلا داعي لكثرة التلقيب والتنويع.

الخلاصة

علم البديع: هو العلم الثالث من علوم البلاغة: المعاني والبيان ثم البديع، وذلك أن علمي المعاني والبيان أساسيان في بلاغة الكلام، ويأتي البديع بعدهما ليزيد الكلام البليغ حسنًا راجعًا إلى المعاني والألفاظ، وقد قسمه البلاغيون قسمين: أحدهما: البديع المعنوي كالطباق والمقابلة ومراعاة النظير، والثاني: لفظي كالجناس والسجع، وقد اشترطوا لقبوله في الكلام شروطًا منها: عدم الإكثار منه، وترك الإسراف فيه، وألا يكون متكلفًا، على أن ما ورد منه في القرآن الكريم وهو كثير سمة من سمات الإعجاز في كتاب الله العزيز، وهذا هو الفرق بين كلام الله وكلام البشر.

موضوعات ذات صلة

الفصل في البلاغة: هو ترك عطف جملة على أخرى بالواو لتحقيق غرض بلاغي

الوصل في البلاغة: هو عطف جملة لا محل لها من الإعراب على أخرى مثلها

الاستعارة هي: أحد الأساليب البيانية المهمة في علم البلاغة، وتُعتبر شكلًا من أشكال المجاز اللغوي

موضوعات مختارة