وهذا
البحث (الفصل) خاص بالجمل التي ليس لها محل من الإعراب، مثل الجملة الابتدائية، وجملة صلة الموصول،
والجملة الواقعة جوابًا لشرط غير جازم؛ ويجب
فصل الجملة الثانية عن الأولى في الحالات الآتية -التي وضع البلاغيون لها ضوابط- على النحو التالي:
كمال الانقطاع: فكل جملتين بينهما كمال الانقطاع يجب فصل الثانية منهما
عن الأولى،
فلا تعطف عليها بالواو؛ لأن الواو يقتضي العطف بها أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه تناسب، ولا تناسب مع
كمال الانقطاع، ويتحقق كمال الانقطاع بين الجملتين إذا اختلفتا في الخبرية والإنشائية لفظًا
ومعنى، أو معنى فقط، وقد مثل البلاغيون لهذه العلاقة من غير القرآن بقول الشاعر:
وقال
رائدهم أرسوا نزاوله *** فكل حتف امرئ يجري بمقدار [البيت للأخطل، انظر الإيضاح
(١٥٠) المصباح (٣١)]
والشاهد
فيه: فصل جملة "نزاولها"؛ لأنها جملة خبرية لفظًا ومعنى، عن جملة "أرسوا"؛ لأنها جملة إنشائية لفظًا ومعنى.
أما الاختلاف بين الجملتين في الخبرية معنى فحسب، فقد مثلوا له بقولهم:
"مات فلان رحمه الله"، فالجملة الأولى
"مات
فلان" خبرية لفظًا ومعنى، والجملة الثانية "رحمه الله" خبرية
لفظًا إنشائية معنى؛ لأنها في قوة "اللهم ارحمه".
أما
في القرآن الكريم، فمن أمثلته: قوله تعالى: {فَصَلِّ
لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ *
إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ}
[الكوثر: ٢-٣]، فقد فصلت جملة: {إِنَّ
شَانِئَكَ} عن جملة: {وَٱنۡحَرۡ}؛
لأن الأولى
إنشائية لفظًا ومعنى، والثانية خبرية لفظًا ومعنى، فبين الجملتين كمال الانقطاع كما ترى.
ومثلهما قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا
تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ} [سبأ: ٣] فصلت جملة {قُلۡ
بَلَىٰ وَرَبِّي} عما قبلها {وَقَالَ
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}؛
لأن الأولى
خبرية لفظًا ومعنى، والثانية إنشائية لفظًا ومعنى، فبين الجملتين كمال الانقطاع، وهذا كثير جدًّا
في القرآن الكريم، ويأتي على صورتين:
- أن تكون الأولى إنشائية
والثانية خبرية، كما تقدم في سورة "الكوثر".
- أن تكون الأولى خبرية
والثانية إنشائية، كما في سورة "سبأ".
هذا هو كمال الانقطاع الموجب لفصل الجملة الثانية عن الأولى، والفصل هو
ترك العطف
بالواو خاصة كما تقدم.
- كمال
الاتصال:
ويتحقق كمال الاتصال بين الجملتين بعدة اعتبارات:
· الأول: أن تنزل الجملة الثانية منزلة
البدل من الجملة الأولى، ومثاله من القرآن الكريم: قوله تعالى: {أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ * أَمَدَّكُم
بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ * وَجَنَّٰتٖ
وَعُيُونٍ} [الشعراء: ١٣٢-١٣٤] فصلت جملة: {أَمَدَّكُم
بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ}، عن جملة: {أَمَدَّكُم
بِمَا تَعۡلَمُونَ}؛ لأن الجملة الثانية نزلت منزلة البدل
مما قبلها؛ لأن معنى الجملتين واحد، غير أن معنى الأولى مجمل، ومعنى الثانية مفصل،
فبين الجملتين كمال الاتصال كما ترى، ويلاحظ أن جملة: {أَمَدَّكُم
بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ}، وما عطف عليها منزَّلة منزلة بدل البعض
من الكل؛ لأن إمداد الله للعباد أعم من الأنعام والبنين، والجنات والعيون، والداعي
البلاغي لهذا الإبدال هو إظهار الامتنان على المخاطبين، بذكر النعم مجملة في الآية
الأولى، ومفصلة بعض التفصيل في الآية الثانية والثالثة.
· وقد
تكون الثانية منزلة من الأولى منزلة بدل الاشتمال، ومثاله: قوله تعالى:
{قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ
ٱلۡمُرۡسَلِينَ *
ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ}
[يس: ٢٠-٢١] فصلت جملة: {ٱتَّبِعُواْ
مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا}
عن جملة: {قَالَ
يَٰقَوۡمِ}؛ لأن بين الجملتين كمال الاتصال؛ لأن الأولى
مشتملة على معنى الثانية؛ لأن المرسلين لا يسألون الناس أجرًا على تبليغ الرسالة؛ أو تكون الجملة الثانية بدل كل من كل، ويمكن التمثيل له من القرآن الكريم
بقوله تعالى: {بَلۡ
قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ *
قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ *
لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ
أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} [المؤمنون:
٨١-٨٣]؛ لأن
ما في الجملتين الثانية والثالثة هو الذي قاله الأولون، ففصلت جملة: {قَالُوٓاْ
أَءِذَا مِتۡنَا} عن
جملة: {بَلۡ قَالُواْ} لما بين الجملتين من كمال الاتصال؛ لتنزيل
الثانية من الأولى منزلة بدل الكل من الكل، ويلاحظ أن الجملة الثانية المفصولة في
كل ما تقدم أكثر وضوحًا من الجملة الأولى، هذا في جمل كمال الاتصال دون كمال الانقطاع.
· وقد يكون كمال الاتصال بين الجملتين بتنزيل الثانية منزلة التوكيد مما
قبلها، معنويًا ولفظيًّا، ومثاله من القرآن الكريم: قوله
تعالى: {وَإِذَا
تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا
كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ} [لقمان: ٧]، فقوله تعالى: {وَلَّىٰ
مُسۡتَكۡبِرٗا} توكيد لجملة: {كَأَن
لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا}؛
لأنها تؤكد نفي التأثير فيمن تليت عليه آيات الله، فبين الجملتين كمال الاتصال؛ لأن الثانية
نزلت منزلة التوكيد المعنوي مما قبلها؛ لذلك فصلت عنها ولم تعطف عليها، كما فصلت جملة: {كَأَنَّ
فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ} عن جملة: {كَأَن
لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا}؛
لأن بينهما كمال الاتصال؛ لأن الثانية نزلت منزلة التوكيد مما قبلها.
· وقد
يكون كمال الاتصال بين الجملتين بتنزيل الجملة الثانية منزلة عطف
البيان مما قبلها (مفسرة) ومثاله في القرآن الكريم: قوله تعالى:
{وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ
ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ} [الحجر: ٦٦] فصلت جملة: {أَنَّ
دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ} عن جملة: {وَقَضَيۡنَآ
إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ}؛
لأن الجملة الثانية نزلت منزلة عطف البيان
عما قبلها
(جملة تفسيرية)، فبين الجملتين كمال الاتصال كما ترى، ومثلها قوله تعالى:
{فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ
ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ
وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ} [طه: ١٢٠]، فجملة: {قَالَ
يَٰٓـَٔادَمُ} بيان وتفسير لجملة: {فَوَسۡوَسَ
إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ}
لذلك فصلت الثانية عن الأولى؛ لأن بينهما
كمال الاتصال، حيث كانت الثانية بيانًا وتفسيرًا للأولى، وغير ذلك كثير في كتاب الله
العزيز.
- شبه
كمال الاتصال:
ويسمى الاستئناف البياني، وضابطه: أن تنزل الجملة الثانية منزلة جواب عن سؤال
تضمنته الجملة الأولى، ومن أمثلته المستفيضة في القرآن الكريم: قوله تعالى حكاية
عن يوسف –عليه السلام: {وَمَآ
أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ
رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [يوسف: ٥٣]، فالجملة الأولى تضمنت سؤالًا حاصله: ولماذا
لا تبرئ نفسك؟ فكان الجواب: {إِنَّ
ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ}، ففصلت هذه الجملة عن الجملة الأولى؛
لأن الثانية نزلت منزلة جواب عن سؤال تضمنته الجملة الأولى، فبين الجملتين شبه
كمال الاتصال، أو الاستئناف البياني كما عرفت.
ومنه
في القرآن الكريم قوله تعالى: {قَالُواْ
سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ} [هود: ٦٩] يحكي الله في هذه الآية ما دار بين
إبراهيم – عليه السلام- والملائكة حين دخلوا عليه، وجملة {قَالَ
سَلَٰمٞۖ} فُصلت عما قبلها؛ لأنها بمثابة جواب عن سؤال تضمنته
الجملة الأولى: ماذا قال إبراهيم في ردِّه على الملائكة؟ فكان الجواب: {قَالَ
سَلَٰمٞۖ} فبين الجملتين شبه كمال الاتصال أو الاستئناف البياني
- لذلك
فصلت الثانية عن الأولى.
ويرى الإمام عبد القاهر الجرجاني أن كل جملة مفصولة بعد جملة {قَالَ} في القرآن هي جواب عن سؤال مقدر تضمنته الأولى [دلائل الإعجاز (٢٣٨)]، وإذا صح هذا فإن الاستئناف البياني في القرآن أكثر
صور الفصل في القرآن الكريم.