وكان الإمام عبد القاهر
أول من لفت الأذهان إلى تقسيم الاستعارة باعتبار طرفيها إلى قسمين:
· استعارة تصريحية.
· اسْتِعَارَة مَكْنِيَّة.
ولكنه لم يسمهما بل اكتفى
بإيراد الفروق بينهما؛ مع التمثيل الوافي ببيان المراد من كل منهما. [أسرار البلاغة ٤٤/ ٤٨]
وبهذا مهَّد الإمامُ الطريق
لمن جاء بعده في تأصيل القول في كل من الاستعارة التصريحية، والاسْتِعَارَة المَكْنِيَّة.
فجاء من بعده السكاكي وقال في تعريفها: هي أن تذكر المشبه، وتريد به المشبه به، دالًّا على ذلك
بنصب قرينة.. وهي أن تنسب إليه شيئًا من لوازم المشبه به. [مفتاح العلوم ص: ١٧٩]
وتابعه بدر الدين ابن مالك فقال: "هي أن تذكر المشبه وتريد به المشبه به؛
وتدل بشيءٍ من لوازمه- أي لوازم المشبه به- على المشبه". [المصباح ص: ٦٤]
يعني تنسب إلى المشبه بعض
خواص المشبه به، لتكون دليلًا على المشبه به المحذوف.
ثم جاء الخطيب القزويني، واستفاد من أقوال الذين سبقوه، ووضع تعريفًا للاسْتِعَارَة المَكْنِيَّة، دار البلاغيون في فلكه حتى الآن، قال - رحمه
الله -:
"قد يضمر التشبيه في
النفس، فلا يصرح بشيء من أركانه سوى لفظ المشبه، ويدل عليه - أي على المشبه به -
بأن يُثْبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به، من غير أن يكون هناك أمر ثابت حسًّا أو
عقلًا أجرى عليه اسم ذلك الأمر، فيسمى التشبيه استعارة بالكناية، أو مكنيًّا عنها،
وإثبات ذلك الأمر للمشبه استعارة تخييلية". [الإيضاح ٥/ ١٢٣، وما بعدها]
فالاسْتِعَارَة المَكْنِيَّة إنما هي تشبيه حذف منه ثلاثة
أركان: وجه الشبه، وأداة التشبيه، والمشبه به، مع إبقاء ما
يدل عليه في الكلام، حيث يثبت للمشبه بعض لوازم المشبه به الخاصة به.