ومن
أمثلتها في القرآن الكريم: ﴿أَتَىٰۤ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ﴾ [النحل: ١]
ففي
قوله: ﴿أَتَىٰۤ﴾ استعارة تبعية في زمن الفعل لها:
شبَّه الإتيان في المستقبل "يأتي" بالإتيان في الماضي "أتى"
على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، ثم اشتق من "الإتيان" أتى بمعنى
يأتي، والجامع بين الإتيان في الماضي والإتيان في المستقبل هو: تحقق الوقوع في كل منها.
فقد
جرت الاستعارة أولًا في المصدر الإتيان ثم سرت إلى الفعل، وهذا معنى التبعية في
هذه الاستعارة، أما قرينة الاستعارة المانعة من المعنى الحقيقي، وهو الإتيان في
الماضي فهي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ﴾؛ لأن النهي عن الاستعجال يكون فيما يأتي
مستقبلًا، لا فيما أتى ماضيًا.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ یَوۡمَئِذࣲ یَمُوجُ فِی بَعۡضࣲۖ﴾ [الكهف: ٩٩]
فيه استعارتان تبعيتان:
الأولى
في زمن الفعل: ﴿تَرَكۡنَا﴾ بمعنى: نترك؛ لأنه سيكون يوم القيامة، وقد شُبه فيها الترك في المستقبل بالترك في
الماضي، والجامع بينهما تحقق الوقوع في كل منهما، والقرينة حالية تفهم من المقام.
والثانية
في معنى الفعل: ﴿یَمُوجُ﴾ شبَّه الاضطراب الشديد في حركة الناس يوم القيامة بالاضطراب الشديد في حركة موج
البحر، وهما مصدران، ثم سرى التشبيه من المصدر الاضطراب الشديد إلى الفعل "يموج"
بمعنى يضطرب اضطرابًا شديدًا، والقرينة حالية تفهم من المقام كذلك؛ لأن التموج من
خصائص الماء لا الناس.
أما
الاستعارة التبعية في الصفات المشتقة، فمنها
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَاۤ ءَایَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةࣰ﴾ [الإسراء: ١٢] في
﴿مُبۡصِرَةࣰ﴾ هنا استعارة جرت في اسم الفاعل، أي: مضيئة، ومبصرة أبلغ من مضيئة؛ لأنها أظهر في
مقام النعمة. [النكت في إعجاز القرآن (٨٨) للرماني].
شبهت
الإضاءة بالإبصار، وهما مصدران، ثم سرى التشبيه من المصدر (الإبصار) إلى الصفة (مبصرة)
على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي
للإبصار: كون النهار زمنًا لا يوصف بالإبصار - كما يوصف به الأحياء.
والاستعارة
التبعية في الحرف: مثل قوله تعالى حكاية عن قول
فرعون للسحرة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِی جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ﴾ [طه: ٧١].
استعار
متعلق الحرف (في) الكلي، وهو مطلق الظرفية لمتعلق الحرف (على) وهو مطلق الاستعلاء،
ثم سرى التشبيه إلى معنى الحرفين، فاستعيرت (في) لـ(على)؛ لتفيد هذه الاستعارة
المبالغة في تصوير المعنى المراد، حتى لكأن فرعون من شدة غيظه على إيمان السحرة لم
يكتف بإلصاقهم بجذوع النخل، وإنما غرس أجسادهم فيها غرسًا.
والاستعارة التبعية في معنى الفعل
كثيرة الورود في القرآن الكريم، يليها الاستعارة في زمن الفعل، ثم في الحروف.
فائدة:
الفرق بين
الاستعارة في معنى الفعل وفي زمن الفعل: أن معنى الفعل في الأولى هو الذي تغير من
الحقيقة إلى المجاز، أما زمنه -ماضيًا أو مضارعًا أو أمرًا- فيظل كما هو، أما في
زمن الفعل فإن معنى الفعل يظل كما هو حقيقة لغوية لا مجاز فيه، وزمنه هو الذي تغير
من المضارع إلى الماضي، أو من الماضي إلى المضارع.