Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الالتفات

الكاتب

أ. د/ عبد العظيم إبراهيم المطعني

الالتفات

يُعد الالتفات من أبلغ أساليب البيان في اللغة العربية؛ لما فيه من تنويع التعبير، وتنشيط الذهن، وهو أسلوب قرآني بليغ يُنتقل فيه بين ضمائر الخطاب لإيصال المعنى بدقة وعمق تأثير.

مفهوم الالتفات

الالتفات لغةً هو: التحول والانصراف من جهة إلى أخرى، يقال: التفت عن الشيء: تحوَّل وانصرف عنه، والتفت إليه؛ أي: أدار وجهه نحوه [لسان العرب والمعاجم اللغوية، مادة لفت]، فأصل الالتفات يكون في الأفعال بإدارة الوجه وحده، أو هو والعنق. أما في اصطلاح علماء البلاغة، فالالتفات مقصور على الأقوال دون الأفعال، وله ست صور:

الالتفات في التعبير من الغائب إلى المخاطب.

الالتفات في التعبير من الغائب إلى المتكلم.

الالتفات في التعبير من المتكلم إلى المخاطب.

الالتفات في التعبير من المتكلم إلى الغائب.

الالتفات في التعبير من الخطاب إلى التكلم.

الالتفات في التعبير من الخطاب إلى الغيبة.

وقد أورد البلاغيون تعريفات كثيرة للالتفات، أكثرها غير وافٍ بالمراد، بدءًا من تعريف ابن المعتز للالتفات [البديع: ٥٨] إلى تعريف ابن الأثير له [المثل السائر: ٢/٤، والجامع الكبير: ص٩٨] . ولم يوضع له تعريف فني دقيق إلا على يد الخطيب القزويني، والذي تابعه عليه شراح تلخيصه وجمهور البلاغيين [شرح التلخيص للشيخ أكمل الدين البابرتي (٢٥٧)، طرابلس، شرح وتحقيق: محمد مصطفى رمضان، ط١، عام ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٢م].

التعريف الذي كتبه الخطيب وتابعه عليه الجمهور هو: الالتفات: التعبير عن معنى الطرق الثلاثة التكلم، والخطاب، والغيبة، بعد التعبير عنه بواحد منها، ومعنى هذا التعريف يؤول إلى الصور الست التي تقدمت، وقد ورد في القرآن الكريم الالتفات في صوره المشار إليها من قبل.

أمثلة الالتفات في القرآن الكريم

· فالالتفات من الغيبة إلى الخطاب ورد في مواضع كثيرة، منها قوله -تعالى-: {‌ٱلۡحَمۡدُ ‌لِلَّهِ ‌رَبِّ ‌ٱلۡعَٰلَمِينَ * ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ * إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ * ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} [الفاتحة: ٢-٦]  فقد بدأ الحديث بطريق الغيبة في الآيات الثلاث الأولى، ثم عُدِل عن الغيبة إلى الخطاب في أربعة مواضع في الآيات الرابعة، والخامسة والسادسة  في الجمل الآتية:  {إِيَّاكَ نَعۡبُدُ} {وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ} {ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} {أَنْعَمْتَ}. ومثال الانتقال من الخطاب إلى الغيبة قوله -تعالى-: {حَتَّىٰٓ إِذَا ‌كُنتُمۡ ‌فِي ‌ٱلۡفُلۡكِ ‌وَجَرَيۡنَ بِهِم...} [يونس: ٢٢].

وللالتفات وظيفة بيانية عامة ووظيفة خاصة، فالعامة هي تلوين الخطاب، وفائدته: تنشيط ذهن السامع ودفع الملل عنه؛ لأن في انتقال الحديث من أسلوب إلى أسلوب تجديدًا لحركة الذهن، وترويحًا على المشاعر، وهذا عام في كل صور الالتفات، وفي ذلك يقول الإمام الزمخشري: وتلك عادة افتنانهم -أي: العرب- في الكلام، وتصرفهم فيه؛ ولأن الكلام إذا نُقِل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد [الكشاف ١/ ١٢]، وقد أشار بقوله:" وقد تختص مواقعه بفوائد" إلى ما تختص به كل صورة من صور الالتفات فوق تطرية الكلام وتلوين الخطاب، وتطبيق هذه الملامح البيانية التي تُشعُّ من كل صورة من صور الالتفات على ما تقدم من سورتي أم الكتاب، ويونس، يُرينا ما لهذا الفن البلاغي في القرآن من دور عظيم الشأن في التأثير على النفوس.

· فالانتقال من الغيبة إلى الخطاب في آيات الفاتحة كان عقب ثناء العبد على الله بطريق الغيبة، فهو وحده المستحق للحمد كله، وهو وحده الرحمن الحق، والرحيم الحق، وهو وحده مالك شئون يوم الدين، وبعد استحضار هذه الكمالات في المشاعر، يقترب العبد من حضرة ربه، ويقف بين يديه، فيُخاطب ربه مخاطبة الحاضر، لا مخاطبة الغائب.

 أما في آية يونس فإن قوله -تعالى-: {حَتَّىٰٓ إِذَا ‌كُنتُمۡ ‌فِي ‌ٱلۡفُلۡكِ} أي: استقررتم وركبتم فيها، والفلك تُرْكَب لتجري بمن فيها، فإذا جرت وأسرعت براكبيها، فقد غابوا وهي تمخر بهم عباب الماء، فانتقل القرآن من توجيه الخطاب إليهم إلى الحديث عنهم بطريق الغيبة؛ إشارة إلى نعمة جري السفن بهم.

· ومثال الانتقال من الغيبة إلى التكلم قوله -تعالى-: {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ‌ٱلرِّيَٰحَ ‌فَتُثِيرُ ‌سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ}  [فاطر: ٩]، فقد جرى الحديث أولًا عن الغائب، ثم التفت من الغيبة إلى التكلم، فقال: {فَسُقۡنَٰهُ}، والداعي البلاغي لهذا الالتفات هو: التلويح منه -تعالى- بعظم النعمة وكمال التدبير؛ لأن سير السحب في اتجاهات ملحوظة في الجو محض تدبير من الله - عز وجل - بما يصلح أحوال العباد، فهو يصرف السحب عمن ليسوا في حاجة إلى الماء، إلى قوم يعلم الله شدة حاجتهم إلى الماء، فيأمر السحب بالسير نحوهم.

· ومثال الانتقال من التكلم إلى الغيبة: قوله –تعالى-: {إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ * ‌فَصَلِّ ‌لِرَبِّكَ ‌وَٱنۡحَرۡ} [الكوثر: ١-٢]، وكان الأصل أن يقال: "فصلِّ لنا" بضمير المتكلم لا الاسم الظاهر "ربك"؛ لأنه من قبيل الغائب، والداعي البلاغي هو: إظهار الامتنان على المخاطب، وسرعة امتثال الأمر؛ لأن الصلاة المأمور بها هي لربك، ومن خصائص "ربك" الإنعام والرعاية.

· وفي قوله -عز وجل-: {‌وَمَا ‌لِيَ ‌لَآ ‌أَعۡبُدُ ‌ٱلَّذِي ‌فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} [يس: ٢٢] التفات من التكلم إلى الخطاب، حيث أوقع الفعل "فطر" على ضمير المتكلم، ثم التفت منه إلى الخطاب في {تُرۡجَعُونَ}، والداعي البلاغي هو: التصريح بتعميم الحكم "الرجوع إلى الله" على جميع الذين فطرهم الله؛ لئلا يتوهم المخاطبون أنه خاص بالمتكلم، ويجوز أن يكون في هذه الآية إيجاز بالحذف، المسمى: "الاحتباك"، حيث حذف من الأول {‌فَطَرَنِي} ما دل عليه الثاني {تُرۡجَعُونَ}، ومن الثاني {تُرۡجَعُونَ} ما دل عليه الأول {‌فَطَرَنِي}، والتقدير: وما لي لا أعبد الذي فطرني وفطركم، وإليه ترجعون وأرجع.

الخلاصة

أسلوب الالتفات أحد أبرز وسائل البلاغة في اللغة العربية، حيث يُنتقل فيه بين ضمائر الغائب، والمخاطب، والمتكلم لإحداث تأثير بياني قوي، وقد استُعمل هذا الأسلوب بكثرة في القرآن الكريم لتلوين الخطاب وتحريك ذهن المتلقي، وتكمن بلاغته في دقة الانتقال وسرعة التأثير، مما يضفي حيوية وعمقًا على النصوص.

موضوعات ذات صلة

الإخراج على خلاف الظاهر: هو أسلوب بلاغي يُخالف المعايير التقليدية لمقتضى الحال

أسلوب القصر من أبدع أساليب البيان العربي؛ إذ يكشف عن دقة التركيب وسحر التخصيص

الفصاحة هي مصطلح بلاغي ارتبط في بداية البحث البلاغي بمصطلح «البلاغة»

موضوعات مختارة