Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الفصل

الكاتب

أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعني

الفصل

الفصل في البلاغة: هو ترك عطف جملة على أخرى بالواو لتحقيق غرض بلاغي؛ وهو أسلوب قرآني دقيق يحدث عند كمال الانقطاع أو كمال الاتصال أو شبه الاتصال بين الجمل، وله قواعده وضوابطه. 

مفهوم الفصل ومؤسِّسه

الفصل في اللغة: القطع والتنحية والتفريق بين الأشياء [اللسان والمعاجم اللغوية، مادة: فصل]، أما عند البلاغيين فهو فنٌّ من فنون علم المعاني خاص بالعلاقات بين بعض الجمل، وله نظير يقابله في الدرس البلاغي هو "الوصل" وتعتمد فكرتا الفصل والوصل على عطف جملة على أخرى بـ "الواو" خاصة من دون حروف العطف الأخرى، كالفاء وثم وبل، أو ترك هذا العطف.

وقد عرفهما البلاغيون تعريفًا واحدًا جامعًا بين الفصل والوصل، فقالوا: "الوصل: هو عطف جملة على أخرى بالواو، والفصل: هو ترك ذلك العطف" [الإيضاح (١٤٨)].

وكان الإمام عبد القاهر الجرجاني هو أول من أفاض في الحديث عن هذا الفن، ووضع دقائق أصوله وفروعه ولم يترك لمن جاء بعده كبير مجال فيه، إلا بعض إضافات خفيفة لا تخرج عن الأصول التي وضعها هو رحمه الله، [دلائل الإعجاز (٢٢٢ - ٢٤٤)]، ثم نهج الإمام السكَّاكي منهج الإمام عبد القاهر في هذ الدرس، [مفتاح العلوم (١٢٠)]، وتابعهما الخطيب القزويني، [الإيضاح (١٤٧)]، ثم شراح تلخيصه من بعده [شروح التلخيص (٢/٣) المطول (٢٤٧) الأطول (٢/٢)].

حالات فصل الجمل

وهذا البحث (الفصل) خاص بالجمل التي ليس لها محل من الإعراب، مثل الجملة الابتدائية، وجملة صلة الموصول، والجملة الواقعة جوابًا لشرط غير جازم؛ ويجب فصل الجملة الثانية عن الأولى في الحالات الآتية -التي وضع البلاغيون لها ضوابط- على النحو التالي:

كمال الانقطاع: فكل جملتين بينهما كمال الانقطاع يجب فصل الثانية منهما عن الأولى، فلا تعطف عليها بالواو؛ لأن الواو يقتضي العطف بها أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه تناسب، ولا تناسب مع كمال الانقطاع، ويتحقق كمال الانقطاع بين الجملتين إذا اختلفتا في الخبرية والإنشائية لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، وقد مثل البلاغيون لهذه العلاقة من غير القرآن بقول الشاعر:

وقال رائدهم أرسوا نزاوله *** فكل حتف امرئ يجري بمقدار [البيت للأخطل، انظر الإيضاح (١٥٠) المصباح (٣١)]

والشاهد فيه: فصل جملة "نزاولها"؛ لأنها جملة خبرية لفظًا ومعنى، عن جملة "أرسوا"؛ لأنها جملة إنشائية لفظًا ومعنى.

أما الاختلاف بين الجملتين في الخبرية معنى فحسب، فقد مثلوا له بقولهم: "مات فلان رحمه الله"، فالجملة الأولى "مات فلان" خبرية لفظًا ومعنى، والجملة الثانية "رحمه الله" خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ لأنها في قوة "اللهم ارحمه".

أما في القرآن الكريم، فمن أمثلته: قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ} [الكوثر: ٢-٣]، فقد فصلت جملة: {إِنَّ شَانِئَكَ} عن جملة: {وَٱنۡحَرۡ}؛ لأن الأولى إنشائية لفظًا ومعنى، والثانية خبرية لفظًا ومعنى، فبين الجملتين كمال الانقطاع كما ترى.

ومثلهما قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ} [سبأ: ٣] فصلت جملة {قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي} عما قبلها {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}؛ لأن الأولى خبرية لفظًا ومعنى، والثانية إنشائية لفظًا ومعنى، فبين الجملتين كمال الانقطاع، وهذا كثير جدًّا في القرآن الكريم، ويأتي على صورتين:

- أن تكون الأولى إنشائية والثانية خبرية، كما تقدم في سورة "الكوثر".

- أن تكون الأولى خبرية والثانية إنشائية، كما في سورة "سبأ".

  هذا هو كمال الانقطاع الموجب لفصل الجملة الثانية عن الأولى، والفصل هو ترك العطف بالواو خاصة كما تقدم.

- كمال الاتصال: ويتحقق كمال الاتصال بين الجملتين بعدة اعتبارات:

· الأول: أن تنزل الجملة الثانية منزلة البدل من الجملة الأولى، ومثاله من القرآن الكريم: قوله تعالى: {أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ * وَجَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ} [الشعراء: ١٣٢-١٣٤] فصلت جملة: {أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ}، عن جملة: {أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ}؛ لأن الجملة الثانية نزلت منزلة البدل مما قبلها؛ لأن معنى الجملتين واحد، غير أن معنى الأولى مجمل، ومعنى الثانية مفصل، فبين الجملتين كمال الاتصال كما ترى، ويلاحظ أن جملة: {أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ}، وما عطف عليها منزَّلة منزلة بدل البعض من الكل؛ لأن إمداد الله للعباد أعم من الأنعام والبنين، والجنات والعيون، والداعي البلاغي لهذا الإبدال هو إظهار الامتنان على المخاطبين، بذكر النعم مجملة في الآية الأولى، ومفصلة بعض التفصيل في الآية الثانية والثالثة.

· وقد تكون الثانية منزلة من الأولى منزلة بدل الاشتمال، ومثاله: قوله تعالى: {قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ * ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ} [يس: ٢٠-٢١] فصلت جملة: {ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا} عن جملة: {قَالَ يَٰقَوۡمِ}؛ لأن بين الجملتين كمال الاتصال؛ لأن الأولى مشتملة على معنى الثانية؛ لأن المرسلين لا يسألون الناس أجرًا على تبليغ الرسالة؛ أو تكون الجملة الثانية بدل كل من كل، ويمكن التمثيل له من القرآن الكريم بقوله تعالى: {بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ * قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ * لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} [المؤمنون: ٨١-٨٣]؛ لأن ما في الجملتين الثانية والثالثة هو الذي قاله الأولون، ففصلت جملة: {قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا} عن جملة: {بَلۡ قَالُواْ} لما بين الجملتين من كمال الاتصال؛ لتنزيل الثانية من الأولى منزلة بدل الكل من الكل، ويلاحظ أن الجملة الثانية المفصولة في كل ما تقدم أكثر وضوحًا من الجملة الأولى، هذا في جمل كمال الاتصال دون كمال الانقطاع.

· وقد يكون كمال الاتصال بين الجملتين بتنزيل الثانية منزلة التوكيد مما قبلها، معنويًا ولفظيًّا، ومثاله من القرآن الكريم: قوله تعالى: {وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ} [لقمان: ٧]، فقوله تعالى: {وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا} توكيد لجملة: {كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا}؛ لأنها تؤكد نفي التأثير فيمن تليت عليه آيات الله، فبين الجملتين كمال الاتصال؛ لأن الثانية نزلت منزلة التوكيد المعنوي مما قبلها؛ لذلك فصلت عنها ولم تعطف عليها، كما فصلت جملة: {كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ} عن جملة: {كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا}؛ لأن بينهما كمال الاتصال؛ لأن الثانية نزلت منزلة التوكيد مما قبلها.

· وقد يكون كمال الاتصال بين الجملتين بتنزيل الجملة الثانية منزلة عطف البيان مما قبلها (مفسرة) ومثاله في القرآن الكريم: قوله تعالى: {وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ} [الحجر: ٦٦] فصلت جملة: {أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ} عن جملة: {وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ}؛ لأن الجملة الثانية نزلت منزلة عطف البيان عما قبلها (جملة تفسيرية)، فبين الجملتين كمال الاتصال كما ترى، ومثلها قوله تعالى: {فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ} [طه: ١٢٠]، فجملة: {قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ} بيان وتفسير لجملة: {فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ} لذلك فصلت الثانية عن الأولى؛ لأن بينهما كمال الاتصال، حيث كانت الثانية بيانًا وتفسيرًا للأولى، وغير ذلك كثير في كتاب الله العزيز.

- شبه كمال الاتصال: ويسمى الاستئناف البياني، وضابطه: أن تنزل الجملة الثانية منزلة جواب عن سؤال تضمنته الجملة الأولى، ومن أمثلته المستفيضة في القرآن الكريم: قوله تعالى حكاية عن يوسف –عليه السلام: {وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [يوسف: ٥٣]، فالجملة الأولى تضمنت سؤالًا حاصله: ولماذا لا تبرئ نفسك؟ فكان الجواب: {إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ}، ففصلت هذه الجملة عن الجملة الأولى؛ لأن الثانية نزلت منزلة جواب عن سؤال تضمنته الجملة الأولى، فبين الجملتين شبه كمال الاتصال، أو الاستئناف البياني كما عرفت.

ومنه في القرآن الكريم قوله تعالى: {قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ} [هود: ٦٩] يحكي الله في هذه الآية ما دار بين إبراهيم – عليه السلام- والملائكة حين دخلوا عليه، وجملة {قَالَ سَلَٰمٞۖ} فُصلت عما قبلها؛ لأنها بمثابة جواب عن سؤال تضمنته الجملة الأولى: ماذا قال إبراهيم في ردِّه على الملائكة؟ فكان الجواب: {قَالَ سَلَٰمٞۖ} فبين الجملتين شبه كمال الاتصال أو الاستئناف البياني - لذلك فصلت الثانية عن الأولى.

ويرى الإمام عبد القاهر الجرجاني أن كل جملة مفصولة بعد جملة {قَالَ} في القرآن هي جواب عن سؤال مقدر تضمنته الأولى [دلائل الإعجاز (٢٣٨)]، وإذا صح هذا فإن الاستئناف البياني في القرآن أكثر صور الفصل في القرآن الكريم.

الخلاصة

يعد عبد القاهر الجرجاني أول من أسس قواعد الفصل، ويهدف الفصل إلى تحقيق غايات بلاغية محددة، ويتم في عدة حالات رئيسية (عند كمال الانقطاع بين الجملتين -في حالة كمال الاتصال- في حالة شبه كمال الاتصال).

موضوعات ذات صلة

الوصل في البلاغة: هو عطف جملة لا محل لها من الإعراب على أخرى مثلها، حين تتحقق بينهما مناسبة بلاغية تُسمى "التوسط بين الكمالين"

الاستعارة هي: أحد الأساليب البيانية المهمة في علم البلاغة

علم البديع هو ثالث علوم البلاغة العربية، ويهتم بتحسين الكلام بعد مطابقته لمقتضى الحال

موضوعات مختارة