علم الحديث هو علم دقيق يهتم بدراسة الأحاديث النبوية وطرق روايتها، ومن أهم المفاهيم في هذا العلم هو مفهوم التحمل وطرقه.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
علم الحديث هو علم دقيق يهتم بدراسة الأحاديث النبوية وطرق روايتها، ومن أهم المفاهيم في هذا العلم هو مفهوم التحمل وطرقه.
التّحمُّل لغة: مأخوذ من حَمْلِ الشيء ونقله من مكان إلى آخر، أو من شخص إلى آخر أو آخرين؛ وقد يُطلق على المادِّيّات كحمل الدِّية أو الغرامة عن غيره، وقد يُطلق على المعنويّات كحمل الأمانة.
التحمُّل اصطلاحًا: هو تَلَقِّي التلميذ الحديثَ من الشيخ مباشرة، أو بواسطة إحدى طرق التلقي التي ذكرها المحدّثون، من قراءة، وإجازة، ومناولة، ومكاتبة، وإعلام، ووصية، ووجادة.
قال الحافظ ابن الصلاح: يصحُّ التحمُّل قبل وجود الأهلية، فتُقبَل روايةُ من تحمَّل قبل الإسلام وروى بعده مع أهليته لذلك، وكذلك رواية من سمع قبل البلوغ وروى بعده. ومنع من ذلك قومٌ، فأخطؤوا؛ لأن الناس قبلوا رواية أحداث الصحابة، كالحسن بن علي، وابن عباس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وأشباههم، من غير فرقٍ بين ما تحمَّلوه قبل البلوغ وما بعده. ولم يزالوا قديمًا وحديثًا يُحضِرون الصبيان مجالس التحديث والسماع، ويعتدّون بروايتهم لذلك. والله أعلم.[المقدمة (ص ٦٠) في النوع الرابع والعشرين دار الكتب العلمية ببيروت، وراجع توضيح الأفكار مع تنقيح الأنظار (٢٨٦/٢-٢٩٤)، مطبعة السعادة، وتوزيع مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٦٦هـ)].
حدَّد جمهور المحدِّثين لذلك خمس سنين، بشرط أن يكون الصبي في هذه السن لديه القدرة على فَهم الخطاب، ورَدّ الجواب.
قال القاضي عياض بن موسى: قد حدَّد أهل الصنعة في ذلك أن أقله سنُّ محمود بن الربيع، وذكر رواية البخاري في صحيحه بعد أن ترجم: متى يصح سماع الصغير؟
بإسناده عن محمود بن الربيع، قال: "عَقَلْتُ من النبيِّ مجَّةً مجَّها في وجهي، وأنا ابنُ خمس سنين، من دَلوٍ".
[مقدمة ابن الصلاح (ص (٦١)، والحديث في صحيح البخاري (۲۰۷/۱)، (۳) كتاب العلم (۱۸) باب متى يصح سماع الصغيرة - حديث رقم (۷۷)، وأطرافه في (۱۷۹)]
وقال الحافظ ابن الصلاح: "التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين، فيكتبون لابن خمس فصاعدًا: "سمع"، ولمن لم يبلغ خمسًا: "حضر" أو "أُحضِر".
والذي ينبغي في ذلك: أن يُعتبر في كل صغير حالُه على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعًا عن حال من لا يعقل فهمًا للخطاب، ورَدًّا للجواب، ونحو ذلك، صحَّحْنا سماعه، وإن كان دون خمس، وإن لم يكن كذلك لم نُصحِّح سماعه، وإن كان ابنَ خمس، بل ابن خمسين
[المقدمة (ص (٦٢) في النوع الرابع والعشرين].
ذكر المحدثون ثماني طرق هي [راجع هذه الطرق في المصادر الآتية: مقدمة ابن الصلاح ( ص ٦٢-٨٧) في النوع الرابع والعشرين، وتدريب الراوى (٩/٢-١٠٤)، والكفاية في علم الرواية (ص ۳۸-۵۰۷)، والتقييد والإيضاح (ص (۱٦٦-۲۰۱) المكتبة السلفية بالمدينة المنورة (ط ٣ - ١٣٨٩ هـ / ١٩٦٩م)، وفتح المغيث للسخاوى (١٥١/٢-١٦٦) ، والعراقي (ص ۱۸۱-۲۲۹) وكلاهما مكتبة السنة بالقاهرة، والإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ( ص ٦٩-١٠٣)، والمحدث الفاصل بين الراوى والواعي (ص ٤٢٠-٦٠٣)، وتوضيح الأفكار (٢٩٥/٢-٣٥١)].
الطريقة الأولى: السّماع، وهو سماع لفظ الشيخ إملاءً أو تحديثًا، وسواء كان من حفظه أو من كتابه.
وهذه الطريق هي أرفع طرق تحمل الحديث عند الأكثرين لبعدها عن الخطأ والسهو .
صورها : لها أربع صور هي:
- أن يكون السماع لما يقوله الشيخ من حفظه.
- أو يكون السماع لما يقرؤه الشيخ من كتابه.
- أو يكون السماع لما يُمْليه الشيخ من حفظه .
- أو يكون السماع لما يُمْلِيه الشيخ من كتابه .
والصورة الأخيرة أعلى صور السماع منزلة وتوثيقًا للأحاديث؛ لأن الشيخ والتلميذ يكونان معًا أبعد عن الغفلة.
الطريقة الثانية : القراءة على الشيخ : ولكنه يمسك بأصله، أو يمسكه تلميذ غيره.
وسمّاه بعضهم "العرض؛ لأن التلميذ يَعْرض ما يَقْرؤه على الشيخ، ولكن الحافظ ابن حجر العسقلاني - وغيره - يفرّق بَين الْقَرَاءة والْعَرض، وأنّ القراءة أعم، والعرض أخص.
صور القراءة:
لها صور عديدة، منها ما يأتي:
١- أن يقرأ التلميذ على الشيخ من كتابه، والشيخ حافظ لما يُقرأ.
٢- أن يقرأ التلميذ على الشيخ من كتابه، والشيخ غير حافظ، ولكنه ممسك بأصله.
٣- أن يقرأ التلميذ من كتابه، والشيخ غير حافظ، وغير ممسك بأصله، ولكنه معه ثقةٌ عارفٌ ممسكٌ بأصل الشيخ ويتابعه.
٤- أن يقرأ التلميذ على الشيخ من حفظه، والشيخ حافظ لما يُقرأ.
٥- أن يقرأ التلميذ من حفظه، والشيخ غير حافظ، ولكنه ممسك بأصله.
٦- أن يقرأ التلميذ من حفظه، والشيخ غير حافظ، وغير ممسك بأصله، ولكن أصله مع ثقةٍ عارفٍ يتابع التلميذ.
ولا بد من التنبيه هنا على أمرين:
أحدهما: أن المتلقِّي قد يكون هو القارئ على الشيخ، وقد يكون القارئ تلميذًا آخر، وهو يسمع مع الشيخ.
ثانيهما: إمساك، وهي أن يقرأ التلميذ على الشيخ أحاديثه التي له حق روايتها، أو يقرأ غيرُه على الشيخ وهو يسمع، سواء كان من كتاب أو من حفظ، وسواء كان الشيخ حافظًا أو غير حافظ. الأصل أثبت صور هذه الطريقة؛ لأن النظر إلى الكتاب تنتفي معه الغفلة.
الطريقة الثالثة: الإجازة
وهي إذن الشيخ للتلميذ بلفظه أو بخطّه، بأن يروي مسموعاته أو مروياته - كلها أو بعضها -. وسواء كان التلميذ حاضرًا أو غائبًا.
أركانها:
١- المُجيز، وهو الشيخ.
٢- المُجاز له، وهو التلميذ.
٣- المُجاز به، وهو كتاب الشيخ أو مروياته، كلّها أو بعضها.
٤- الصيغة الدالّة على الإذن بالإجازة.
شروط الإجازة الصحيحة وأنواعها
١- أن يكون المُجيز ثقةً عدلًا في دينه وروايته.
٢- أن يكون المُجاز به مُعيَّنًا.
أنواعها:
١- أن يُجيز الشيخ مُعيَّنًا لمُعيَّن، كأن يُجيز لطالبٍ مُعيَّنٍ رواية صحيح البخاري مثلًا. وهذا النوع أعلى أنواع الإجازة.
٢- أن يُجيز الشيخ غير مُعيَّن لمُعيَّن، كأن يُجيز لطالبٍ مُعيَّنٍ جميع مروياته أو جميع مسموعاته ونحو ذلك. والنوعان السابقان أجازهما الجمهور.
٣- أن يُجيز الشيخ غير مُعيَّن بوصف العموم، كأن يقول: "أجزتُ جميع المسلمين"، أو "كل أحد"، أو "أهل زماني". فهذا ما يُسمى بالإجازة العامة؛ لأن المُجاز له غير مُعيَّن، والمُجاز به عام. وفي هذا النوع خلافٌ بين العلماء، فإن قُيِّدت الإجازة فقال مثلًا: "أجزتُ طلبة العلم ببلد كذا"، أو "من قرأ عليَّ قبل هذا"، فهذا أقرب إلى الجواز، بل قال القاضي عياض: "ما أظنهم اختلفوا في جواز ذلك، ولا رأيتُ منعه لأحد؛ لأنه محصور موصوف".
٤- أن يُجيز الشيخ بمجهولٍ أو لِمجهول، كأن يقول الشيخ: "أجزتُ كتاب السنن"، وهو يروي كتبًا عدة يُسمى كل منها "السنن"، أو يقول: "أجزتُ صحيح مسلم لمحمد بن خالد الدمشقي"، وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم. فهذه إجازةٌ لمُعيَّنٍ لمجهول. فهذا النوع فاسدٌ وباطلٌ عند جماهير العلماء.
٥- أن يُجيز الشيخ للمعدوم، أو للطفل غير المُميز، أو للكافر، فأما الإجازة للمعدوم، كأن يقول المُجيز: "أجزتُ لمن يُولد لفلان كذا وكذا"، وكذلك الإجازة للكافر، فباطلةٌ عند العلماء، وذلك لانعدام الأهلية. وأما للطفل غير المُميز، فمُختلَفٌ في صحتها، والأرجح عند العلماء توسيع السبيل إلى الإبقاء على الإسناد الذي اختصت به هذه الأمة. وممن صحَّح هذا النوع: ابن حجر العسقلاني، وابن الصلاح، والنووي، والسيوطي، وغيرهم.
٦- أن يُجيز الشيخ ما لم يسمعه ولم يتحمله بعد، كأن يقول: "أجزتُك صحيح البخاري"، في حين أنه لم يتحمَّل صحيح البخاري أصلًا. وهذا النوع فاسدٌ عند المُحقِّقين من أهل العلم.
٧- إجازة المُجاز، كأن يقول الشيخ: "أجزتُ لك مُجازاتي"، أو: "أجزتُ لك رواية ما أُجيز لي روايته". قال الحافظ ابن الصلاح: "فمنع من ذلك بعضُ من لا يُعتدُّ به من المتأخرين، والصحيح الذي عليه العمل أن ذلك جائزٌ".
الطريقة الرابعة: المناولة
وهي إعطاء الشيخ لتلميذه مروياته، كلِّها أو بعضها، مباشرة أو كتابةً.
أقسامها:
تنقسم المناولة إلى قسمين، هما:
١- المناولة المقرونة بالإجازة، وهي أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق.
٢- المناولة المجرَّدة عن الإجازة، كأن يُناول الشيخ التلميذ الكتاب، ويقتصر على قوله: "هذا من حديثي" أو "من سماعاتي"، ولا يُصرِّح له بالإذن بالرواية. فهذه الصورة عابها غير واحد من العلماء، وبعضهم أجازها بحجة أنها لا تخلو من الإشعار بالإذن بها.
الطريقة الخامسة: المكاتبة
أن يكتب الشيخ إلى الطالب شيئًا من حديثه، سواء كان الطالب حاضرًا أو غائبًا.
أنواعها:
١- المكاتبة المقرونة بالإجازة، كأن يقول الشيخ للطالب: "أجزتُك ما كتبتُ لك" أو "إليك".
٢- المكاتبة المجردة من الإجازة، كأن يكتب الشيخ للطالب بعض الأحاديث دون أن يُجيزه بروايتها.
أما النوع الأول فصحيح، وفي قوة المناولة المقرونة بالإجازة، وأما النوع الثاني فمُختلفٌ في صحته، والراجح صحته على رأي الأكثرين.
شروط المكاتبة
اختلف العلماء في بيان هذه الشروط على مذهبين:
١- يرى أصحابه أنه يكفي في صحة الرواية بالكتابة أن يعرف الطالب أن هذا المكتوب له هو بخط الكاتب (الشيخ) دون وضع البيِّنة عليه.
٢- يرى أصحابه ضرورة البيِّنة عليه؛ لأن الخط قد يشتبه بغيره. وقد ضَعَّف الحافظ ابن الصلاح هذا الرأي، بحجة أن خط الإنسان لا يشتبه بغيره، ولا يقع فيه التباس.
قلتُ: فمتى تيقَّن أن الكتاب الذي بلغه إنما هو كتاب الشيخ، وأنه بخطِّه فعلًا، جاز. فأما إذا شك، لم تجز له روايته.
الطريقة السادسة: الإعلام
وهو أن يُعلِم الشيخُ الطالبَ أن هذا الكتاب – أو هذا الحديث – سمعه من فلان، أو رواه عنه، ويقتصر على ذلك دون أن يأذن له بالرواية، أو قد يأذن له بذلك.
وقد اختلف العلماء في صحة الرواية بهذه الطريقة، والكثيرون يرون صحتها وجوازها.
الطريقة السابعة: الوصية
وهي أن يُوصِي الشيخُ عند موته – أو سفره – لشخصٍ بكتابٍ من كتبه، أو بكل كتبه التي يرويها.
وقد اختلف العلماء أيضًا في صحتها أو جوازها، والراجح عدم جوازها.
الطريقة الثامنة: الوجادة
وهي أن يقف الطالب على أحاديث بخطِّ شيخٍ لم يُعاصره، أو عاصره ولم يَلقَه، أو عاصره ولقِيَه ولم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطِّه، ولم يحصل منه على إجازة ولا مناولة ولا نحوها.
صورها:
١- أن يقف الطالب على أحاديث بخطِّ شيخٍ غير معاصر له.
٢- أن يقف الطالب على أحاديث بخطِّ شيخٍ معاصر له ولم يلقَه.
٣- أن يقف الطالب على أحاديث بخطِّ شيخٍ معاصر له، ولقِيَه، ولكنه لم يسمع منه.
٤- أن يقف على أحاديث بخطِّ شيخٍ معاصر له، ولقِيَه وسمع منه، ولكنه لم يسمع منه الأحاديث التي وجدها.
أنواعها، وحكم كل نوع
للوجادة نوعان، هما:
١- وجادة مقرونة بالإجازة، وهذا النوع لم يختلف العلماء في جوازه.
٢- وجادة مجردة عن الإجازة، وهذا النوع مختلف في جوازه؛ فمعظم المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم يرون عدم تجويزها، بينما أجازها الإمام الشافعي ونُظّار أصحابه.
وهناك رأيٌ ثالث لبعض المحقّقين من الشافعيين، نحو ابن الصلاح – وتبعه النووي والسيوطي – يرى صحة الرواية بها والعمل بها بشرطين:
ففي هذا النوع ثلاثة آراء:
١- رأي متشدد: منعها مطلقًا.
٢- رأي متساهل: أجازها مطلقًا.
٣- رأي وسط: فصَّل فيها، حيث قبلها فقط من الثقة الضابط، وأن يكون الكتاب مُقابَلًا وغير مُحرَّف.
قال ابن الصلاح:
"فإنه لو تُوقِّف العمل فيها على الرواية، لانْسَدَّ باب العمل بالمنقول لتعذُّر شروط الرواية فيه".
ومن حيث الإجمال، يرى العلماء أن الرواية بالوجادة من باب المنقطع، ولكن فيها نوعًا من الاتصال، وذلك في قوله: "وجدتُ بخطِّ فلان".
المقال يتناول مفهوم التحمل في علم الحديث، حيث يُعرّف التحمل. يُوضح المقال شروط صحة التحمل وطرقه المختلفة، مثل السماع والقراءة على الشيخ والإجازة والمناولة والمكاتبة والإعلام والوصية والوجادة، كما يُشير إلى آراء العلماء المختلفة في شروط وجواز كل طريقة من هذه الطرق. يهدف المقال إلى توضيح أهمية التحمل في علم الحديث وضبط شروطه وطرقه لضمان صحة الرواية.
التحمل هو أخذ الحديث عن الشيوخ بطرقه الثمانية، والأداء هو نقله للغير بصيغٍ تعكس كيفية سماعه.
أرفع طرق التحمل وأقواها لضبطه النص وصيانته من التصحيف، ويشمل إملاء الشيخ أو القراءة عليه (العرض)، بشرط الأهلية والتمييز لدى الطالب.
هي دفعُ الشيخِ كتبَه لشخص عند موته أو سفره، والرواية بها محل خلاف.