ينقسم الحديث المُعَلّ بحسب موقع
العلة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المُعَلّ في السند: وهو الأكثر، كما قال ابن الصلاح،
وهذا القسم قد تكون العلة قادحة في صحة الإسناد والمتن جميعًا، كما في التعليل
بالإرسال والوقف، وقد تقدح في صحة الإسناد خاصة، من غير قدح في صحة المتن.
فمن أمثلة المعل في السند، وتكون العلة قادحة في المتن كذلك
ما أخرجه الترمذي
في كتاب "الدعوات"، باب ما يقول إذا قام من مجلسه من طريق ابن جُريج،
أخبرني موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ
فِيهِ لَغْطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ
اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشُهَّدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا أَنْتَ،
أَسَتَغْفِرُكَ وَأُتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ
ذَلِكَ»،
فهذا الحديث بهذا السند رواه الامام الترمذي في سننه وقال حسن صحيح، وابن
حبان والحاكم في مستدركه وصححه، وقد تم منهم ذلك بناءً على ظاهر سلامة السند،
وعدالة رجاله، إلا أن في سند الحديث علة دقيقة قادحة.
قال السخاوي: " فَإِنَّ مُوسَى
بْنَ إِسْمَاعِيلَ أَبَا سَلَمَةَ الْمِنْقَرِيَّ رَوَاهُ عَنْ وُهَيْبِ
بْنِ خَالِدٍ الْبَاهِلِيِّ عَنْ سُهَيْلٍ الْمَذْكُورِ، فَقَالَ:
عَنْ عَوف بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ
التَّابِعِيِّ، وَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِهِ، وَبِذَلِكَ أَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ،
وَقَضَى لِوُهَيْبٍ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ فِي
الدُّنْيَا بِسَنَدِ ابْنِ جُرَيْجٍ هَذَا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ:
"لَا نَذْكُرُ لِمُوسَى سَمَاعًا مِنْ سُهَيْلٍ"، وَكَذَا أَعَلَّهُ أَحْمَدُ،
وَأَبُو حَاتِمٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ سُهَيْلٍ،
فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَصَابَتْهُ عِلَّةٌ نَسِيَ مِنْ أَجْلِهَا بَعْضَ
حَدِيثِهِ، وَوُهَيْبٌ أَعْرَفُ بِحَدِيثِهِ مِنَ ابْنِ عُقْبَةَ،
عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ قَدْ خَفِيَتْ عَلَى مُسْلِمٍ حَتَّى
بَيَّنَهَا لَهُ إِمَامُهُ، وَكَذَا اغْتَرَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ
بِظَاهِرِ هَذَا الْإِسْنَادِ، وَصَحَّحُوا حَدِيثَ ابْنِ جُرَيْجٍ"]فتح المغيث١/٢٢٧[
ومن أمثلة ما وقعت العلة في إسناده
من غير قدح في المتن: ما رواه الثقة يَعلى بن عبيد، عن سفيان الثوري،
عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «الْبَيْعَانِ
بِالْخِيَارِ» الحديث، فهذا إسناد متصل بنقل العدل عن العدل، وهو مُعَلّ،
والمتن على كل حال صحيح، والعلة في قوله: "عن عمرو بن دينار"،
إنما هو "عن عبد الله بن دينار"، عن ابن عمر، هكذا رواه
الأئمة من أصحاب سفيان عنه، فوهم يَعلى بن عبيد، وعدل عن عبد الله إلى عمرو
بن دينار، وهي علة لا تؤثر في صحة المتن؛ لأن كليهما ثقة.] مقدمة ابن
الصلاح٨٤[
القسم الثاني: العلة في المتن:
مَا انْفَرَدَ مُسْلِمٌ
بِإِخْرَاجِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنَ اللَّفْظِ الْمُصَرِّحِ بِنَفْيِ
قِرَاءَةِ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فَعَلَّلَ
قَوْمٌ رِوَايَةَ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ لَمَّا رَأَوُا الْأَكْثَرِينَ إِنَّمَا
قَالُوا فِيهِ:
" فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِـ "الْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِذِكْرِ
الْبَسْمَلَةِ، وَهُوَ الَّذِي اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ
فِي الصَّحِيحِ، وَرَأَوْا أَنَّ مَنْ رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ
رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ، فَفَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: كَانُوا
يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْدِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُبَسْمِلُونَ، فَرَوَاهُ
عَلَى مَا فَهِمَ وَأَخْطَأَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ السُّورَةَ الَّتِي كَانُوا
يَفْتَتِحُونَ بِهَا مِنَ السُّورِ هِيَ الْفَاتِحَةُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ
لِذِكْرِ التَّسْمِيَةِ.
وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أُمُورٌ،
مِنْهَا: أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِافْتِتَاحِ
بِالتَّسْمِيَةِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَحْفَظُ فِيهِ شَيْئًا عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم. [صحيح مسلم كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر
بالبسملة رقم ٣٩٩[
القسم الثالث: المُعَلّ في السند
والمتن معًا:
قال ابن أبي حاتم:
"سألت أبي عن حديث رواه بقية، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر،
عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ
صَلَاَةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ»، قال أبي: هذا خطأ المتن
والإسناد، إنما هو الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي-صلى
الله عليه وسلم- ولفظه: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ صَّلَاَةٍ رَكْعَةً فَقَدْ
أَدْرَكَهَا»، وأما قوله: «مِنْ صَلَاَةِ
الْجُمُعَةِ» فليس هذا في الحديث، فوَهِم في كليهما". [علل
الحديث١/١٧٢[