ثم أخذ في التصنيف، وأملى الأربعين المتباينة بالشيخونية، من سنة ثمان وثمانمائة، ثم أملى من عشاريات الصحابة نحو مائة مجلس عدة سنين، ثم وَلِيَ درس الحديث بالمدرسة الجمالية الجديدة، فأملى بها، ثم قطعه لما تركها في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وتشاغل بالتصنيف، ثم ولي مشيخة البيبرسية، ثم تدريس الشافعية بالمدرسة المؤيدية الجديدة، ومشيخة البيبرسية في دولة المؤيد، وتدريس الفقه بالمدرسة الصلاحية المجاورة للإمام الشافعي، كما تولى الخطابة بالجامع الأزهر، وجمع بين التدريس والإفتاء وولي منصب القضاء، وكانت أول ولايته القضاء في السابع والعشرين من المحرم، سنة سبع وعشرين وثمانمائة، بعد أن امتنع أولًا، لأنه كان لا يؤثر على الاشتغال بالتأليف والتصنيف شيئًا، غير أن ابن حجر، كما يقول السخاوي، قد ندم على قبوله وظيفة القضاء،
ثم ولي القضاء في السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة، فباشر القضاء بالديار المصرية مدة كبيرة، فقد كان متبحرًا في العديد من العلوم، وكان يفد إليه طلاب العلم وأهل الفضل من سائر الأنحاء، وكان يتسم بالحلم والتواضع والصبر، كثير الصيام والقيام.
وكان مرجعًا في الحديث النبوي، حتى لقب بلقب (أمير المؤمنين) في الحديث، وهذا اللقب لا يظفر به إلا أكبر المحدثين الأفذاذ، وقد حُبِّبَ إلى ابن حجر الحديث، وأقبل عليه بكليته، وطلبه من سنة ثلاث وتسعين، ولكنه لم يلزم الطلب إلا من سنة ست وتسعين، فعكف علي الزين العراقي وتخرج به، وانتفع بملازمته، وتحوّل إلى القاهرة فسكنها قبيل القرن، وارتحل إلى البلاد الشامية والمصرية والحجازية، وأخذ عن الشيوخ والأقران، وأذن له جل هؤلاء في الإفتاء والتدريس.
وتصدَّر لنشر الحديث، وقصر نفسه عليه مطالعة وقراءة وإقراء وتصنيفًا وإفتاءً، وزادت تصانيفه، التي معظمها في فنون الحديث، وفيها من فنون الأدب والفقه، على مائة وخمسين تصنيفًا.
وقد عرف ابن حجر بالحفظ وكثرة الاطلاع والسماع، وبرع في الحديث، وتقدم في جميع فنونه، وأثنى عليه شيوخه في هذا الشأن، ويقول ابن حجر: إن من آفة التلبس بالقضاء أن بعضهم ارتحل إلى لقائي، وأنه بلغه تلبسي بوظيفة القضاء فرجع، وكان آخر ولايته القضاء إذ عزل نفسه في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثمان مئة.
وتقدم الإمام ابن حجر في جميع فنونه، ووصل إلى مرتبة الذهبي، وأثنى عليه شيوخه في هذا الشأن.