Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الرحلة في طلب الحديث وأهميتها

الكاتب

أ.د/ سعيد محمد صالح صوابي

الرحلة في طلب الحديث وأهميتها

الرحلة في طلب الحديث الشريف من أعظم الوسائل التي اعتمدها العلماء لنقل العلم وتحقيق السند الصحيح، وهي مشروعة شرعًا ومحمودة؛ لما لها من أثر كبير في حفظ السنة ونشرها.

تعريف الرحلة ودليل مشروعيتها

الرحلة في اللغة: اسم من الارتحال، وهو المضيّ في السفر من أرض إلى أخرى لغاية ينشدها، قال الحافظ ابن حجر: (الرحلة بكسر الراء بمعنى: الارتحال، وبفتح الراء أي: الواحدة - يعني: أنها اسم مرة - وأما بضمها، فالمراد به الجهة ([صحيح البخاري: كتاب العلم، باب الرحلة في المسألة النازلة، وتعليم أهله ١/١٨٤، فتح الباري- ط السلفية - القاهرة]، والرحلة في طلب الحديث مشروعة بالكتاب لقوله تعالى: {وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ ‌حُقُبٗا} [الكهف: ٦٠]، وقوله سبحانه: {فَلَوۡلَا  نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ} [التوبة١٢٢].

ومما يستدل به أيضًا على مشروعية الرحلة في تعلم الحديث الشريف من السنة المطهرة: ما أخرجه مسلم في صحيحه ح ٢٦٩٩ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «... وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» [صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث (٢٦٩٩)، وسنن الترمذي. كتاب العلم، حديث )٢٦٤٦(]، والرحلة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته كثيرة من القاصي والداني طلبًا لتعلم شرائع الإسلام، والتعرُّف على أسسه ومبادئه مما يجيء به الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ الذي جعل الله - عز وجل - فيه جميل الأسوة، وخاطبه بقوله: {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا} [النساء: ١١٣]، وبقوله جل في علاه: {وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ} [النحل: ٤٤].

فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول في الحديث المتفق عليه [صحيح البخاري: كتاب العلم، باب التناوب في العلم - واللفظ له - ح ٨٩، وصحيح مسلم، ح١٤٧٩: الروايتان رقم: ٣١، ٣٤ من كتاب الطلاق]: "كنْتُ أَناَ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ، فِي بني أُمَيَّةَ بْنِ زيدٍ، وَهْيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكنَّا نتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَنْزِلُ يَوْمًا، وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نزَلْتُ، جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإذَا نزَلَ، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ..."

ويستفاد من هذا الحديث: التيسير على طالب العلم في تخصيص بعض الوقت للسعي على المعاش، كي يتمكن من مواصلة التعلم، مع أخذ الحيطة بتدارك ما فاته من العلم يوم تغيبه، ولكن سماع المرء بواسطة لا يستوي أبدًا بسماعه مباشرةً، ومن ثم: أطلق عمر - رضي الله عنه - على الاشتغال بالتجارة: لهوًا؛ لأنها منعته من طول ملازمته للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وجعلت غيره من الأنصار يسمعون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يسمعه هو؛ نظرًا لانشغاله بالتجارة وخروجه إلى الأسواق من أجل الكسب لعياله، والتعفف عن الناس، فقال عمر - رضي الله عنه - مخاطبًا لأبي موسى الأشعري، وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب - رضي الله عنهم - لما أخبروه بحديث الاستئذان: «أَخَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ أَلْهَانِي السَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ» يعني: الخروج إلى التجارة [ينظر: روايات الحديث في صحيح البخاري في كتب: البيوع، والاستئذان، والاعتصام بالكتاب والسنة، تحت أرقام: ٢٠٦٢، ٦٢٤٥، ٧٣٥٣، وصحيح مسلم كتاب الآداب، ح ٢١٥٣، ٢١٥٤].

 وهذا نموذج آخر لرحلة قوم من بلاد بعيدة ينبئنا به عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - في الحديث المتفق عليه حيث قال:«إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنِ القَوْمُ» أَوْ «مَنِ الوَفْدُ؟»، قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ - أَوْ بالْوَفْدِ-  غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى»، فَقَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إَلَّا فِي شَهْرِ الَحرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذا الَحيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُل بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأشرِبَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أتدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللهِ وَحْدَهُ؟»، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ»، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ...» [صحيح البخاري، كتاب الإيمان، ح٥٣ - واللفظ له -، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، ح ١٧].

 وبعد أن لحق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى: واصل الصحابة - رضي الله عنهم - الرحلات لسماع الحديث الشريف ممن تلقاه مباشرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - يبلغه حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في القصاص يوم القيامة، فلما عرف أن الذي سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - هو: عبد الله بن أنيس، رحل إليه من المدينة إلى الشام.

وهاك سردًا للقصة بتمامها كما حدَّث بها - رضي الله عنه -:"بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلِي، فَسِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا، حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ الشَّامَ فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَقُلْتُ لِلْبَوَّابِ: قُلْ لَهُ: جَابِرٌ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَخَرَجَ يَطَأُ ثَوْبَهُ فَاعْتَنَقَنِي، وَاعْتَنَقْتُهُ، فَقُلْتُ: حَدِيثًا بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْقِصَاصِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَمُوتَ، أَوْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا » [حديث صحيح، أخرجه مطولًا الإمام أحمد في المسند، ٣/٤٩٥، ح ١٦٠٤٢، وصححه الحاكم في المستدرك، ٢/٤٣٧- ٤٣٨، ح ٣٦٣٨، وأقره الذهبي، وعلقه البخاري في صحيحه، ١/١٧٤، ١٣/٤٥٤، ووصله في الأدب المفرد، ح٩٧٠]، ثم استمرت الرحلة سُنةً متبعةً في التابعين وأتباعهم ومن بعدهم، حتى بعد استقرار الأحاديث الشريفة في المصنفات المعتمدة.

يرحل التلميذ للمدارس الحديثية المبثوثة في كافة الأقطار، ويسمع من الشيوخ المنتشرين في سائر الأمصار، ثم إذا صار إمامًا رحل إليه غيره للتحمل عنه، والتعلم منه، وهكذا على امتداد الأعصار، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

من فوائد الرحلة في طلب الحديث الشريف

١.    تقليل طبقات الإسناد بإلغاء الوسائط، فيصبح السند عاليًا، وهذا مستحب عند أهل الحديث.

٢.    زيادة المعرفة بطرق الحديث الواحد، حيث يسمع الراوي من علماء المصر الذي رحل إليه زيادات لم يسمعها من علماء بلده، وكثيرًا ما يجد عندهم ما لم يجده عند شيوخه في وطنه.

٣.    التثبت من قوة الحديث أو ضعفه بما يقع بين علماء الأقطار من عرض ومذاكرات ومناظرات.

٤.    معرفة سبب ورود الحديث الشريف، حين يلقى الراوي من سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أفتاه، أو قضى له.

٥.    حث التلاميذ على المثابرة وتحمل المشاق في جمع الحديث الشريف وتحصيله ومذاكرته؛ ليكونوا خير خلف لخير سلف.

٦.    تساعد الرحلة على حفظ الحديث ونشره وتمحيصه والتثبت فيه، وغير ذلك.

من المؤلفات في الرحلة

١-  ما صنفه الخطيب البغدادي تحت عنوان: (الرحلة في طلب الحديث)، حيث جمع فيه نماذج كثيرة من رحلات أهل الحديث في كل الطبقات، منذ العهد النبوي حتى منتصف القرن الخامس الهجري، وقد طُبع الكتاب محققًا في بيروت، عام ١٩٧٥م عن دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى – تحقيق: د/ نور الدين عتر، والله أعلم.


 مراجع للاستزادة

المحدث الفاصل للرامهرمزي من ص ۲۲۹: ۲۳۳، الفقرة رقم: ۱۲۰: ۱۲۹.

معرفة علوم الحديث للحاكم، من ص ۷: ۱۲

صحیح مسلم ١/ ٥٦٩: ٥٧١ ح ٠٨٣٢

مسند الإمام أحمد ٢/ ٢٥٢ ح ٠٧٤٣٧

السنة قبل التدوين، ص ۱٧٦: ۱۸۳ للدكتور محمد عجاج الخطيب، ط – الثانية، مكتبة وهبة - القاهرة، ومكتبة أم القرى للطباعة والنشر، القاهرة ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨م.

الخلاصة

الرحلة في طلب الحديث الشريف مشروعة وثابتة بالنصوص الشرعية، وتهدف إلى تحصيل العلم والتثبت من صحة الأحاديث، وتساعد هذه الرحلات في رفع درجة الإسناد، وزيادة المعرفة بطرق الحديث ونشره، كما تحفّز العلماء على المثابرة وتحمل المشاق ليكونوا خير خلف لخير سلف.

موضوعات ذات صلة

يُعد طلب العلم فريضة في الإسلام، فهو أساس معرفة الله وبناء الحضارات.

تشير مشيخات المحدثين إلى كتب تذكر شيوخ المؤلفين الذين التقوا بهم أو أجازوهم.

مرّت بمراحل طويلة من التدوين والتصنيف، حيث سعى العلماء لحفظ السنة ونقد رواتها.

موضوعات مختارة