تُعدُّ رواية الآباء عن أبنائهم من الظواهر النادرة والمهمة في علوم الحديث، حيث يروي الأب عن ابنه رغم تقدم الأب زمنًا ورتبةً، مما يعكس تواضع المحدثين ودقة نقل الحديث وحفظه من الخطأ.
تُعدُّ رواية الآباء عن أبنائهم من الظواهر النادرة والمهمة في علوم الحديث، حيث يروي الأب عن ابنه رغم تقدم الأب زمنًا ورتبةً، مما يعكس تواضع المحدثين ودقة نقل الحديث وحفظه من الخطأ.
هذا نوع عزيز من أنواع علوم الحديث يعرفه حُذَّاق المحدِّثين والمدققون منهم.
تعريفه: أن يوجد في سند الحديث أبٌّ يروي عن ابنه، فبتلقي ذاك الأب عن ابنه هذا الحديث وتحمله عنه، يصير الابن شيخًا لأبيه وأستاذًا له، مع تأخره عنه في الزمن والرتبة.
ومن فوائد هذا النوع: أن المعرفة به تعصم من الخطأ، فلا يُظن أن في السند تصحيفًا أو انقلابًا أو وهمًا حين يجد الأب مقدمًا على ابنه، مخالفًا للأغلب والأعم الذي ترد عليه الرواية، إذ الأكثر فيها أن يروي الابن عن أبيه، كما أن في ثبوت رواية الآباء عن أبنائهم بين المحدثين يؤكد ما كانوا عليه من تواضع جَمّ، حيث لم يستنكف الواحد منهم من التلمذة على ابنه والتلقي عنه.
رواية العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - عن ابنه الفضل - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – "جَمَع بَيْنَ الصَّلاتَينِ بالمُزدَلِفةِ" [فتح المغيث للسخاوي، ٣/١٧١، وتيسير مصطلح الحديث للطحان، ص١٩١].
قال الإمام الطبراني: حدثنا العباس بن الفضل الإسفاطي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، حدثني أبو الزبير المكي: أن أبا معبد مولى ابن عباس أخبره أنه سمع ابن عباس يقول: "لمّا كانَ يَوْمُ عَرَفةَ والفَضْلُ بنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهما- رَديفُ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ عَبّاسٌ: فلمّا كَثُرَ النّاسُ قُلْتُ: سيُحَدِّثُني الفَضْلُ عمّا صَنَعَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: لمّا دَفَعَ عَشِيَّةَ عَرَفةَ دَفَعَ النّاسُ معَه، فجَعَلَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَشُدُّ رأسَ بَعيرِه يَكُفُّ مِنه، وجَعَلَ يُنادي:«أيُّها النّاسُ، عليكم السَّكينةَ» [فتح الباري١٠/١٤٣، وتدريب الراوي ٢/٢٥٤، ٢٥٥]، والحديث مخرج في الصحيحين من غير هذا الوجه بنحوه [البخاري، كتاب الحج، ح ١٦٧٣ عن ابن عمر، وح ١٦٧٤، عن أبي أيوب الأنصاري، ومسلم في الصلاة والحج، ح ٧٠٣ عن ابن عمر].
وهناك مثال آخر أورده المصنفون في علوم الحديث لا نطيل بذكره، لكننا نحيل عليه، حيث خرجه بعض المحققين المعاصرين [الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ٢/٥٤٦ تحقيق: علي بن حسن الحلبي، ط الأولى دار العاصمة - السعودية ١٤١٥هـ، والمقنع في علوم الحديث، للإمام سراج الدين ابن الملقن٢/٥٣٥، تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع، ط الأولى، دار فواز للنشر - السعودية ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م]
١- - التنبيه الأول: يُعَدُّ من هذا النوع أيضًا رواية الأم عن بنتها، ورواية الأب عن ابنته.
مثال ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، ح١٩٨٢ أن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال متحدثًا بنعمة الله عليه بسبب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له: "فإنِّي لَمِنْ أكْثَرِ الأنْصارِ مالًا، وحَدَّثَتْنِي ابْنَتي أُمَيْنَةُ: أنَّه دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجّاجٍ البَصْرَةَ بِضْعٌ وعِشْرُونَ ومِئَةٌ" [صحيح البخاري].
- التنبيه الثاني: لم يصب الحافظ ابن الجوزي حين مثَّل لهذا النوع في كتابه التلقيح [تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير، لابن الجوزي، ص ٧٠٤، تحقيق ونشر مكتبة الآداب - القاهرة ١٩٧٥م] بحديث رقم ٥٦٨٧ من صحيح البخاري في كتاب الطب، حيث ذكر أن خالد بن سعيد قال: خرجنا ومعنا غالب بن أبجر، فمرض في الطريق، فقدمنا المدينة وهو مريض، فعادَهُ ابن أبي عتيق، فقال لنا: عليكم بهذه الحُبيبةِ السوداء... فإن عائشة - رضي الله عنها - حدثتني أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْداءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ داءٍ... » [صحيح البخاري]؛ وذلك لأن أبا بكر بن أبي عتيق ليس هو الصديق والد عائشة - رضي الله عنها -، وإنما هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، حفيد أخيها عبد الرحمن، من الطبقة الوسطى في التابعين، وثّقه العجلي وغيره، روى عن عائشة أم المؤمنين عمة أبيه، وغيرها من الصحابة [الثقات لابن حبان٥/١٠، وتهذيب التهذيب ٦/١١].
قال الحافظ العراقي في ألفية الحديث:
وصنفوا فيما عن ابن أخذا * * * أب كعباس عن الفضل كذا
أما أبو بكر عن الحمـــراء * * * عائشة في الحبة السوداء
فإنه لابن أبي عتيــــــــــق * * * وغلط الواصف بالصديــق
[فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، للحافظ العراقي، ص ٣٧٨، ٣٧٩، الأبيات ٨٤٠، ٨٤٢، ٨٤٣، ط مكتبة السنة - القاهرة ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م].
التنبيه الثالث: صنف الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في هذا النوع مؤلفًا جمع فيه كل ما ورد صحيحًا كان أو غير صحيح، [فتح الباري ١٠/١٤٣، وتدريب الراوي ٢/٢٥٤-٢٥٥] والله أعلم.
رواية الآباء عن أبنائهم تُثبت دقة وموثوقية الأسانيد رغم خلافها مع المعتاد، وتعكس تواضع العلماء في التلمذة والتلقي، مع أمثلة بارزة من الصحابة والتابعين تدعم هذا النوع من الرواية.
تظهر أهمية هذا النوع في ضبط الأسانيد، وتعيين الرواة المبهمين بدقةٍ علمية.
ما أورده الحافظ السيوطي وغيره من أمثلة موثقة في كتب الحديث الصحيحة يثبت أن هذه الرواية قد وقعت بالفعل.
هي مصطلح في علم الحديث يشير إلى رواية الشخص الأكبر سنًا أو قدرًا عن من هو أصغر منه.