هذا النوع من الرواية تدخل فيه أنواع
أخرى تمتزج معه وتشتبك به، لكن المدققين من المحدثين يطلقون على كل نوع منها
اصطلاحًا خاصًا يحدده ويميزه عن غيره فلا يختلط به، ومن تلك الأنواع: المُدَبَّج،
الذي سيأتي بيانه بمشيئة الله تعالى.
الأقران في اللغة: الجماعة المتماثلون في صفة أو أكثر، والواحد منهم
قِرن؛ لأنه يتحقق فيه ما يمكن أن يقترن فيه بغيره.
قال الفيروزآبادي: "القِرن بالكسر: كُفْؤُك في الشجاعة،
والمُصَاحب - النظير -، وقَرَن بين الحج والعمرة قرانًا جمع" [القاموس المحيط ص ١٥٧٩، ط الثانية مؤسسة
الرسالة - ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧].
وقال ابن فارس:
القِرْنُ: قِرْنُك في الشجاعة، والقَرْنُ: مِثلُك في السن، وقياسهما واحد وإنما
فرق بينهما بالكسر والفتح؛ لاختلاف الصفتين، وقَرِينَة الرجل امرأته." [مقدمة علوم الحديث لابن الصلاح، ص ٣٠٩،
٣١٠]
الأقران اصطلاحًا: هم القوم
المشتركون في صفة أو أكثر تتعلق بالرواية، مثل: الاجتماع على التلقي من شيخ واحد،
أو الاتفاق بأن يروي عنهم راوٍ واحد، أو التقارب بينهم في السن والرتبة.. ونحو ذلك.
ورواية الأقران في اصطلاح المحدثين هي أن
يروي أحد القرينين عن الآخر، ولا يروي هذا الآخر عنه فيما نعلم، بمعنى: أن يروي أحد الأقران عمن يماثله في السن والطبقة فيصير
الثاني منهما شيخًا للأول في هذه الرواية بعينها، ولا توجد رواية للثاني عن الأول.
مثاله:
١- قال السيوطي: "قد يجتمع جماعة من الأقران في حديث، كما
روى أحمد بن حنبل، عن أبي خيثمة زهير بن حرب، عن يحيى بن معين، عن علي
بن المديني، عن عبيد بن معاذ،
قال: حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن
أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة، عن عائشة
-رضي الله عنها- قالت: "كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يأخذن من رؤوسِهِن حتى
تكون كَالْوَفْرَةِ"، فأحمد والأربعة فوقه: خمستهم أقران" [تدريب الراوي٢/٢٤٩،٢٤٨].
ومعنى الحديث: أن أزواج النبي -صلى الله عليه
وسلم- كُنَّ يأخذن من شعر رؤوسهن، ويُقصّرنه حتى يكون كالوفرة، وهي ما لا
يجاوز الأذنين.
قال القاضي عياض -رحمه
الله تعالى: المعروف أن نساء العرب إنما كُنَّ يتخذن القُرون والذَّوائب، ولعل
أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- فَعَلْنَ هذا بعد وفاته، -صلى الله
عليه وسلم؛ لتركهن التزين، واستغنائهن عن تطويل الشعر، وتخفيفًا لمؤنة رؤوسهن.
وقال النووي: "وهذا
الذي ذكره القاضي عياض من كونهن فعلنه
بعد وفاته وليس في حياته، كذا قاله أيضًا غيره وهو مُتَعَيِّن، ولا يُظَنُ بهن فِعله
في حياته، وفيه دليل على جواز تخفيف الشعر للنساء، والله أعلم" [فتح المغيث للسخاوي ٣/١٦٢،١٦٠]، وأقول:
هذا صحيح ما لم يصل تخفيف الشعر إلى حد التشبه بالرجال، والله أعلم.
٢-
وفي صحيح البخاري كتاب الأحكام (ح ٧١٦٣) أربعة من الصحابة روى بعضهم عن بعض. [متفق
عليه من حديث عمر بن الخطاب، وأصله عند البخاري كتاب الزكاة ح ١٤٧٣، ومسلم كتاب
الزكاة ح ١٠٤٥ / ١١١]
٣- وحديث المغيرة بن شعبة المتفق عليه:
"النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يمسَحُ على الخُفَّيْنِ"
فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض.
[البخاري كتاب الوضوء ح ١٨٢، ومسلم كتاب
الطهارة ح ٢٧٤]