Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

رواية الموضوع وحكمه

الكاتب

أ. د/ مصطفى محمد محمود حسين

رواية الموضوع وحكمه

حرص العلماء الأعلام عبر العصور على تمحيص الأحاديث ونقدها بدقة متناهية، حتى يُفرَّق بين الصحيحة والموضوعة، فقد أجمعوا على تحريم نقل الحديث الموضوع دون بيان وضعه وتحذير الناس من خطورته، حفاظًا على رسول الله ﷺ وصدق سنته الطاهرة.

تحريم رواية الحديث الموضوع دون بيان وضعه

أجمع العلماء على أنه لا تحل رواية الموضوع في أي باب من الأبواب إلا مقرونًا ببيان وضعه، سواء في ذلك ما يتعلق بالحلال والحرام، أو الفضائل، أو الترغيب والترهيب والقصص والتواريخ ونحوها، ومن رواه من غير بيان، فقد باء بالإثم المبين ودخل في عداد الكذابين، والأصل في ذلك ما رواه الإمام أحمد -رحمه الله- في المسند والإمام مسلم -رحمه الله- في مقدمة الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ» [رواه مسلم في صحيحه في المقدمة، وأحمد في مسنده].

 قال الإمام ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- في معرفة أنواع الحديث: "اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد في أي معنى كان إلا مقرونًا ببيان وضعه، بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن، حيث جاز روايتها في الترغيب والترهيب -أي بالشروط المذكورة في كتب المصطلح في شأن روايتها".

وقد أفتى العلماء بالحديث أنَّ مَن روى الموضوع من غير تنبيه إلى وضعه وتحذير الناس منه؛ بالتعزير والتأديب له، قال أبو العباس السَّرَّاج: شهدت محمد بن إسماعيل البخاري، ودفع إليه كتاب ابن كرام يسأله عن أحاديث منها: حديث الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعًا «الإيمان لا يزيد ولا ينقص» فكتب محمد بن إسماعيل على ظهر كتابه: من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل، بل بالغ بعضهم فأحل دمه، قال يحيى بن معين لمَّا ذُكِر له حديث سويد الأنباري «من عَشق وعَفَّ وكَتَم ثم مات، مات شهيدًا» قال: هو حلال الدم، وعلى أهل العلم أن ينكروا على من يرفع الحديث الموضوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-  حتى ولو كان معناه صحيحًا، لأنه لو نُسب قولٌ مكذوب إلى كبير، أو وزير لم يرضَ السكوتَ عليه فما القول بالكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟؛ ولأنه عد الراوي للحديث المكذوب أحد الكاذبين كما مر في الحديث.

وقد صرَّح العلماء من أمثال ابن تيمية والذهبي وابن حجر -رحمهم الله تعالى- أن رواية الراوي للموضوعات دون التنبيه إليها من الذنوب، قال الذهبي عن أبي نعيم وابن منده: "لا أعلم لهما ذنبًا أكبر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها" [منهاج السنة ٤/١٥، وميزان الاعتدال ١/١١، ولسان الميزان ١/١٠١]

 وقد سُئِل ابن حجر الهيثمي عن خطيب يرقى المنبر كل جمعة، ويروي أحاديث، ولم يبين مخرجها ودرجتها، فقال: ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين رواتها أو من ذكرها فجائز بشرط أن يكون من أهل المعرفة بالحديث، أو ينقلها من مؤلف صاحبه كذلك، وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلِّفه من أهل الحديث أو في خطب ليس مُؤَلِّفُها كذلك فلا يحل، ومن فَعَل عُزِّر عليه التعزير الشديد، وهذا حال أكثر الخطباء، فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها، وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أن لتلك الأحاديث أصلًا أم لا، فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك[فتح اللطيف، ص ١٠٥].

تصريح بعض الوضاعين باختلاق الأحاديث الموضوعة

صرح بعض الكذابين من الزنادقة بأنهم لفقوا الأحاديث المكذوبة وأسندوها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زُورًا وبهتانًا، من ذلك: ما أورده أبو جعفر العقيلي في (الضعفاء) عن حماد بن زيد أنه قال: وضعت الزنادقة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اثني عشر ألف حديث [كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي ١/١٤، وانظر «الكفاية» ٨، ٦٠٤].

 ومنها ما ذكره الخطيب في (الكفاية) أن جعفر بن سليمان سمع المهدي يقول: أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعمائة حديث، فهي تجول في أيدي الناس [الكفاية، ص ٨٠].

ومنها ما ذكره ابن عساكر أنه جيء إلى الرشيد بزنديق فأمر بقتله، فقال: يا أمير المؤمنين، أين أنت من أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم أُحَرِّم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام، ما قال النبي منها حرفًا؟ فقال له الرشيد: أين أنت يا زنديق من عبد الله بن المبارك، وأبي إسحاق الفزاري ينخلانها نخلًا، فيخرجانها حرفًا حرفًا [تذكرة الحفاظ،١/٢٧٣].

 وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة [الجرح والتعديل ١/٣، فتح المغيث للسخاوي ١/٢٤١].

 ومنها ما أخرجه ابن الجوزي في (الموضوعات) عن سهل بن السري قال: وضع أحمد بن عبد الله الجويبادي ومحمد بن عكاشة الكرماني ومحمد بن تميم الفارابي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكثر من عشرة آلاف حديث [الموضوعات ١/٤٨، تحذير الخواص ٢١٦ - ٢١٧].

كما يدل على ذلك كثرة هذه المصنفات الكبيرة التي حوت الأحاديث الموضوعة.

عناية العلماء بنقد المرويّات

فماذا كان موقف العلماء من مجموعة الأحاديث المنقولة على اختلاف أحوالها ودرجاتها وقد اختلطت الأحاديث الموضوعة بالأحاديث الصحيحة؟ لقد كان موقفهم منها الموقف الإسلامي السليم، فلم يقبلوها كلها؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لحرفوا دين الله ففيها المكذبون.

 ولم يتركوها كلها؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لضيعوا دين الله، ولكنهم شمروا عن ساعد الجد، وصرفوا في سبيل ذلك كل أوقاتهم، فلقد تتبعوا أحوال الرواة التي تساعد على عملية النقد وتمييز الطيب من الخبيث، ودَوَّنوا في ذلك المُدَوَّنات، وأحصوا فيها بالنسبة إلى كل راوٍ متى ولد؟، وبأي بلد؟، وكيف هو في الدين، والأمانة، والعقل، والمروءة، والحفظ؟ ومتى شرع في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وهل رحل؟ وإلى أين؟ وذكروا شيوخه الذين يحدث عنهم وبلدانهم ووفياتهم.

 وفصّلوا القول في أحوال الشخص الواحد تفصيلًا يدل على التتبع الدقيق لكل حوادث حياته، فقد يقبلون رواية شخص في أول حياته، ويردونها في آخرها؛ لأنه اختلط، أو يقبلون رواية رجل عندما يروي عن أبناء بلده؛ لأنه يعرفهم، ويردون روايته عندما يروي عن الآخرين؛ لقلة معرفته بهم، قال ابن أبي حاتم: "وجب الفحص عن الناقلة والبحث عن أحوالهم، وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة والتثبت في الرواية مما يقتضيه حكم العدالة في نقل الحديث وروايته بأن يكونوا أمناء في أنفسهم، علماء بدينهم، أهل ورع وتقوى، وحفظ للحديث وإتقان وتثبت، وأن يكونوا أهل تمييز وتحصيل، لا يشوبهم كثير من الغفلات، ولا تغلب عليهم الأوهام فيما قد حفظوه ووعَوه)[مقدمة الجرح والتعديل، ص ٠٥].

 ووضعوا قواعد لنقد المتن وأحكموها حتى يتبين لهم الحديث الصحيح من الضعيف، وكان موقفهم تحقيقًا لقول عمرو بن قيس: ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثل الصيرفي الذي ينتقد الدراهم، فإن الدراهم فيها الزيف والبهرج وكذلك الحديث [الكفاية، ص ٥٦٠].

 قال الأستاذ المعلمي اليماني: "فلا تكاد تجد حديثًا بَيِّن البطلان إلا وجدتَ في سنده واحدًا أو اثنين أو جماعة قد جرّحتهم الأئمة، والأئمة كثيرًا ما يجرحون الراوي بخبر واحد منكر جاء به فضلًا عن خبرين أو أكثر، ويقولون للخبر الذي تمتنع صحته أو تبعد: "منكر" أو "باطل") [الأنوار الكاشفة ٦ ،٧].

شهادة بعض المستشرقين

وهكذا فقد استطاع هؤلاء العلماء أن ينفوا عن أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المكذوب الموضوع، وأن يأخذوا بالأحاديث الثابتة السليمة، وبذلك تحقق وعد الله من حفظ هذه الشريعة وحمايتها من كل ما أصاب غيرها من عوامل التحريف والبطلان، حتى نقل الأستاذ المعلمي اليماني أن المستشرق مرجليوث قال: "ليفتخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم" [الحديث النبوي: مصطلحه، بلاغته، كتبه، ص٢٧٣].

 قال الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ: وما زالوا في جُهد واجتهاد حتى استطاعوا أن يصلوا إلى قواعد نقدية راقية، بها يميزون الخبيث من الطيب من الحديث، وكانت هذه القواعد أرقى ما يمكن أن يصل إليه عقل بشري في تحقيق نسبة الأقوال إلى أصحابها، وقد شهد بذلك القريب والبعيد، والصديق والعدو، وذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو فضل عظيم، وقد يعيبهم الطاعنون بحملهم الضعيف وطلبهم الغريب، وفي الغرائب الداء، ولم يحملوا الضعيف والغريب؛ لأنهم رأوهما حقًا، بل جمعوا الغث والسمين، والصحيح والسقيم؛ ليميزوا بينهما ويدلوا عليهما [تأويل مختلف الحديث ٧٣ - ٧٤].

جهود العلماء في جمع ونقد الحديث

ومر الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- على نفر من أصحاب الحديث وهم يعرضون كتابًا لهم فقال: ما أحسب هؤلاء إلا ممن قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «لاتَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».

 قال ابن حبان: "ومَنْ أحق بهذا التأويل من قوم فارقوا الأهل والأوطان، وَقَنَعُوا بِالْكَسْرِ وَالطِّمَارِ فِي طَلَبِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ، يجولون البراري والقفار، ولا يبالون بالبؤس والاقتار، متبعين لآثار السلف الماضين، وسالكين نهج محجة الصالحين، برد الكذب عن رسول رب العالمين وذب الزور عنه، حتى وضح للمسلمين المنار، وتبين لهم الصحيح من الموضوع والزور من الأخبار"[المجروحين، لابن حبان ٠٨٩/١].

وقال الشيخ أحمد المنيني في (القول السديد): "وحَسْبُ الراوي للحديث شرفًا وفضلًا وجلالة ونبلًا، أن يكون أول سلسلة آخرها الرسول -صلى الله عليه وسلم، وإلى حضرته الشريفة الانتهاء والوصول، وطالما كان السلف الصالح يقاسون في تَحَمُّلِه شدائدَ الأسفار؛ ليأخذوه عن أهله بالمشافهة، ولا يقتنعون بالنقل من الأسفار، فربما ارتكبوا غارب الاغتراب بالارتحال إلى البلدان الشاسعة؛ لأخذ حديث عن إمام انحصرت روايته فيه، أو لبيان وضع حديث تتبعوا سنده حتى انتهى إلى من يختلق الكذب ويفتريه، وتأسى بهم من بعدهم من نقلة الأحاديث النبوية وحفظة السنة المصطفوية فضبطوا الأسانيد وقيدوا منها كُل شريد وسيروا الرواة بين تجريح وتعديل انتهى إلى من يخلق الكذب ويفتريه، وتأسى بهم من بعدهم من نقلة الأحاديث، وسلكوا في تحديد المتن أقوم سبيل)[قواعد التحديث ١٥ – ١٦].

الخلاصة

إن علم الحديث هو الركيزة الأساسية التي تحفظ دين الله من التحريف والزيادة، إذ حرص العلماء الأعلام عبر العصور على تمحيص الأحاديث ونقدها بدقة متناهية، حتى يُفرَّق بينها الصحيحة والموضوعة. فقد اجتمعوا على تحريم نقل الحديث الموضوع دون بيان وضعيته وتحذير الناس من خطورته، حفاظًا على رسول الله ﷺ وصدق سنته الطاهرة.

موضوعات ذات صلة

هو الكلام المزعوم على النبي -صلى الله عليه وسلم- زورًا وافتراءً، ولم يثبت عنه.

  علماء الأمة سطروا منهجًا دقيقًا يكشف زيف الأحاديث وينقي التراث من الكذب والدسّ.

الحديث النبوي من حيث القبول والرد أربعة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف، وموضوع، وكل قسم من هذه الأقسام يتنوع أنواعًا.

موضوعات مختارة