وهكذا فلابد
للمسند من توفر شرطي الرفع والاتصال، فإذا لم يكن المرفوع
متصل الإسناد لا يسمى مُسنَدًا؛ ولذلك ذكر الحاكم أن من شرائط المُسنَد: أن لا
يكون موقوفًا ولا مرسلًا ولا معضلًا، ولا في روايته مُدلِس [معرفة علوم
الحديث ص١٨].
القول الثاني: أن المُسنَد:
هو الحديث الذي اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه، وهذا ما ذكره الخطيب البغدادي،
وتبعه ابن الصباغ في كتاب العدة [الكفاية ص٥٨، تدريب الراوي ١/١٩٩]، والمُسنَد بهذا
التعريف يشمل المرفوع، والموقوف، والمقطوع إذا توفر له اتصال السند، إذ قد ينتهي
الحديث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو يوقف به عند الصحابي، أو يضاف إلى التابعي
أو من دونه، لذا قال العراقي -رحمه الله-: وكلام أهل الحديث يأباه [التبصرة
والتذكرة ١/١٢٠]، ولكن مع هذا الشمول الذي يعطيه التعريف، ذكر الخطيب -رحمه الله- أن أكثر استعمال المحدثين لعبارة المُسنَد فيما أسند عن النبي
-صلى الله عليه وسلم-. [الكفاية ص٥٨].
القول الثالث: ما ذهب إليه
ابن عبد البر -رحمه الله- في كتابه التمهيد من أن المُسنَد: هو الحديث المرفوع
إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- سواءً كان متصلًا، كمالك، عن نافع، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-، أم كان منقطعًا كمالك عن الزهري، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال - رحمه الله -: فهذا مُسنَد؛ لأنه قد أُسند
إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو منقطع؛ لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس -رضي الله عنه- [التمهيد لابن عبد البر: ١/٢١، ٢٣]، وعلى هذا فإن المُسنَد
حسب هذا الاتجاه يرادف المرفوع، ولقد أبعد ابن عبد البر -رحمه الله- في ذلك، كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-؛ لأن المُسنَد كما رآه هو، ينطبق على كل من
المرسل والمعضل والمنقطع إذا كان مرفوعًا؛ ولا قائل بذلك [نزهة النظر
٥٨، ولمحات في أصول الحديث للدكتور محمد أديب صالح ص ٢٧٧].
القول الراجح الذي
تطمئن إليه النفس: ترجيح القول الأول الذي يعتبر رفع
الحديث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإسناد المتصل، وذلك كما يبدو هو
استعمال جمهرة المحدثين، وذلك ما أقره الخطيب البغدادي -رحمه الله- نفسه حين قرر
أن المُسنَد أكثر ما يستعمل فيما أسند إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ناهيك عن أن التحديد
على هذه الشاكلة يجعل المُسنَد نوعًا من الحديث يمكن تمييزه عن غيره من الأنواع
دون تداخل أو التباس؛ ولذلك صرح السيوطي -رحمه الله- باعتباره أصح الأقوال [النكت على ابن
الصلاح لابن حجر ١/٥٠٥ - ٥٠٩، وتوضيح الأفكار ١/٢٥٨، ٢٥٩، وتدريب الراوي ١/٢٠٠،
ولمحات في أصول الحديث ص٢٧٧].
(ب) أمثلة
للحديث المُسنَد:
أخرج البخاري في
صحيحه في كتاب الجهاد والسير، باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير، رقم (٣٨٤٣) قال:
حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا الحسين قال: حدثني يحيى قال: حدثني أبو
سلمة قال: حدثني بسر بن سعيد قال: حدثني زيد بن خالد - رضي الله عنه - أن رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا،
وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا».
وأخرج البخاري
– أيضًا - في صحيحه في كتاب التوحيد، باب {وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ} رقم (٧٤٢١) قال:
حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا عيسى بن طهمان قال: سمعت أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول: "نَزَلَتْ آيَةُ
الحِجَابِ في زَيْنَبَ بنْتِ جَحْشٍ، وأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَومَئذٍ خُبْزًا
ولَحْمًا، وكَانَتْ تَفْخَرُ علَى نِسَاءِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ،
وكَانَتْ تَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أنْكَحَنِي في السَّمَاءِ".
حكمه: المُسنَد قد
يكون صحيحًا، وقد يكون حسنًا، وقد يكون ضعيفًا، حسب استيفائه لشروط القبول.