وهو ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما يمكن الجمع فيه بين الحديثين، ولا يعسر إبداء وجه يزيل تعارضهما، وعندئذ يجب الجمع بينهما
والعمل بهما معًا، ومثال هذا القسم: حديث «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» [صحيح البخاري، كتاب الطب. حديث (٥٧٠٧، ٥٧٥٧، ٥٧٧٢،
٥٧٧٦]، [وصحيح مسلم، كتاب السلام، حديث (٢٢٢٠، ٢٢٢٢)]، فظاهره أن معناه نفي العدوى والتشاؤم.
مع حديث «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ»
[صحيح البخاري، كتاب الطب، حديث
(٥٧٧١، ٥٧٧٤)]، وحديث
«فِرَّ من المجذومِ فراركَ من الأَسدِ» [صحيح البخاري، كتاب الطب، حديث (٥٧٠٧)]، وظاهرهما إثبات العدوى ولذلك أمر
الصحيح أن يفر من المجذوم، فهما من حيث الظاهر متعارضان، ولكن في حقيقة الأمر، لا تعارض بينهما، ووجه
الجمع بينهم ما ذهب إليه أبو عبيد وجماعة كابن خزيمة والطحاوي،
واختاره ابن حجر فقال في توضيح النخبة: والأولى في الجمع بينهما أن يقال: إن
نفيه - صلى الله عليه وسلم - للعدوى باقٍ على عمومه، وقد صح قوله: صلى الله عليه وسلم «لَا يُعْدِي شَيْءٌ
شَيْئًا». [سنن الترمذي، كتاب القدر، حديث (٢٢٣٠). ومسند أحمد
٤٤٠/١، ٠٣٢٧/٢]، وقوله
صلى الله عليه وسلم لمن عارضه بأن البعير الأجرب يكون في الإبل الصحيحة فيخالطها فتجرب، حيث
رد عليه بقوله: «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟» [صحيح البخاري، كتاب الطب، حديث (٥٧٧٠، ٥٧٧٥)]، و [مسند أحمد ٤٤٠/١، ٠٣٢٧/٢] يعنى أن الله سبحانه وتعالى ابتدأ ذلك في
الثاني كما ابتدأ في الأول، وأما الأمر بالفرار من المجذوم، فمن باب سد الذرائع
لئلا يتفق للشخص الذي يخالط حسمًا للمادة [فتح المغيث (٦٧) بتصرف].
القسم الثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بينهما
وذلك على ضربين:
أحدهما: أن يظهر كون أحد هذين الحديثين المتضادين ناسخًا والآخر
منسوخًا، وعندئذ يعمل بالناسخ ويترك المنسوخ.
مثاله: ما رواه عبد الرزاق في المصنف
(٩٥٧)، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (١٦)، من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ
فَأَكْسَلَ أَنْ يُمْنِيَ، فَلْيَغْسِلْ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ،
وَلْيَتَوَضَّأْ».
فهذا الحديث فيمن جامع زوجه ولم ينزل
وأنه يكفيه أن يغسل فرجه ويتوضأ، ولا يجب عليه الغسل، وهو معارض ظاهرًا لحديث أبي
موسى وسؤاله لعائشة - رضي الله عنهما: إني أريد أن أسألك،
وأستحى، فقالت: لا تستحي، فإنما أنا أمك، قال: الرجل يجامع ولا ينزل؟ قالت عائشة:
على الخبير سقطت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا جَلَسَ
بَيْنَ الشُّعَبِ الْأَرْبَعِ، ثُمَّ أَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ، فَقَدْ
وَجَبَ الْغُسْلُ». [سنن أبي داود، كتاب الطهارة، حديث (٢١٦)، ومسند أحمد
٤٧/٦، ٠١١]، وهذا الحديث صريح في أن من جامع زوجه فعليه الغسل سواء أنزل أم لم ينزل، فإذا علمنا أن الحديث الثاني الذي يوجب الغسل ناسخ للأول الذي لا يوجبه
انتهى الإشكال وزال هذا التعارض. [ناسخ
الحديث ومنسوخه لابن شاهين: ص ٤٧]
والثاني: ألا تقوم دلالة على تعيين الناسخ من المنسوخ
منهما، وحينئذ يفزع إلى الترجيح ويعمل بالأرجح منهما والأثبت، كالترجيح
بكثرة الرواة، أو بالإتقان، أو بالفقه في مرجحات كثيرة تتجاوز المائة مرجح، عليمًا فصل العراقي
في نكته على ابن الصلاح. [مقدمة ابن الصلاح: ص ٢٨٥،
والتقييد والإيضاح: ص ٢٨٦].