ومما يذكر أيضًا أن الخليفةَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثناء خلافته ولى الحِسْبة على سوق من أسواق المدينة لامرأة تُسمى "أم الشفاء"؛ ولذا فهناك من المؤرخين من يجعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أول محتسب في الخلافة الإسلامية، قال هذا القلقشندي، وأكده حاجي خليفة.
ولا شكّ أن القرآن والسنة وإن كانا يعدان من المصادر الأولى لخطة الحِسْبة إلا أنه ينبغي لنا أن نفرق بين أعمال الحِسْبة ومظاهرها كاتباع لنص قرآني واقتداء لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين الحِسْبة كوظيفة إدارية لها وضعها المحدد في الهيكل الإداري للدولة، حيث لم تعرف هذه الوظيفة الإدارية في لقبها الاصطلاحي ولقب القائم عليها "المحتسب" إلا منذ أواخر العصر الأموي في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك (١٠٥-١٢٥ هـ/ ٧٢٤م) وأصبحت ذات شأن كبير في الولايات الإسلامية بعد ذلك في مطلع القرن الرابع الهجري.
غير أن هناك من المستشرقين من يعود بنظام الحِسْبة إلى أصل بيزنطي يقول المستشرق ديمو مبين:" وإنه ليس ثمة شك في أن الحِسْبة اقتبست من البيزنطيين ثم صبغها المسلمون بالصبغة الإسلامية، فقد ورث المحتسب تلك الوظيفة الرسمية بصورة غير مباشرة عن نده البيزنطي". [النظم الإسلامية ترجمة فيصل السامر وصالح الشماع بغداد ١٩٥٢م].
ويتابعه في ذلك الأستاذ الدكتور السيد الباز العريني حيث يرى أن المسلمين قد فتحوا أقاليم الدولتين البيزنطية والفارسية ووجدوا فيها أنواعا من المدنيات والنظم المختلفة كما وجدوا طبقة مدربة من الموظفين اعتادت العمل في حكومة الأقاليم فاتخذوها أداة لحكمهم الجديد [الحِسْبة في بيزنطة د الباز العريني، القاهرة].
إلا أن مستشرقًا آخر هو الأستاذ جرونياوم Gmunebeaum يقول: "إن قضاء الحِسْبة محاولة لوضع نظام تنفيذي لتلك النصيحة التي أمر بها القرآن للمؤمنين كافة: {وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ} [آل عمران: ١٠٤].
ومهما يكن من أمر فإن تاريخ الفتوحات الإسلامية يبرهن على أنه لم يكن هناك وجود لوظيفة الحِسْبة في مصر والشام اللتين كانتا خاضعتين للدولة البيزنطية حيث فتح المسلمون هذه البلاد، ولو كان المسلمون اقتبسوا هذه الوظيفة من الروم لأبقوها في الشام ومصر حين الفتح كما أبقوا سائر الوظائف الإدارية التي لا تتعارض مع الإسلام مما يدلل على أنها وظيفة وجدت طريقها للكيان الإداري للدولة انطلاقًا من تعاليم الإسلام الحنيف ومبادئه التي شملت كافة مناحي الحياة. ولقد تعدت الحِسْبة أصولها المثالية الدينية وهي الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلى واجبات عملية تتفق والمصالح العامة للمسلمين وتمت هذه الوظيفة بنمو المجتمع الإسلامي وتطور نظمه الاقتصادية وأوضاعه الاجتماعية واتساع رقعته.
والي الحِسْبة: وهو الناظر في شئون الحِسْبة في الدولة الإسلامية، وهو موظف يعينه الخليفة أو الوزير أو القاضي للنظر في شئون الرعية، وكل ما يهمهم في أسواقهم ومجتمعاتهم ومعاملاتهم، ويعين من يراه أهلًا لذلك من الأعوان والأنصار ويعاقب على المنكرات التي يفعلها الناس بحسب أهميتها ومقدارها.