ومن المصنفات التي ألفها العلماء العرب
المسلمون في علم الجغرافيا نذكر النماذج التالية التي توضح المنهج العلمي في البحث
والتأليف، وتعكس أهم الاتجاهات التي تميز بها الفكر الجغرافي إبان عصر النهضة
الإسلامية:
١- كتاب (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم)
للمقدسي المتوفي في العام الألف الميلادي، وفيه الكثير عن الجغرافيا
الوصفية لسطح الأرض والأقاليم والأقسام السياسية وذكر المسافات وطرق المواصلات - وأيضًا
- عن الجغرافيا الإنسانية التي تبحث في المناخ والزرع وطوائف الناس واللغة
والتجارة والأخلاق والعادات والأحوال السياسية والضرائب والأماكن المقدسة، لكن
الكتاب لم يكثر التفصيل في الجغرافيا الطبيعية المتعلقة بالجبال والأنهار.
٢- (صفة جزيرة العرب) للحسن بن أحمد الهمداني
المتوفي في القرن العاشر الميلادي، وقد حرره مولر في ليدن عام ١٨٨٤م. ووصفه
المستشرق السويدي كريستوفوتول بأنه يعادل في القيمة المؤلفات الجغرافية لياقوت
والبكري، وقد تعرض فيه الهمداني لجغرافية بطليموس، وتناول نظرية
الفصول، وقال رأيًا مخالفًا لبطليموس عن لون جلد سكان المناطق الاستوائية
وعن تقسيم العالم إلى أكثر من سبعة أقاليم، واعتمد الهمداني في تقريراته
وأوصافه الجغرافية على ملاحظاته الشخصية وآرائه المستقلة، مع اعتبار آراء،
السابقين ونقدها بموضوعية.
٣- (المسالك والممالك) أو (صورة الأرض)
لأبي القاسم محمد بن حوقل الموصلي الذي استغرقت رحلاته العلمية والجغرافية ما
يربو على الثلاثين عامًا، زار خلالها كل بلاد العالم الإسلامي، ووصل إلى داخل
بلغاريا وأعالي نهر الفولجا، واهتم ابن حوقل بجميع أقسام الأرض، ما كان منها مسكونًا
أو غير مسكون، كما اهتم بمواطن الحضارات في الشرق والغرب وعني كثيرًا برسم
الخرائط.
٤- (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل
أو مرذوله) أو (كتاب الهند) للبيروني، وقيمته تكمن فيما يقول ألدوميلي
في أنه أصبح مرجعًا أساسيًا سواءً بالنظر إلى التعرف على العلم العربي أم على علم
الهنود.
وكان البيروني ينظر في بحثه هذا
بعقل الفيلسوف الرياضي، العارف بمناهج البحث عند أرسطو وأفلاطون وبطليموس
وجالينوس، فهو لماح في نقده، عميق في بحثه، معتدل في قصده، متحر للحقيقة
التاريخية ما وسعه ذلك.
ويقسم البيروني كتاب الهند إلى
ثمانين بابًا يتحدث فيها عن معتقدات الهنود وشرائعهم، وأحكام الفروض والعبادات
عندهم، كالمواريث والصيام والقرابين والكفارات والحج والصدقات والأعياد والعقوبات
والمباح من المطاعم والمشارب والمحظور منها.
ويعترف الجغرافيون أن أبحاث البيروني في
الجغرافيا الطبيعية جاءت على نسق رفيع وبلغت مرتبة عالية، فنراه حين يصف
جغرافية آسيا وأروبا يتحدث عن سلسلة جبلية متصلة تمتد ما بين الهيملايا والألب..
كما نراه قد ميز بين الخليج البحري
والمصب النهري، فالخليج هو امتداد للبحر يتوغل إلى داخل اليابس شيئًا ما، والمصب
ليس إلا جزءَا من النهر يقع عند مصبه، ولجا البيروني إلى استخدام النماذج
لتبسيط الفهم والتصور، فصنع نصف الكرة الأرضية بقطر يبلغ خمسة عشر قدمًا، ورسم
عليها أطوال البلدان وعروضها، ويحدد المواقع التي تأكد منها.
وكان البيروني يعتمد على العلم والعقل في
تفسيره لما يبدو عجيبًا أو غريبًا، وعندما وجد الهنود يعتقدون في الثور الذي ينقل
الأرض من قرن إلى قرن قال: "لا حيلة لنا في تصحيح الأخبار إلا بغاية الاجتهاد
والاحتياط وقبح ترك ما نعلم لما لا نعلم".
وقد حدد البيروني نفسه منهجه في
البحث والتأليف فقال: "إن العلم اليقيني لا يحصل إلا من إحساسات يؤلف بينها
العقل على نمط منطقي".
وللبيروني أبحاث عظيمة في قياس إحداثيات الأماكن بدقة
متناهية وقد أوجد إحداثيات الكعبة، كما أبتكر طريقة جديدة لعمل النماذج المجسمة،
وشرح حدوث الينابيع والآبار الإردوازية باستخدام قوانين توازن المواقع، وله أبحاث
في الأرض ومحورها وحركتها الدورية والمحورية مما يدخل حاليًا ضمن علوم الفلك
والفيزياء.
٥- (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)
للشريف الإدريسي أشهر جغرافي العرب والمسلمين في القرن الثاني عشر للميلاد،
ويحكي الإدريسي قصة تأليف هذا الكتاب بناءً على طلب الملك روجر الثاني ملك صقلية
وإيطاليا وشمالي أفريقيا.
وترجم كتاب الإدريسي إلى اللاتينية،
وترجمت كل أمة ما يعنيها منه، وتعلمت منه أوربا الجغرافيا في القرون الوسطى،
واستمرت تنسخه لأكثر من ثلاثة قرون، وجاء في دائرة المعارف الفرنسية: (... إن كتاب
الإدريسي هو أوفي كتاب جغرافي تركه لنا العرب، وإن ما يحتويه من تحديد المسافات
والوصف الدقيق بجعله أعظم وثيقة علمية جغرافية في القرون الوسطى).
٦- كتاب (الفوائد في اصول علم البحر
والقواعد) لشهاب الدين أحمد بن ماجد النجدي الملقب في القرن الخامس عشر
الميلادي بأسد البحر، وذلك لما اكتسبه من شهرة فائقة في الرحلات البحرية وفي
التأليف فيها، فقد بلفت أعماله نحو الأربعين، وقام بتحقيقها عدد من المستشرقين من
أمثال: جابريل فران، وكرا تشكو فلسكي.
وينقسم كتاب الفوائد إلى قسمين أحدهما نظري في
نشأة الملاحة وفي البوصلة وفي الأمور التي يجب على الربان معرفتها، وفي منازل
القمر والجهات التي تهب منها الرياح، وصلة هذه الجهات بالبوصلة وتقسيماتها وبطلوع
عدد من الكواكب والنجوم وبمغبيها، والقسم الآخر عملي يتناول وصف الشواطئ والجزر
وما عليها من العلامات التي تساعد الملاحين على الاهتداء في الملاحة والاقتراب
بالسفن من مراسيها.