الزلازل ظاهرة طبيعية تحدث نتيجة حركة الصفائح الأرضية، وتتميز بتأثيراتها الكبيرة على البيئة والإنسان. دراسة الزلازل تعزز الفهم العلمي وتساهم في تحسين القدرة على التنبؤ بها وتقليل المخاطر.
الزلازل ظاهرة طبيعية تحدث نتيجة حركة الصفائح الأرضية، وتتميز بتأثيراتها الكبيرة على البيئة والإنسان. دراسة الزلازل تعزز الفهم العلمي وتساهم في تحسين القدرة على التنبؤ بها وتقليل المخاطر.
الزلازلُ ظاهرةٌ كونيةٌ ورد ذكرها في عددٍ من الآياتِ القرآنيةِ الكريمةِ، ليدلَّ على ما يحمل في النفوس من الرعبِ والفزعِ، وليخبرَ بما يستقبل العباد من أهوالِ يومِ القيامةِ وأحوالِها، وإحدى سور القران الكريم تحمل اسم الزلزلة، ويقول فيها الله تعالى: {إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا * وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا * وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا * يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا} [الزلزلة: ١-٥]
والعلم الحديث الذي يعني بدراسة ظاهرة الزلازل والتعرف على أسبابها وخواصها وآثارها من مختلف الجوانب الجيولوجية والفيزيائية والجغرافية والهندسية والكونية وغيرها يعرف باسم "علم الزلازل" أو "السيزمولوجيا" Seismology، وهي كلمة إغريقية الأصل، ويرتبط هذا العلم في تقدمه ارتباطًا وثيقًا بالتطور المعرفي لتركيب الأرض وطبيعة القوى والتفاعلات التي تحدث في باطنها، ومن ثم فهو يُعد أحد العلوم الجيولوجية الفيزيائية، ويقضي التفسير العلمي الحديث لظاهرة الزلازل بوجود نوع من الحركات الأرضية لصفائح القشرة الأرضية يسبب ما يسمى بالزلازل التكتونية.
وهناك أيضًا الزلازل البركانية الناتجة عن تحركات الصهارة (ماجما Magma) تحت القشرة الأرضية، والزلازل في حقيقة الأمر عبارة عن هزات سريعة خاطفة ومتلاحقة لسطح الأرض نتيجة وصول طاقة إجهاد زلزالية إليه تكون قد انطلقت في جميع الاتجاهات على هيئة موجات زلزالية من بؤرةٍ تقع على أبعادٍ ضحلةٍ أو متوسطةٍ أو عميقةٍ تحت سطح الأرض، ويعرف الموقع الجغرافي الذي فوق البؤرة مباشرة على سطح الأرض باسم المركز السطحي للزلزال Epicenter.
ولقد حاول الإنسان منذ القِدَمِ أن يتعرَّفَ على أسباب حدوث الزلازل، وكانت أفكارُهُ عنها في بادئِ الأمرِ قائمةً على الأساطيرِ والخرافاتِ؛ كان يعتقد أن هناك ثورًا يحمل الأرض على أحدِ قرنيهِ، وينقلها كلما تعب من قرنٍ إلى قرنٍ، أو يعتقدُ أن الأرضَ محمولةٌ فوق كتفي ماردٍ عملاقٍ، وكلما التفتَ أو تحرَّكَ ارتجَّتْ واهتزَّتْ، أو يعتقد أن الأموات يحاولون أن يخرجوا إلى سطح الأرض فتهتزَّ من محاولاتِه،
حتى ما جاء في التراث الإغريقيِّ عن الزلازل يُعتَبَرُ مجرد آراءٍ فلسفيةٍ وتخيلاتٍ بعيدةٍ عن الواقع، يُمثِّلُها رأيُ أرسطو الذي يقضي بأنَّ الأرضَ جافةٌ بطبيعتِها، لكنَّ المطرَ يملؤُها بالرطوبة، وتقوم الشمس ونارها بتسخينها، وتتسبَّب في الرياح، والزلزالُ مَبعثهُ ريحٌ وعواصفُ مكتومةٌ في كهفٍ كبيرٍ بجوف الأرضِ، أو هو نتيجةٌ ضروريةٌ لذلك.
لكنَّ البدايةَ العلميةَ الحقيقيةَ لتفسير ظاهرة الزلازل جاءت على أيدي علماء الحضارة الإسلامية الذين تشربوا روح الإسلام وتعاليمه، واستلهموا منها مقومات البحث العلمي، ومنهج التفكير السليم في مختلف الظواهر الكونية للتعرف على طبيعة سلوكها، والاهتداء إلى حكمة وجودها في ربط الإنسان بخالقه، وربطه أيضًا بعالمه الذي يعيش فيه.
ففي "كتاب الجوهرتين العتيقتين" يحدثنا الحسن بن أحمد الهمداني في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) عن "الطاقة الزلزالية" في باطن الأرض، ولكنه يسميها "الرياح المحتقنة"، ويصف ما ينتج عنها من هزات متفاوتة الشدة يصحبها أحيانًا حدوث خسفٍ على نطاقٍ واسعٍ، فيقول : "ويكون مما بطن من الأرض من تلك البخارات، الجواهر المعدنية على قدرقوى تلك الأرضين، بعد أن يظهرمن تلك البخارات ما تلطف حتى يصير إلى أجزاء سطح الأرض، فإن لم يجد ما تلطَّف وما غلظ من تلك البخارات العميقة مخرجًا ولا منفسًا اضطربت الأرض وتحركت لذلك، فكان منها الزلزلة في جانبها الذي وقع فيه التأثير، كالرطوبة الغليظة التي تولد في عضوٍ من البدن فيحدث في ذلك العضو الاختلاج والارتعاش، وكقراقر المعدة التي يضطرب لها البدن دون حركة الإنسان.
وإن كانت تلك الرياح وتلك البخارات المحتقنة المحتبسة في بطون الأرض غليظة كثيرة بقيت الزلزلة أيامًا كثيرة، وإن كانت قليلة رقيقة تحللت سريعا وسكنت الزلزلة، وربما جلجلت الأرض فوق الخسوف، وربما خرج من موضع الخسف رماد كما ذكر أرسطو، وذلك على قدر ما في تلك الأرض من النارية الملتهبة والكبريتية القابلة لتلك النار الملتهبة".
والخسف الذي ذكره الهمداني في هذا النص التراثي هو المقابل للمصطلح الأجنبي الحديث "Taphrogenesis"، ويعني الحركات التي تحدث رأسيًّا إلى أسفل على نطاق واسع ويصاحبها تصدع كبير الزاوية.
كذلك حاول إخوانُ الصفا في القرنِ الرابعِ الهجريِّ (العاشرِ الميلاديِّ) أن يقدِّموا تفسيرًا علميًّا لظاهرة الزلازل وأسبابِها، فذكروا في الجزء الثاني من رسائلِهم: "أنَّ الكهوفَ والمغاراتِ والأهويةَ التي في جوف الأرض والجبال، إذا لم يكن لها منافذُ تخرج منها المياه، بقيت تلك المياهُ هناكَ محبوسةً زمانًا، وإذا حمي باطن الأرض وجوف تلك الجبالِ، سخنت تلك المياهُ ولطفت وتحللت وصارت بخارًا، وارتفعت وطلبت مكانًا أوسع،
فإن كانت الأرضُ كثيرةَ التخلخلِ، تحللت وخرجت تلك البخاراتُ من تلك المنافذِ، وإن كان ظاهر الأرض شديدَ التكاثفِ حصيفًا، منعها من الخروج، وبقيت محتبسةً تتموَّج في تلك الأهويةِ لطلب الخروجِ، وربما انشقت الأرض في موضعٍ منها، وخرجت تلك الرياح مفاجأةً، وانخسف مكانها، ويُسمَعُ لها دَوِيٌّ وهزَّةٌ وزلزلةٌ،
وجوفُ الأرضِ على درجةِ حرارةٍ عاليةٍ جدًّا، ويُوجَدُ بداخلِهِ أيضًا مياهٌ كبريتيةٌ أو نفطيةٌ أو دهنيةٌ، ولهذا فإنَّ الرياحَ التي تتخذ طريقَها في الأجزاء السفليةِ تتطاير وتتحد مع الكبريت، وينتج عنها قوةٌ انفجاريةٌ ودخانٌ ونارٌ"، وتوضح هذه الفقرة أيضًا، بالإضافة إلى رأي الهمداني، مدى الموضوعية والتوافق مع الآراء الحديثة، كما توضح مقارنة برأي أرسطو فروقا كبيرة في التحليل والتعليل.
وإذا توقفنا عند اراء ابن سينا، نجده قد زاد الموضوع شرحًا وتفصيلًا، واقترب كثيرًا مما نعرفه اليوم، ولم تختلف آراؤه إلا بقدر ما حدث من تطور في أجهزة الرصد والقياس فمن أقواله في هذا الصدد ما نصه: "الزلزلة حركة تعرض لجزء من أجزاء الأرض بسبب ما تحته، ولا محالة أن ذلك السبب يعرض له أن يتحرك ثم يحرك ما فوقه، والجسم الذي بمكن أن يتحرك تحت الأرض ويحرك الأرض إما جسمٌ بخاريٌ دُخانيٌ قوي الاندفاعِ كالريح، وإما جسم مائي سيال، وإما جسم هوائي، وإما جسم ناري، وإما جسم أرضي.
والجسم الناري لا يكون نارًا صرفه، بل يكون لا محالة في حكم الدخان القوي وفي حكم الريح المشتعلة، والجسم الأرضي لا تعرض له الحركة أيضًا إلا لسببٍ مثل السببِ الذي عرض لهذا الجسم الأرضي، فيكون السبب الأول الفاعلة للزلزلة ذلك، فأما الجسم الريحي- ناريًا كان او غير ناري - فإنه يجب أن يكون هو المنبعث تحت الأرض، الموجب لتمويج الأرض في أكثر الأمر"؛ هذا، ولا يفوت عبقري الحضارة الإسلامية أن يذكر بفوائد الزلازل، والغاية منها، فيقول: "منافع الزلازل تفتيح مسام الأرض للعيون، وإشعار قلوب فسقة العامة رعب الله تعالى".
كذلك يقدم ابن سينا وصفًا تفصيليًا لبعض أنواع الزلازل، فيقول: "منها ما يكون على الاستقامة إلى فوق، ومنها ما يكون مع ميل إلى جهة، ولم تكن جهات الزلزلة متفقة، بل كان من الزلازل رجفية، ما يتخيل معها أن الأرض تقذف إلى فوق (أي زلازل رأسية)، ومنها ما تكون اختلاجية عرضية رعشية (وهي ما ينتج عنها الطيات الملتوية)، ومنها ما تكون مائلة إلى القطرين ويسمى القطقط (وهي ما تحرك الأرض في اتجاهين وينتج عنها ما يعرف بالطيات المضطجعة)، وما كان منه مع ذهابه في العرض يذهب في الارتفاع "ويسمى سلميًا" (أي ما يحرك الأرض حركة رأسية وأفقية معًا ويسبب ما يعرف بالانكسارات السلمية).
ويتضح من الدراسة التحليلية التأصيلية لهذه النصوص التراثية أن تصور الهمداني وإخوان الصفا وابن سينا للرياح المحبوسة يعكس مفهومًا سائدًا في عصرهم قريبًا من مفهوم "الطاقة الزلزالية" الذي ظهر حديثًا، ومختلفًا تمامًا عما ذكرناه منسوبًا لأرسطو.
كما أن آراء ابن سينا تتفق مع ما يقول به العلم الحديث من أن خسف الأرض الملازم أحيانًا للهزات الأرضية يحدث نتيجة لخروج حممٍ بركانيةٍ، أو لوجود فراغاتٍ تحت سطح الأرض في المناطق التي يكثر فيها حجر الجير، وكنتيجة للهزة الأرضية ينخفض مستوى سطح الأرض، أو يحدث أحيانًا انجراف أرضي أثناء حدوث الزلازل.
وفيما يتعلق بفوائد الزلازل في تفتح العيون فهو صحيح من الناحية العملية، حيث تؤدي الزلازل إلى تفتح عيون المياه، وخاصةً عيون المياه المعدنية في بعض الحالات، من ناحية أخرى، جاء في عدد من الكتب التراثية وصف دقيق للهزات الزلزالية التي تعرضت لها البلدان العربية والإسلامية خلال القرون الماضية، منها على سبيل المثال: كتاب: "صفة جزيرة العرب" للهمداني، وكتاب "بدائع الزهور ووقائع الدهور"، لابن إياس، وكتاب "كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة" لجلال الدين السيوطي، وغيرها.
ولا شك أن مثل هذه المؤلفات التراثية تعتبر بمثابة سجلات زلزالية لا غنى عنها، والاسترشاد بما جاء فيها عن تواريخ حدوث الزلازل ودرجات تأثيرها في المنطقة العربية والإسلامية في العصور الماضية يعتبر ضرورة منهجية ومعرفية لأي دراسات معاصرة أو مستقبلية تتعلق بخرائط التوزيع الزلزالي في هذه المنطقة، خاصةً بعد ما ظهر حاليًا ما يشير إلى أن أجزاء كثيرة من اراضيها لم تعد بعيدة تماما عن "الأحزمة" النشطة زلزاليًا في أماكن محدودة ومعروفة من العالم.
بل إن إعادة قراءة وتحليل ما جاء في وصف زلازل معينة حدثت في مصر والشام ربما يفيد كثيرًا في فهم الحالة التكوينية لمنطقة البحر الأبيض المتوسط واحتمالات تأثر المناطق الساحلية بموجات البحر الاهتزازية "التسونامي".
الزلازل ظاهرةٌ كونيةٌ تثير الرعب والفزع في النفوس، ويهتم علم الزلازل بدراسة أسباب وخواص وآثار الزلازل، والعلماء المسلمون قدموا تفسيرات علمية لظاهرة الزلازل، مثل الهمداني وإخوان الصفا وابن سينا، وتلعب الرياح المحبوسة في باطن الأرض دورًا في حدوث الزلازل، وتحتوي الكتب التراثية على وصف دقيق للهزات الزلزالية التي حدثت في العصور الماضية، ودراسة الزلازل مهمة لفهم الظواهر الكونية وتأثيرها على البيئة والإنسان، والتراث العلمي الإسلامي غَنِيٌّ بالمعلومات القيمة حول الزلازل.
علم الجيومورفولوجيا هو يدرس أشكال سطح الأرض وتطورها بفعل عوامل التعرية، والإرساب، والحركات الأرضية.
يُعدّ علم الجيولوجيا من أقدم العلوم التي اهتم بها الإنسان لفهم تركيب الأرض وتاريخها وظواهرها الطبيعية.
تُعرف العلوم البيئية في الإسلام بعلاقة توازن وانسجام بين الإنسان والبيئة، حيث تُبرز الآيات القرآنية والسنة النبوية تسخير الكون لخدمة الإنسان.