Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الطب البيئي

الكاتب

أ. د. أحمد فؤاد باشا

الطب البيئي

اهتم المسلمون مبكرًا بتأثير البيئة على صحة الإنسان، فأسسوا مفاهيم سبّاقة كالطب البيئي وربطوا جودة الهواء والماء بصحة المجتمع. وبرز ابن رضوان بتحذيراته من تلوث الهواء وكتاباته عن الوقاية من الأوبئة، مؤكدًا وعيًا صحيًّا سبق زمانه.

المبادئ الإسلامية في حماية البيئة

لقد سبق الدين الإسلامي الحنيف إلى وضع تشريعات محكمة لرعاية البيئة وحمايتها من آفات التلوث والفساد، ورسم المنهج الإسلامي حدود هذه التشريعات على أساس الالتزام بمبدأين أساسيين يحددان مسئولية الإنسان حيال البيئة التي يعيش فيها.

أما الأول: فهو "درء المفاسد" حتى لا تقع بالبلاد والعباد وتسبب الأذى للفرد والمجتمع والبيئة، حيث لا ضرر ولا ضرار.       

وأما الثاني: فهو "جلب المصالح" وبذل كل الجهود التي من شأنها أن تحمق الخير والمنفعة للجماعة البشرية. وأهم ما يميز المنهج الإسلامي في الحفاظ على البيئة هو الأمر بالتوسط والاعتدال في كل تصرفات الإنسان، باعتباره من أهم عوامل الخلل والاضطراب في منظومة التوازن البيئي المحكم الذي وهبه الله - سبحانه وتعالى - للحياة والأحياء في هذا الكون. قال تعالى: {ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} [الروم: ٤١]. 

مفهوم الطب البيئي في الحضارة الإسلامية

ولقد أقام الإسلام بناءه كله على الوسطية، والتوازن، والاعتدال، والقصد، وحثت التعاليم الإسلامية على حماية البيئة والاهتمام بالنظافة العامة، واعتبرت التلوث بكل أشكاله نجاسة كريهة يجب على المسلمين التطهر منها. وقد ورد لفظ "طهر" ومشتقاته في القران الكريم أكثر من ثلاثين مرة لإيجاب طهارة البدن والنفس المؤمنة والبيئة الإنسانية في الظاهر والباطن.

جهود علماء المسلمين في الوقاية من الأمراض

وينسب إلى علماء المسلمين وأطبائهم فضل السبق إلى الاهتمام بالمشكلات البيئية وتأسيس ما يعرف اليوم "بعلم الطب البيئي" فقد علموا - بحكم تخصصهم كأطباء - أثر البيئة على الصحة، وعرفوا بحكم عقيدتهم الإسلامية أهمية الطب باعتباره علمًا نافعًا، يهدف إلى صحة العقل والنفس والبدن التي تعين على توفير كافة المقاصد الرئيسية الخمس للشريعة الإسلامية كما يراها الفقهاء، وهي بترتيب أهميتها: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

مؤلفات إسلامية في الطب والبيئة

ففي كتابه "دفع مضار الأبدان بأرض مصر" يتحدث ابن رضوان المصري عن الأمراض الوافدة (أي المعدية) ويعزيها إلى أربعة أسباب:

"تغير كيفية الهواء، والماء، والغذاء، والأحداث النفسانية" ثم ينصح بضرورة أن "تكون المساكن فسيحة لينحل منها من البخار (أي الرطوبة) مقدار وافر+. ويكون لها مخاريق (طيقان وشبابيك وأبواب) ينحل منها البخار+. ويدخل منها شعاع الشمس، وينبغي أن تكون مرخمة، ومبلطة. أو معمولة بالجص والجبس، ويتعاهد تنظيفها، وتفرش في الأوقات الحارة بالحصر الباردة". ويحذر ابن رضوان من خطورة التلوث الهوائي والمائي على الصحة قائلا: "الهواء يتغير معه الأشياء التي يحيط بها. وإن الماء إذا تغير وإن كان كثيرًا كماء النيل، غير الهواء، وكذلك أنفاس الناس تغير الهواء إذا كثر فيهم المرض.. من أجل هذا ينبغي أن تصرف العناية في كل مرض وافد إلى إصلاح الهواء".

وقد حظي هذا الكتاب لابن رضوان باهتمام الباحثين مؤخرًا بعد أن ترجمه ميشيل دولز M.W. Dols إلى الإنجليزية ونشره سنة ١٩٨٤م.

أمثلة تاريخية لتخطيط صحي بيئي

ويزخر التراث الإسلامي بمؤلفات عديدة حول البيئة وسلامتها من جوانب مختلفة. فعلى سبيل المثال: ألف الكندي "رسالة في الأبخرة المصلحة للجو من الأوباء"، ورسالة في "الأدوية المشفية من الروائح المؤذية"، وتكلم ابن سينا بالتفصيل في كتابه "القانون" عن تلوث المياه بشكل عام وكيفية معالجة هذا التلوث لتصبح المياه صالحة للاستعمال، كما أنه وضع شروطًا تتعلق بطبيعة الماء والهواء المؤثرين في المكان عند اختيار موقع ما للسكنى.

 أما الرازي فقد نشد سلامة البيئة عندما استشاره عضد الدولة في اختيار موقع لمستشفى ببغداد، فاختار الناحية التي لم يفسد فيها اللحم بسرعة، وكانت المستشفيات بصورة عامة تتمتع بموقع تتوافر فيه كل شروط الصحة والجمال، وعندما أراد السلطان صلاح الدين أن ينشئ مستشفى في القاهرة. أختار له أحد قصوره الفخمة البعيدة عن الضوضاء وحوله إلى مستشفى ضخم كبير هو المستشفى الناصري.

وقد ألف الرازي "رسالة في تأثير فصل الربيع وتغير الهواء تبعًا لذلك"، بينما تحدث أبو مروان الأندلسي في كتابه "التيسير في المداواة والتدبير" عن فساد الهواء الذي يهب من المستنقعات والبرك ذات الماء الراكد.

أهمية الهواء والماء في التشخيص والعلاج

    وجاء في كتاب "بستان الأطباء وروضة الألباء" لابن المطران الدمشقي ما يؤكد ضرورة مراعاة تأثير البيئة عند تشخيص المرض، فقال: "ينبغي للطبيب إذا قدم على مداواة قوم في بلد، أن ينظر في وضع المدينة " ، ومزاج الهواء المحيط بها، والمياه الجارية فيها، والتدبير الخاص الذي يستعمله قوم دون قوم، فإن هذه الأصول، ثم بعدها النظر في سائر الشرائط".وهذه رؤية متقدمة في "علم الطب البيئي الذي أصبح من أهم العلوم الطبية المعاصرة". ويتضح من هذه الأمثلة التي ذكرناها أن علماء الحضارة الإسلامية تناولوا المشكلات البيئية في أجزاء أو فصول من مؤلفاتهم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث نجد من بين علماء المسلمين من رأى ضرورة معالجة الموضوع في كتاب مستقل، ليؤكد أهميته في حياة الناس على مر العصور، فقد صنف محمد بن أحمد التميمي في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كتابًا كاملًا عن التلوث البيئي وأسبابه وآثاره وطرق مكافحته والوقاية منه، وفصل الحديث فيه عن ثلاثية الهواء والماء والتربة، وتبادل التلوث بين عناصرها، وجعل عنوانه: "مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء".

الخلاصة

لم يقف اهتمام المسلمين بالبيئة عند حدود التشريعات الدينية فحسب، بل امتد ليشمل فهمًا علميًا عميقًا لتأثير البيئة على صحة الإنسان. أدرك علماء المسلمين الأوائل العلاقة الوثيقة بين البيئة المحيطة والأمراض المختلفة، وهو ما أسس لما يمكن أن نطلق عليه اليوم "الطب البيئي".

كما تناولت مؤلفاتهم قضايا محورية لا تزال تشغلنا حتى اليوم، مثل جودة الهواء والماء. فقد اهتموا بتحديد مصادر المياه النظيفة، وسبل حمايتها من التلوث. كما أولوا اهتمامًا كبيرًا لتصميم المساكن بطريقة صحية، مع مراعاة التهوية الجيدة ودخول أشعة الشمس، وتجنب الرطوبة التي قد تؤدي إلى انتشار الأمراض. وبرزت أسماء لامعة في هذا المجال، مثل ابن رضوان، الذي حذر مبكرًا من خطورة الهواء الملوث على صحة الإنسان، وقدم نصائح للوقاية من الأمراض المرتبطة به. كما كتب عن الوقاية من الأمراض الوافدة وكيفية التعامل مع الأوبئة، وهو ما يعكس فهمًا متقدمًا لعلم الوبائيات وعلاقته بالبيئة.

موضوعات ذات صلة

يُعنى الطب الوقائي، أو "حفظ الصحة"، بالحفاظ على الصحة الموجودة بدلًا من استردادها.

برز الطب النفسي في الحضارة الإسلامية مبكرًا، حيث أُنشئت مستشفيات متخصصة لرعاية المرضى النفسيين وعالجهم أطباء بارعون.

الطب السريري يركز على تشخيص الأمراض وعلاجها من خلال التواصل المباشر مع المرضى.

موضوعات مختارة