كما
يرفض الإسلام كلية المفهوم الماركسي، سواء في تصوره للطبقات الاجتماعية أو تغذيته للصراع بينها، الإسلام يدعو إلى الثروة والغنى بضوابط معينة، على خلاف أغلب الأديان وسائر المذاهب الروحية، يدعو الإسلام إلى
المادة والرخاء الاقتصادي، بل يعتبر الإسلام الغنى واليسر المادي أساس التقدم والسمو الروحي، إذ لا يمكن أن نتوقع من جائع أو محروم
سوى الضياع
والانحراف، وأنه بقدر ما ندد الإسلام بالفقر، وأنه كاد أن يكون كفرًا، بل الفقر والكفر في
نظره يتساويان، إذ استعاذ النبي - صلى الله عليه وسلم- من الكفر
والفقر فقَالَ رَجُلٌ: أَيُعْدِلَانِ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
نجده يدعو إلى الثروة والغنى، بل يعتبر - السعي على الرزق من أفضل ضروب العبادة إذ ذُكر لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ
كَثِيرُ الْعِبَادَةِ، فَسَأَلَ: «مَنْ يَقُومُ بِهِ؟ »قَالُوا: أخوه فقال: «أَخُوهُ أَعْبَدُ مِنْهُ».
وأساس
الثروة والغنى في الإسلام هو العمل: فالله تعالى يقول: {أَهُمۡ
يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي
ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ
لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ} [الزخرف:
٣٢]، ويقول
تعالى: {وَٱللَّهُ
فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ} [النحل:
٧١]، ويقول تعالى: {وَلِكُلّٖ
دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا
يُظۡلَمُونَ}
[الأحقاف: ١٩] ويقول: {وَفَضَّلَ
ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا *
دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا} [النساء:
٩٥-٩٦] .
فإغناء
الناس وتفاوتهم في أرزاقهم ومعيشتهم، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، وتفضيل بعضهم على بعض، ليس اعتباطًا، وإنما هو بقدر ما يبذلونه من جهد وعمل صالح، وصدق الله العظيم إذ يقول {وَأَن
لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ *
وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ *
ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ} [النجم:
٣٩-٤١].
ولا
يسمح الإسلام بالثروة والغنى إلا بعد ضمان حد الكفاية لا "الكفاف"
لكل فرد، وبعبارة أخرى انه لا يسمح بالغنى مع وجود الفقر، وإنما يبدأ الغنى والتفاوت فيه
بعد إزالة
الفقر والقضاء على الحاجة.
ومن ثَمَّ جاء الإسلام ضامنًا لكل فرد المستوى اللائق للمعيشة، تكفله له الدولة
كحق إلهيٍّ
مقدس يعلو فوق كل الحقوق؛ لقوله تعالى:
{وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ
ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ}
[النور: ٣٣] .
قال
رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «مَن
تَرَكَ كَلًّا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاه» أي من ترك ضعيفًا فليأتني بصفتي الدولة فأنا مسئول عنه كفيل به.
وهو ما عبر عنه سيدنا عمر بن الخطاب رضي
الله عنه بقوله " إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها، ما اتسع بعضنا لبعض،
فإذا عجزنا تأسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف".
والثروة والغنى في الإسلام ليست غاية وإنما هي وسيلة. إذ كما ورد في الحديث النبوي: قال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- : «نِعمَ العَونُ على تقْوى اللَّهِ المالُ» و «نِعمَ المالُ الصّالِحُ للمَرءِ
الصّالِحِ».