Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الفيزياء الذرية

الكاتب

أ. د. أحمد فؤاد باشا

الفيزياء الذرية

رحلة الذرة من مجرد فكرة فلسفية عند فلاسفة الإغريق، إلى قلب الأبحاث العلمية الحديثة، تكشف عن عبقرية العقل البشري في سعيه لفهم جوهر الكون وأسراره.

الفيزياء الذرية

نشأت فكرة "الذرة" في تفكير الإنسان لأول مرة عندما واجهته أول مشكلة فلسفية تتعلق بالتساؤل عن مبدأ الكون أو المادة الأولى التي نشأ منها، وعن مدى إمكانية تقسيم المادة وصولًا إلى الجزء الأصغر منها غير القابل للانقسام، أو "الأتوم" Atom كما أطلق عليها فلاسفة الإغريق.

وتنسب النظرية الذرية عادة في نشأتها إلى (لويقيبوس) الملطي، وتلميذه (ديمقريطس) في القرن الخامس للميلاد، وإن كان المؤرخ والجغرافي اليوناني القديم "سترابو" Staebo قد عزا نشأتها إلى "موشوس" Mochos الفينيقي الذي سبق "لويقيبوس" ببضعة قرون.

وقد عرف العرب "الذرة" و"المذهب الذري" الذي وضعه فلاسفة الإغريق، ولكنهم استخدموا لذلك مصطلح "الجزء الذي لا يتجزأ" أو "الجوهر الفرد" ودخل المصطلح في اللغة العربية حديثًا باسم "الذرة"، وهي ترجمة غير دقيقة لكلمة Atom وتناولوا القضية من جانبيها الفلسفي والعلمي.

الجانب العلمي من النظرية الذرية

ويكفي أن نشير إلى الجانب العلمي من النظرية الذرية في التراث العربي بإحدى التجارب العلمية التي أجراها جابر بن حيان (ت ٨١٥م) لتحضير "الزنجفر" (كبريتوز الزئبق)، حيث يقول: لتحويل الزئبق إلى مادة صلبة حمراء، خذ قارورة مستديرة وصب فيها مقدارًا ملائمًا من الزئبق، واستحضر آنية من الفخار بها كمية من الكبريت حتى يصل إلى حافة القارورة، ثم أدخل الآنية في فرن واتركها فيه ليلة بعد أن تحكم سدّها، فإذا ما فحصتها بعد ذلك، وجدت الزئبق قد تحول إلى حجر أحمر، وهو ما يسميه العلماء بالزنجفر، وهي ليست مادة جديدة في كليتها.

والحقيقة أن هاتين المادتين لم تفقدا ماهيتهما، وكل ما حدث أنهما تحولتا إلى دقائق صغيرة امتزجت ببعضهما، فأصبحت العين المجردة عاجزة عن التمييز بينهما.

وظهرت المادة الناتجة من الاتحاد متجانسة التركيب، ولو كان في قدرتنا وسيلة نفرق بين دقائق النوعين لأدركنا أن كلًا منهما محتفظ بهيئته الطبيعية الدائمة.

ومن وجهة النظر العلمية المعاصرة يعتبر هذا الوصف تصويرًا عجيبًا للاتحاد الكيميائي، لعل فيه شبهًا من تصوير "دالتون" Dalton (ت١٨٤٤م) الذي جاء بعد جابر بألف عام، وقال بأن الاتحاد الكيميائي يكون باتصال ذرات العناصر المتفاعلة بعضها ببعض.

وإذا عقدنا مقارنة سريعة بين الطريقة التي عولج بها مفهوم الذرة على النحو الذي أوضحنا، وبين الطريقة التي اتبعها علماء الغرب إبان عصر النهضة الأوربية الحديثة، نجد أن المذهب الذري الإغريقي القديم قد عاد إلى الظهور على يد جاسندي"Gassendi (ت ١٦٥٥م)، وعلى أيدي علماء الكيمياء في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، في صورة ضروب من الحدس الهندسي نستطيع اليوم أن ندرك مبلغ سذاجتها.

والواقع أن المفكرين في ذلك الحين لم يترددوا في أن ينسبوا إلى الذرة كل المدركات الحسية المباشرة، بحيث إن الصورة الخاصة لذرات المادة تفسر إحساسات الذوق والرائحة واللون، وهكذا قيل: إن ذرة البرد مدببة لأن البرد قارس، وإن تأثير الأحماض في الأجسام القاعدية أشبه باختراق الطرف المدبب في الأحماض لمسام القلويات.

ولا شك أن مثل هذه التشبيهات ليس لها قيمة علمية، بل إنها لا تصور لنا الظواهر تصويرًا جيدًا. لكن الذرة الكيميائية كما تصورها "جابر" و"دالتون، في عمليات الاتحاد الكيميائي بين العناصر لم تعد مع حلول القرن العشرين ذلك الجزء الذي لا يتجزأ، فقد أدى تطور النظرية الذرية، أو الفيزياء الذرية، إلى قيام علم الفيزياء النووية بدراسة التغيرات التي تتعرض لها نواة الذرة، ودراسة الإشعاع الذري الطبيعي بدراسة التفاعلات النووية.

بل إن ظهور عالم الجسيمات الأولية وفيزياء الطاقات العالية قد أدى بنا الآن إلى الدخول في مجال العلم الذي ما زال يتكون، والبحث في أعماق "الذرة" - مرة أخرى - عن جزء جديد منها لا يقبل التجزئة.

لقد اقترب الإنسان كثيرًا من الرؤية المباشرة للذرة المفردة والإمساك بها لاستخدامها في إجراء تجارب علمية لم تخطر يومًا على بال بشر!!


مراجع الاستزادة:

 ١ - د. احمد فؤاد باشا: التراث العلمي للحضارة الإسلامية ١٩٩٣م – ٦٥٧هـ. 

الخلاصة

بدأت فكرة الذرة كتساؤل فلسفي لدى الإغريق حول أصغر جزء من المادة، وانتقلت إلى العرب تحت مسمى "الجوهر الفرد" قدّم جابر بن حيان تصورًا مبكرًا للاتحاد الكيميائي في تجاربه، يشبه ما توصّل إليه دالتون لاحقًا، وشهد مفهوم الذرة تطورًا كبيرًا في أوروبا الحديثة، من تصورات حسية إلى علوم نووية دقيقة، وفي القرن العشرين، فتحت فيزياء الجسيمات آفاقًا جديدة للبحث داخل نواة الذرة نفسها.

موضوعات ذات صلة

لم تولد الكيمياء من فراغ، بل نشأت من تجارب حرفية قديمة ترسخت في حضارات كبرى.

أبدع علماء الكيمياء المسلمون في تقديم إسهامات صناعية هائلة سبقت عصرهم.

لقد أسهمت الحضارة الإسلامية إسهامًا عظيمًا في تطوير العلوم الطبية والصيدلية.

موضوعات مختارة