المحاريب الإسلامية عناصر معمارية بارزة في المساجد، تحدد اتجاه القبلة وتتميز بزخارف نباتية وهندسية وكتابات قرآنية، ومن أبرزها ثلاثة محاريب محفوظة بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة: محراب الأزهر، السيدة نفيسة، والسيدة رقية.
المحاريب الإسلامية عناصر معمارية بارزة في المساجد، تحدد اتجاه القبلة وتتميز بزخارف نباتية وهندسية وكتابات قرآنية، ومن أبرزها ثلاثة محاريب محفوظة بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة: محراب الأزهر، السيدة نفيسة، والسيدة رقية.
هناك ثلاثة من المحاريب الخشبية الرائعة، يحتفظ بها اليوم متحف الفن الإسلامي بالقاهرة:
أحدها: صنع سنة (٥١٩هـ) للأزهر.
والثاني: محراب من مشهد (السيدة نفيسة) سنة(٥٤١هـ).
والثالث: وهو أروعها وأعظمها جمالًا من مشهد السيدة (رقية بنت علي بن أبي طالب) فيما بين سنتي (٤٩٠هـ و٥٥٥هـ).
إن الظاهرة العامة التي تميز هذه المحاريب الثلاثة أنها ذات حنيات مجوفة غائرة، فإن الأصل في المحراب في العمارة الإسلامية أنه تلك العلامة البنائية المسطحة، أو الدخلة الغائرة في صدر الحائط الشرقي برواق القبلة بالمسجد لتحديد اتجاه المصلين نحو الكعبة المشرفة حسبما أمر الله-عز وجل- رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة ١٥٥]، وقد ورد ذكر المحراب في القران الكريم بما يفيد أنه مكان مقدس معد للتعبد والاتصال بالله: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} [ آل عمران: ٣٩].
ولسنا بحاجة هنا إلى تفنيد أراء بعض المستشرقين مثل (نولدك) Noldeke الذي اعتبر المحراب أصلًا حنية للعرش في قصور ملوك العرب وأمرائهم، كما أننا لن نتعرض لمناقشة أكثر الآراء سخفًا وهو ما أورده (مارتن برجز) M. Briggs في بحثه عن العمارة الإسلامية من أن المحراب فكرة مبتكرة في بقعة يكثر فيها انتشار أمراض العيون، ومن ثم فإنه قد بنى على شكل حنية مجوفة ليتيسر للأعمى أن يجده عندما يتحسس طريقه حول جدار المسجد، ولكن يكفي أن نشير إلى أن المحراب وحدة معمارية في المساجد الإسلامية بدأت بسيطة مسطحة مع نشأة العمارة الدينية على يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في (مسجد قباء) و(مسجد المدينة) لتعيين أقدس مكان عند المسلمين يتجهون إليه في صلاتهم.
ثم تطورت هذه الوحدة المعمارية إلى التألق في الشام والعراق ومصر وشمال افريقيا حتى أصبع المحراب مجوفًا أشبه بالكوة الغائرة يحددها عقد خارجي تزينه زخارف متنوعة، وربما بدأ هذا النوع من المحاريب المجوفة على أغلب الآراء منذ عهد الوليد بن عبد الملك الأموي
وقد أثار هذا النوع من المحاريب المجوفة منذ نشأته، مناقشات كثيرة بين الفقهاء والمحدثين والمؤرخين جميعًا حتى اعتبره البعض بدعة في الإسلام منقولة عن الكنائس، وهو أمر لا يقره الدين، بل ذهب البعض كابن الحاج إلى أن المحراب المجوف هو أقل الأجزاء قدسية في المسجد فيتحتم على الإمام أن يتحاشى الوقوف بداخله، كما أن السيوطي وضع مؤلفًا خاصًا يحذر فيه المسلمين من هذه البدعة أسماه (إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب).
وعلى أي حال فإن أقدم المحاريب المجوفة المؤكدة التاريخ في مصر ترجع إلى عهد (ابن طولون) في جامعه، وهو يمثل دخلة مجوفة في جدار المسجد يحيطها عقد مدبب، وعند ناحيتي النخيلة زاويتان غائرتان أو ناحيتان مخلقتان لوضع الأعمدة الرخامية عند هذه النواحي، وهذه ظاهرة معمارية مبتكرة ترتبط بتطور أشكال المحاريب الإسلامية في مصر، ولم يقتصر الأمر على وجود محراب واحد في المسجد أو المشهد فيما بعد، بل تعددت المحاريب واخذت زخرفها وازينت في قاهرة المعز فتحولت أنصاف القباب عند قمة التجويفات إلى أشكال محارية وضلوع مشعة.
وإذا جاز لنا أن نسلم برأي ابن كثير في المساجد بأن هذا كان تبعًا لتعدد المذاهب الإسلامية، فإن هذا الرأي لا يمكن أن ينطبق على تلك المحاريب المتعددة الثابتة أو المتنقلة في العمائر الدينية الفاطمية لدولة شيعية العقيدة موحدة المذهب.
وأغلب الظن أن المحاريب المتعددة في بلاطات رواق القبلة في العمائر الفاطمية كان القصد منها أن يقوم فيها إمام آخر وقت الصلاة، أو مُبلِّغ يردد ابتهالات إمام المسجد وتكبيراته، وإذا ما ضاق رواق القبلة بالمصلين أمكن استخدام صحن المسجد للصلاة يوم الجمعة والعيديين مع تحديد اتجاه القبلة بمثل هذه المحاريب الخشبية المتنقلة.
أما محراب الجامع الأزهر فهو تحفة فنية جمعت بين دقة الصناعة الخشبية المنجورة المزينة بزخارف نباتية بالأويمة فوق حشوات مستطيلة وإطارات وأشرطة دقيقة وبين الزخارف الكتابية المزهرة التي بلغت أقصى درجات التطور في مصر منذ القرن السادس الهجري(١٢م).
ويتألف هذا المحراب من قبلة في هيئة دخلة غائرة مجوفة من خشب النخيل (الفلق) يحف بها عمودان في ركنين مخلقين ينتهي كل منهما بقاعدة رخامية، كما يتوج كل عامود بتاج ناقوسي الشكل ويرتكز على العمودين عقد مدبب أقرب شبهًا بعقود الجامع الأزهر في رواق القبلة، وهو من نوع العقود التي عرفتها مصرفي مساجد القرن (٨٩٠م = الثالث الهجري)، كمسجد ابن طولون، وتطورت وازداد استخدامها في العصر الفاطمي منذ عمارة الأزهر سنة ٣٥٩هـ، ويحيط بتجويف المحراب حشوة وإطاران شريطين في كل من جانبيه الأيمن والأيسر، تملوهما الزخارف النباتية من الفروع والأوراق ويحصر الشريطين في كلا الجانبين أربع حشوات مستطيلة من خشب النبق تزينها زخارف من وريقات ذات ثلاثة أو خمسة فصوص، تتصل بها فروع متشابكة.
وفوق عقد المحراب لوح خشبي منقوش عليه بالخط الكوفي المورق كتابات ونصوص تشير إلى تاريخ إصلاحات الخليفة الآمر بأحكام الله للجامع الأزهر سنة(٥١٩-١١٢٤م) وإلى أنه أمر بصنع هذا المحراب للأزهر، وقد جاء ذلك كالتالي: بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة٢٣٨] {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء ٠٣ ١] مما أمر بعمل هذا المحراب المبارك (كذا) برسم الجامع الأزهر الشريف بالمعزية، لقاهرة مولانا وسيدنا المنصور أبي علي الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه الأكرمين ابن الإمام المستعلي بالله أمير المؤمنين ابن الإمام المستنصر بالله، أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين، وعلى أبائهم الأئمة الطاهرين بني الهداة الراشدين وسلم تسليمًا إلى يوم الدين، في شهور سنة تسع عشرة وخمسمائة، الحمد لله وحده.
أما محراب مشهد السيدة نفيسة فهو يرجع إلى تاريخ إصلاحات الخليفة الحافظ لدين الله الفاطمي الذي قام بتعمير هذا المشهد سنة (٤١ ٥هـ = ١١٤٥م)، ويتألف المحراب من دخلة غائرة مجوفة في هيئة عقد مدبب تغطيها زخارف محفورة قوامها أشكال هندسية من معينات ومراوح تمثيلية وعناصر نجمية تملؤها زخارف نباتية من فروع وأوراق نباتية، ويحيط بالتجويف شريطان أحدهما إلى الداخل من عناصر زخرفية نباتية والآخر إلى الخارج تملؤه كتابات كوفية مزهرة تشير إلى آيات قرآنية تحض المؤمنين على الصلاة حتى لا يكونوا من الغافلين مع الإشارة إلى الصلاة على النبي وعلى آله الطاهرين كشعار من شعائر الفاطميين في نصوصهم المعمارية وتحفهم الفنية، والزخارف النباتية في هذا المحراب دقيقة إلى أبعد الحدود.
ففيها السيقان وأوراق العنب وعناقيده مرسومة ومحفورة بأسلوب أقرب إلى البيعة، وحول عقد المحراب تكثر الحشوات المجمعة والقنانات أي السدايب، الرقيقة التي تتشابك ببعضها ليتكون منها بعض الأشكال النجمية أو الأشكال السداسية الممطوطة التي تغطيها الزخارف النباتية المحفورة بالبارز، والواقع أن هذا المحراب يعتبر مرحلة الانتقال من شيوع الزخارف النباتية إلى التكوينات الهندسية النجمية التي سنراها تبدو بشكل أكبر في المحراب التالي تاريخيًا، وهو محراب السيدة رقية.
وهو محراب منقول من مشهد السيدة رقية الذي يقع الآن في حي الخليفة في الطريق إلى مشهد السيدة نفيسة، وهو آية في دقة الصناعة وجمال الحفر في الخشب، ويُعد أكثر تطورًا في عناصره الزخرفية من محراب مشهد السيدة نفيسة، فقد زينت أجنابه وخلفيته بزخارف نباتية من فروع وأوراق وقرون ينبثق بعضها من زهريات في تماثل واضح مع عمق في الحفر وعناية بالتعريفات والتوريقات، وبصدر المحراب حنية مجوفة في هيئة عقد مدبب تتألف حنيته من حشوات سداسية الشكل مجمعة؛ بحيث تحصر بينها حشوة على هيئة نجمة من ستة أطراف، وتزين كل حشوة من تلك الحشوات سيقان نباتية دقيقة فيها وريقات ذات فصوص طويلة، وتحيط بحنية القبلة كتابات بالخط الكوفي المورق تتضمن آيات قرآنية، أما واجهة المحراب فمن خشب الفرق ومزخرفة بحشوات من خشب الساج الهندي وخشب الزيتون على شكل نجوم وأشكال هندسية أخرى متعددة الأضلاع غنية بما فيها من سيقان ووريقات دقيقة.
من الملاحظ أن الشكل الهندسي النجمي الذي يزين هذا المحراب لا يحتوي على طبق نجمي حقيقي له ترس ولوزات وكندات بل يتكون من تكرار وحدة زخرفية في وسطها نجمة سداسية حولها ست حشوات كل منها مسدس منتظم تمامًا، وهذه الوحدات موزعة بحيث تقع مراكز النجوم في قمم مثلثات وهمية متساوية الاضلاع، أما المساحات المحصورة بين هذه الوحدات فقد ملئت بحشوات أُخرى بعضها نجمي ممطوط تحدده أشرطة خشبية بارزة تعرف في الاصطلاح الصناعي الدارج باسم القنانات، وهي أشرطة مزينة بقنوات متوازية غائرة للتحلية، ومن ثم تصبح هذه المجموعات الهندسية الزخرفية في محراب مشهد السيدة رقية مرحلة من مراحل التنويع الهندسي في القرن السادس الهجري الذي لم يصل بعد إلى المرحلة التي تظهر فيها الأطباق النجمية الحقيقية.
وتشير النصوص الكتابية في هذا المحراب إلى أن علم الأمرية زوجة الخليفة الآمر بأحكام الله هي التي أمرت بصنعه، وهي نفسها الآمرة بعمارة المشهد.
ويقع تاريخ المحراب في عهد الخليفة الفائز فيما بين سنة (٥٤٩هـ - ٥٥٥هـ =١١٥٤ - ١١٦٠م) ولعل هذه الكتابات هي تلك التي حُفرت في أعلى صدر المحراب وجاء فيها: (مما أمر بعمله الجهة الجليلة المحروسة الكبرى الأمرية، التي كان يقوم بأمر خدمتها القاضي أبو الحسن مكنون، ويقوم بأمر خدمتها الآن الأمير السديد عفيف الدولة ابو الحسن يمن الغائر الصالحي برسم مشهد السيدة رقية ابنة أمير المؤمنين علي).
وبعد، فإن هذه تحف فنية لمحاريب خشبية ثلاثة زودتنا بها عمائر الفاطميين بالقاهرة، والواقع أن الفنون الإسلامية لا تعرف حدودًا فاصلة بين العمارة والمنتجات الفنية التشكيلية أو الزخرفية، وإذا كان المستشرقون يطلقون على هذه المنتجات التشكيلية اسم (الفنون الصغرى) Minoroits تمييزًا لها عن فن العمارة Architeclvo فإن العمائر الإسلامية حقيقة كانت ميدانًا فسيحًا لإبراز مواهب الفنانين التشكيليين لتزويد هذه العمائر بالمقرنصات والعقود والقبوات والتيجان والأعناب المقصوصة والمعشقة والشراقات المسننة، والصور الحجرية المنحوتة أو الحصبية المحفورة، فضلًا عن الأبواب الخشبية أو المصفحة والمنابر الفنية بزخارفها المجمعة والدكك والمصابيح الزجاجية والثريات النحاسية والكسوات الرخامية والمحاريب الجصية والخشبية.
وهكذا أضحت الفنون الزخرفية تُشكل جزءًا لا يتجزأ من العمارة الإسلامية نفسها سواء أكانت إثراء سطحيًا للجدران، أو أثاثًا ضروريًا للعقيدة، أو عنصرًا معماريًّا يؤدي وظيفة جمالية وزخرفية إلى جانب وظيفته البنائية.
لقد جسّدت المحاريب الخشبية الفاطمية ذروة الإبداع الفني والروحي، إذ جمعت بين العمق المعماري والدقة الزخرفية والرسائل الدينية الرفيعة، ولم تكن هذه المحاريب مجرد عناصر تزيينية بل كانت شواهد ناطقة بعقيدة الأمة ومهارة صُنّاعها، وهكذا ظل الفن الإسلامي ينبض بالحياة والقداسة، حاضرًا في كل ذرة من تفاصيل عمائره.
العمارة ليست مجرد بناء، بل هي فن وعلم يخدم الإنسان والمجتمع.
تُعد العمارة الإسلامية تجسيدًا حيًّا لروح الإسلام وقيمه الجمالية والإنسانية.
تُعرف الزخرفة الإسلامية بفن تجريد الخطوط والأشكال لملء الفراغات بغرض جمالي.