Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المدارس التعليمية

الكاتب

أ. د. أحمد فؤاد باشا

المدارس التعليمية

شهدت الحضارة الإسلامية اهتمامًا بالغًا بالتعليم، حيث اعتُبر بناء الإنسان علميًا وأخلاقيًا من ركائز نهضتها. تميزت المدارس الإسلامية بتنوعها وتطورها، مما جعلها نموذجًا حضاريًا متفردًا في التاريخ الإنساني.

التعليم في صدر الإسلام

اهتم المسلمون اهتمامًا كبيرًا بالتعليم والتربية، وكانت المدرسة إحدى المؤسسات التعليمية والتربوية والثقافية التي تميز بها المجتمع الإسلامي الأول، ويبدو أن التعليم الابتدائي بدأ منذ عهد النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يطلق الأسرى في مقابل أن يعلموا أولاد المسلمين.

وفي عهد عمر بن الخطاب بدأ في تنظيم تعليم الطلاب الصبيان: فنسمع عن الكتاب وقد انتشر هذا التعليم بعد ذلك وظهرت كلمات عديدة تدل عليه، ولا سيما في عهد العباسيين فنسمع عن مكاتب الصبيان ومن يقوم بالتعليم فيها من مؤدبين أو معلمين.

وتذكر المراجع أن أحد مؤدبي الصبيان كان عنده تسعمائة صبي، وآخر كان عنده ثلاثة آلاف، ولعل التهذيب الخلقي كان أهم جانب من التعليم في هذه المرحلة المبكرة من العمر، ولذا فإن مكان الدرس كان يسمى مجلس الأدب مثلما كان المدرس يسمى مؤدبًا.

وكانت الدولة تشرف على هذه المجالس عن طريق المحتسب الذي كان من عمله أن ينذر المعلمين بألا يضربوا الصبيان ضربًا مبرحًا.

وكانت مقررات التعليم الابتدائي أساسها التربية الدينية وعلوم الخط والحساب، وقد وضع الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بنفسه برامج الدراسة لأبنائه، فقال لمعلمهم: وعلمهم كتاب الله - عز وجل - حتى يحفظوه، وقفهم على ما بين الله فيه من حلال وحرام حتى يعقلوه، وخذهم من الأخلاق بأحسنها، ومن الآداب بأجمعها، وروّهم من الشعر أعفه، ومن الحديث أصدقه، وجنبهم محادثة النساء، ومجالسة الأظناء، ومخالطة السفهاء، وخوفهم بي، ولا تخرجهم من علم حتى يفهموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم.

المدارس النظامية والتعليم المتوسط

وظهر في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي نوع من التعليم المتوسط متمثلًا في شكل المدرسة النظامية التي أنشأها الوزير نظام الملك ت٤٨٥هـ/١٠٩٢م في عام ٤٥٩هـ/ ١٠٦٧م، وأنشأ المستنصر العباسي - المدرسة المستنصرية في عام ٦٣١هـ /١٢٣٤م، وقد كانت أشبه بمدينة- فيها أربعة أروقة، كل منها يختص بمذهب خاص من مذاهب السنة، وكان عدد طلابها ثلاثمائة موزعين على الأروقة يتلقون العلم داخليًا وبالمجان، ويعطى الطالب إعانة مالية.

وافتتح الحكم الثاني حوالي عام ٩٦٥م في قرطبة سبعًا وعشرين مدرسة لأبناء الفقراء بالإضافة إلى المدارس الثماني التي كانت فيها فعلًا.

المدارس المتخصصة والرعاية الاجتماعية

وفي القاهرة أنشا المنصور قلاوون مدرسة لليتامى ملحقة بالمستشفى المنصوري، ومنح كل طفل فيها يوميًا رطلًا من الخبز، وثوبًا للشتاء وآخر للصيف، وقد ازداد عدد المدارس في بلاد الإسلام إلى حد كبير، واستمر بناؤها طوال فترة عصر الإسلام المزدهر، وفي جميع دوله ينشؤها القادرون من الأفراد، بالإضافة إلى الملوك والأمراء.

ويبدو أن بناء المدرسة المثالي كان يتكون من صحن فناء وإيوانات تحيط به عليها القباب، كما كانت تلحق بها مكتبة، ففي إحدى مدارس مصر في أيام المماليك ألحقت مكتبة بها مائة ألف مجلد.

وتصف المستشرقة الألمانية سيجريد (هونكة) في كتابها شمس العرب تسطع على الغرب جانبًا من الحياة التعليمية في الدولة الإسلامية، فتقول:

كان الطلبة يتناولون طعامهم مجانًا، ويتقاضون مرتبًا صغيرًا ويسكنون في الأدوار العليا في المدرسة، دون مقابل، أما في المهاجع، فثمة المطبخ، والمخازن، والحمامات، وفي الطبقة الطابق الأرضية تلتف الفصول وقاعات المكتبة على شكل دائري خلف ممرات مظللة تزينها الأعمدة، وفي الوسط فناء فسيح تتوسطه نافورة ماء.

هنا يتعلم شباب العرب الطموح القرآن وقواعد اللغة والديانة والخطابة والأدب والتاريخ والجغرافية والمنطق والفلك والرياضة، ويسهم الطلاب في المناقشات والمناظرات، ويعيد معهم دروسهم مساعدون أي معيدون من طلبة الصفوف المتقدمة أو من الخريجين.

وتبدو هذه المدارس كخلايا النحل الدائبة النشاط، تخرج للجميع شهدًا حلوًا فيه شفاء للناس، وقادة للعلم والسياسة، ويتضح من هذا النص أن دور- المعيد - مثلما هو في عصرنا - أن يعيد على الطلبة ما ألقاه المدرس إليهم ليفهموه ويحسنوه.

أما الطريق الذي يسلكه الراغب في تعلم فرع معين من العلوم، والذي يرغب الطالب أن يقوم بتدريسه يومًا من الأيام أو العمل في مجاله بعد إجازته، فكان يبدأ في المساجد، فلم تكن المساجد مجرد أماكن لأداء الصلوات فحسب، بل كانت جامعات للعلوم والمعارف، وحول أعمدة هذا النوع من التعليم العالي كان يجلس الأستاذ ويلتف حوله طلابه ومريدوه في شكل حلقة أبوابها مفتوحة لمن يشاء، رجلًا كان أم امرأة، ولكل الحق في سؤال الأستاذ أو معارضته.

وكان هذا النظام أفضل دافع للأساتذة والطلاب على حد سواء، لكي يحرصوا على إتقان الدرس والتعمق فيه، كما كان يحمي تلك المجالس من أن يتسرب إلى التدريس فيها مدعو العلم ومن لم تكتمل ثقافتهم.

الجامعات والمساجد كمراكز تعليمية

وكانت حلقات العلم في الجامع الأزهر على سبيل المثال تتعدد حتى تزيد على الأربعين حلقة.

وحول أعمدة المساجد أتيحت للطلاب دائمًا فرصة التعليم والاستماع إلى الأساتذة الزائرين من كل أنحاء العالم الإسلامي المترامي الأطراف، كما كان المتعلمون يحرصون خلال رحلات الحج على زيارة مراكز الثقافة الإسلامية الواقعة على مقربة من طريقهم إلى مكة المكرمة، فيستمعون لكبار الأساتذة في القاهرة أو دمشق أو بغداد أو القيروان، ويفرز هذا التلاقح الثقافي على أيدي هؤلاء المعلمين والمتعلمين افكارًا علمية تنتشر في كل البقاع.

وهنا تلفت (هونكة) الانتباه إلى جانب أخلاقي بالغ الأهمية، تظهر من خلاله قيمة الأمانة العلمية في نقل مثل تلك الأفكار ونسبتها إلى أصحابها، فلم يكن المسلم يحرك فمه بأفكار سرقها عن غيره، وكان مألوفًا مثلًا أن نسمع من أستاذ علامة قوله:

أخبرني يحيى بن عيسى أنه سمع من أبي بكر البغدادي كيف شرح سعيد بن ياقوت في إحدى محاضراته أن ...." ولم يكن لأحد أن يأخذ آراء أستاذه التي ألقاها شفويًا في إحدى محاضراته ليدرسها لتلاميذه دون أن يستأذن أستاذه صاحب الرأي نفسه.

ولذلك كان حفظ حق المؤلف- بلغة العصر- مرعيًا مقدسًا، ورثته الجامعات الغربية عن المدارس العليا والجوامع الإسلامية.

ومن المدارس العليا الشهيرة في العالم الإسلامي، بالإضافة إلى المساجد الجامعة، المدرسة الرشيدية، والأمينية، والطرخانية، والشريفية في سوريا، والناصرية، والصلاحية في مصر، ولم تخل مدينة مهمة من مدرسة نظامية أو أكثر، كالإسكندرية، ونيسابور، وسمرقند، وأصفهان، ومرو، وبلخ، وحلب، وغزنة، ولاهور، وغيرها، كما ظهرت في أسبانيا معاهد كثيرة للدراسات العالية، ومن أشهر الجامعات الأسبانية جامعات قرطبة، وأشبيليه، ومالقة، وغرناطة، وإلى جامعات أسبانيا هذه كان يفد الطلاب الأوربيون للتعليم والدراسة.

مكانة المرأة في التعليم الإسلامي

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى الاهتمام بتعليم النساء المسلمات، وإذ وجدنا أول نداء لتعليمهن من قبل المبعوث معلمًا – صلى الله عليه وسلم- حيث اعتبرت زوجته عائشة - رضي الله عنها - حجة في الدين الإسلامي، وقد وجدنا نساء شاعرات وأديبات وقابلات، كما كان النساء يحضرن مجالس الوعاظ وتكون بينهن وبين الرجال ستارة.

الجانب الأخلاقي في التعليم

واهتم علماء المسلمين بالتربية والتعليم في مختلف مراحل العمر، وخصصوا كتبًا، لذلك فألف حجة الإسلام الغزالي -على سبيل المثال- كتاب إحياء علوم الدين الذي بين فيه أن عملية التربية تتعاون فيها طبيعة المتعلم وبيئته، وأن دراسة المعلم لنفسية تلاميذه بقصد إيجاد الصلة الروحية بين المعلم وتلميذه دون أن يرفع الكلفة حتى لا يفسد خلقه، وأن يبتعد به عن التدليل، ويعوده الخشونة حتى لا يغلب عليه الكسل.

وينبغي أن يعود الأخلاق الكريمة، فيقوم لمن فوقه، ويعود ألا يبصق في مجلسه ولا يتمخط ولا يتثاءب، ويربأ الغزالي بالمعلم المسلم أن يطلب الأجر لقاء التعليم - على غرار ما يعرف اليوم بالدروس الخصوصية - فإن من يقبل من المعلمين المال لا يجد الاحترام الكافي، ويشير إلى ذلك بقوله: إن من طلب بالعلم المال، كمن مسح أسفل مداسه بوجهه لينظفه، فجعل المخدوم خادمًا والخادم مخدومًا، فكان المعلم يحصل غالبًا على المال عن طريق الهبات؛ كما نظم أجر المدرس في عهد الأيوبيين والمماليك، وبلغ في أيام صلاح الدين أربعين دينارًا للمدرس وعشرين دينارًا للمعيد، وكل يوم له ستين رطلًا من العيش، هذا غير كعك ولحم في عيدي الفطر والأضحى.

المدارس الطبية والنموذج العلمي التطبيقي

وربما نجد في المستشفيات الإسلامية خير نموذج لتدريس العلوم التخصصية، فقد كانت بمثابة مدارس عالية للطب، وكان الطلاب يتلقون فيها كل ما قاله أبقراط، وجالينوس، وما جاء به أساتذتهم المسلمون أنفسهم الذين اتبعوا في تدريس الطب طريقة عملية تفرض على الطلاب أن يحتكوا بالمرضى ليقابلوا بين ما تعلموه نظريًّا وما يشاهدونه عمليًّا.

وكان المبدأ الأساسي المعمول به في امتحانات التخصص هو الاهتمام بحقل معلوم لدرجة الإتقان، ويدل على ذلك صيغة الشهادة التي حصل عليها أحد الأطباء المختص بالجراحة الصغيرة. بسم الله الرحمن الرحيم... بإذن الباري العظيم نسمح له بممارسة فن الجراحة لما يعلمه حق العلم ويتقنه حق الإتقان حتى يبقى ناجحًا وموفقًا في عمله.

وبناء على ذلك، فإن بإمكانه معالجة الجروحات حتى تشفي، وبفتح الشرايين، واستئصال البواسير، وقلع الأسنان، وتخييط الجروح وتطهير الأطفال.. وعليه - أيضًا - أن يتشاور دومًا مع رؤسائه ويأخذ النصح من معلميه الموثوق بهم وبخبرتهم.

هذه هي بعض المؤسسات العلمية التي قامت عليها الحضارة العربية الإسلامية، وكانت سببًا في رقي العلوم وانتشارها.

الخلاصة

أسهمت المؤسسات التعليمية الإسلامية في نشر العلوم والمعرفة، ووفرت بيئة متكاملة تجمع بين التربية الدينية والتخصصية والرعاية الاجتماعية. تميزت هذه المدارس بالاهتمام بالجوانب الأخلاقية ومكانة المرأة، وبرزت المساجد كمراكز تعليمية رائدة. لقد أرست هذه المنظومة دعائم حضارة علمية أثرت في العالم بأسره.

موضوعات ذات صلة

تمثل الرياضيات ركيزة أساسية في بناء الحضارات وتقدم العلوم.

 هي سجلات لحفظ البيانات وقد أعد في أول الأمر للجنود وتطور إلى أقصى درجة.

تميّز العرب بابتكاراتهم في أنظمة الحساب، مثل حساب الجمّل واليد والهندي.

موضوعات مختارة