وهكذا ربما
كانت المرآة وسيلة إلى الإسعاد أو اليأس؛ فقد
ينظر إنسان نفسه فيها فيسره شكله
فيفرح، وقد ينظر فيها آخر فيسوؤه منظره
فيحزن، وربما ارتبطت لذلك في الأذهان
بالحظ والفأل، فاتخذت كتميمة تجلب الحظ
والسعادة، ولدفع الشر وتفادي الأخطار،
وربما بولغ في ذلك فاتُّخذت كأداة للسحر
والشعوذة.
ولذلك كان
الصناع الإسلاميون يتحرون صنع المرايا
أحيانًا في طالع سعد حتى تجلب لصاحبها
الخير. وتصرف عنه السوء والشر.
وقد جاء في
كتابة أثرية على مرآة من البرونز محفوظة بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة "سجل رقم
١٥٣٣٥" ما نصه: "بسم
الله الرحمن الرحيم، عُملت هذه المرآة المباركة
في طالع سعيد مبارك، وهي إن شاء الله تنفع
للموفة وللمنطقة، وسائر الأوجاع
والآلام تجبر بإذن الله تعالى، وذلك في شهور سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا. عمل في مرور الشمس ببرج الحمل سبع معادن".
كما وجدت آيات
قرآنية وكتابات تتعلق بالسحر
والشعوذة على مرآة من البرونز بالمتحف نفسه "سجل
رقم ١٥٣٤٢" جاء فيها ما نصه: "هذه الأسماء منقوشة في طالع سعيد في سنة خمس وسبعين وستمائة "وبالإضافة إلى
الكتابات المتعلقة بالسحر اشتملت بعض
المرايا على أدعية، من ذلك ما نجده من كتابة
على مرآة من البرونز بالمتحف نفسه "سجل
رقم ١٥٣٣٩نصها: "العز
والبقا والدولة والرفعة والسنا والغبطة
والعلا والملك والتقا والقدرة والولا لصاحبه أبدا". وأخرى على مرآة المتحف نفسه "سجل رقم ١٥٣٤٩" نصها: "العز الدائم والعمر السالم والإقبال الشامل والسعد الناصر والجد الصاعد والدهر المساعد والأمر النافذ والبقاء أبدا". وكتابة ثالثة على مرآة بالمتحف أيضا "سجل رقم ١٥٣٤٥ نصها: "العز
والإقبال والدولة".
وليست
الكتابات على المرايا الإسلامية وحدها هي التي
تشير إلى اتخاذها كتميمة بل إن كثيرًا
من رسومها وزخارفها كانت ذات صلة بهذه
المعتقدات، وذلك مثل رسوم الحيوانات ذات
الأجنحة والرءوس الآدمية التي كانت
تمثل حراسًا إلهية عند العراقيين القدماء.
ورسوم البروج الفلكية ومناظر البهجة
والسرور، والتوفيق في الصيد، وحياة البلاط.
والحق أن اتخاذ
المرآة كتميمة أو كأداة للسحر
والشعوذة قد عرف عند بعض الشعوب
القديمة وبخاصة عند الصينيين. وكانت المرايا
منذ العصور القديمة تصنع من معدن مصقول
لامع وشاع استخدام هذا النوع من
المرايا عند الصينيين القدماء حيث كان سطحها
المصقول في بعض الأحيان مقعرًا حتى
يعكس صورة أكبر من مساحته، وذلك على عكس
المرايا الإسلامية التي كانت مستوية السطح. غير أن المرايا الصينية تشبه المرايا الإسلامية من حيث إن زخارفها كانت مصبوبة من معدن المرآة نفسه، وذلك على عكس المرايا اليونانية والرومانية التي كانت زخارفها مضافة.
ومما يسترعي
الانتباه أن المرايا المعدنية الإسلامية
تأثرت تأثرًا كبيرًا بالمرايا المعدنية الصينية من حيث المادة والصناعة وأسلوب الزخرفة. بل إن هذا النوع من المرايا قد شاع استعماله في الإسلام عند الشعوب التي تأثرت
بالحضارة الصينية مثل السلاجقة والفرس، ولذلك
تنتسب معظم المرايا المعدنية الإسلامية إلى
السلاجقة وخلفائهم من الأتابكة في
بلاد العراق وإيران.
وليس من شك في أن استعمال المرايا المدنية في
الإسلام يرجع إلى عصر مبكر، وأقدم المرايا الإسلامية المؤرخة التي وصلتنا ترجع إلى سنة ٥٤٨هـ " ٥٣ ١١م" غير أنه
قد وصلنا بعض مرايا يمكن
أن ننسبها إلى ما قبل ذلك.