Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

علم المراعي

الكاتب

أ.د/ أحمد فؤاد باشا

علم المراعي

المراعي عبارة عن مكان بها نباتات تنمو طبيعيًا في منطقة معينة ولا تستخدم لأغراض أخرى غير الرعي.

نشأة علم المراعي

"يسودُ الآن اعتقادٌ خاطئٌ بأنَّ علمَ المَرَاعِي من العلومِ الحديثة، ويعودُ المؤرخون بنشأته الأولى إلى أوائلِ القرنِ العشرين، حيث أُنشئت أولُ محطةٍ لأبحاثِ المَرَاعِي في سانتا رينا Santa Rica بالولايات المتحدة نحو عام ١٩٠٣م، في ولاية أريزونا، ويَنسبون الفضلَ في تأسيسِ هذا العلم إلى الأمريكي آرثر سامبسون A. W. Sampson، الذي صنّف كتابًا عام ١٩٢٣م عن إدارة المَرَاعِي الطبيعية Range & Pasture Management، ثم أعاد كتابته من جديد في عام ١٩٥٢م تحت عنوان (إدارة المراعي أسس وتطبيقات).

وفي عام ١٩٤٧م تم تأسيس أول جمعية لإدارة المراعي الطبيعية في الولايات المتحدة الأمريكية، وظهرت أول مجلة لإدارة المراعي Journal of Range Management وتوالى بعد ذلك ظهور الكثير من الأبحاث والنشرات والكتب العلمية التي تبحث في المجالات المتعددة لعلم المراعي الطبيعية وإدارتها، وزاد التوجه العالمي نحو الاهتمام بدراسة المناطق الرعوية وإدارتها وتطويرها بعد تشكيل الهيئة الاستشارية الخاصة بأبحاث المناطق الجافة التابعة لمنظمة اليونسكو.

لكن الباحث المدقق في تراث الحضارة الإسلامية لا يجد صعوبة في تصحيح هذا الاعتقاد الخاطئ بأن علم المراعي حديث النشأة؛ وذلك بإظهار حقيقة علمية تاريخية مؤداها أن أبا حنيفة الدينوري المتوفى عام ٢٨٢هـ/٨٩٥م قد سبق الأمريكي "سامبسون" بكتاباته العلمية الموثقة عن الرعي والمراعي بما يزيد على ألف عام، فقد أفرد الدينوري في كتابه المعروف عن "النبات" بابًا بعنوان "الرعي والمراعي" قال في آخره، ملخصًا لما ورد فيه: "قد أتيت بما حضرني ذكره في وصف الرعي والمراعي وما يعرف لها من الآفات وحال السائمة فيها وما يعتريها من الأمراض على ما استحسنت وضعه في هذا الكتاب"

وقد عرف الدينوري المرعى بقوله: "إن المرعى كله خلة وحمض، فالحمض ما كانت فيه ملوحة، والخلة ما لا ملوحة فيه، حلوًا كان أو مرًا، والعرب تسمي الأرض إذا لم يكن بها حمض خلة وإن لم يكن بها من النبات شيء".

وبذلك يكون المرعى عبارة عن مجموع النباتات التي تنمو طبيعية في منطقة معينة ولا تستخدم لأغراض أخرى غير الرعي، وصنف الدينوري نباتات المراعي، وأوضح بعض المصطلحات الرعوية البيئية الهامة مثل "السهب"، أي الأرض الواسعة البعيدة التي لا نبات فيها، و"الصمان"، أي الصحراء الحجرية الكثيفة ذات القيعان، و"الحزن"، أي الأرض البعيدة عن المياه ولا ترعاها الشاة ولا الحمر، فليس فيها دمن ولا روث، كذلك أوضح الدينوري معرفة العرب لأنواع المراعي المختلفة وتحديد درجة جودتها، وتأثير ذلك على الحيوانات الرعوية، وتطوير مصطلحات خاصة بالعلاقة بين جودة المرعى وقربه من مصادر الماء أو بعده عنها.

التفاعل بين النباتات والحيوانات

ولم يفت الدينوري أن يدون في كتابه "النبات" ما يعكس إدراك الرعاة الواعي لقيمة النباتات الرعوية الغذائية واستجابة الحيوانات لها، فذكر ما قاله الأصمعي من أن الخلة هي خبز الإبل والحمض أدمها، وأطيب الإبل ما أكل السعدان، وروي عن أبي النصر قوله: "إذا أكلت الإبل الخلة صلب لحمها واشتد طرفها، وإذا أكلت الحمض اندلعت بطونها وكثرت أوبارها..."، وقالوا عن السعدان إنه ناجع في المال، يطيب لحومه ويعظم ألبانه ويخصرها، وبه ضرب المثل فقيل: مرعى ولا كالسعدان، ولفت الدينوري الأنظار إلى أهمية مواسم الرعي وخصائص الدورات الرعوية، فقال: "إذا كان الربيع أحلت الغنم، وإحلالها أن تنزل ألبانها من غير ولاد بعد أن كانت انقطعت ويبست"، وبين كيف كان الرعاة يلجأون إلى الانتقال من مكان لآخر طلبًا للكلأ في الفصول المختلفة من العام.

السنة النبوية سابقة في إدارة المراعي

أما عن إدارة المراعي وإنشاء محميات بيئية كوسيلة من وسائل تطوير المناطق الرعوية، فتذكر المراجع أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أول من أصدر تشريعًا لحماية البيئة حين أمر بحماية البقيع وعضاة المدينة، كما منع الصيد عبر الحمى، وحدد مناطق محمية أخرى منع الرعي فيها وحملت بحمولات حيوانية معتدلة من خيول الجهاد أو أنعام الزكاة، جاعلًا الحمى بصفة عامة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 إن مثل هذه الأفكار لا ينبغي إغفالها عند التأصيل لعلم الرعي والمراعي لما لها من قيمة علمية وتطبيقية كبيرة.


مراجع للاستزادة:

- د. أحمد فؤاد باشا: إسهامات العلوم الإسلامية في التراث الإسلامي، دراسات تأصيلية.

- د. أحمد فؤاد باشا: التراث العلمي للحضارة الإسلامية ومكانته في تاريخ العلم والحضارة.

الخلاصة

الاعتقاد الشائع بأن علم المراعي علمٌ حديثٌ نشأ في الغرب مع بداية القرن العشرين، هو اعتقاد قاصر لا يستند إلى استقراءٍ علميٍّ دقيق؛ فقد سبق التراثُ الإسلامي، ممثلًا في أعمال العلماء الكبار كأبي حنيفة الدينوري، هذا التصور بعدة قرون، حيث قدّم أسسًا رصينةً ومصطلحاتٍ دقيقة في تصنيف المراعي والنباتات الرعوية، وعلاقتها بالحيوانات ومواسم الرعي، وما يُعرف اليوم بالدورات الرعوية، كما أنّ السنة النبوية الشريفة وضعت مبادئ رائدة في إدارة الموارد البيئية والمراعي، من خلال الحمى وتنظيم الرعي، بما يعكس فقهًا بيئيًا متقدّمًا سبق مفاهيم الإدارة المستدامة بكثير.

موضوعات ذات صلة

لم تكن الزراعة في الحضارة الإسلامية مجرد حرفة لكسب العيش.

يُعد علم التربة من ركائز البناء الحضاري لصلته المباشرة بالزراعة والعمران.

الحضارة الإسلامية تمثل نموذجًا متجددًا يمكن الاستفادة منه في الحاضر والمستقبل.

موضوعات مختارة