Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التــربــة

الكاتب

أ. د. أحمد فؤاد باشا

التــربــة

يُعد علم التربة من ركائز البناء الحضاري لصلته المباشرة بالزراعة والعمران، وقد أثبت تراث المسلمين في الفلاحة والبيئة اهتمامًا مبكرًا بدراسة خواص التربة وأثرها في نمو الزرع. وقدّم العلماء المسلمون تصنيفات دقيقة للتربة من خلال التجريب والملاحظة المباشرة، مما شكّل نواة لعلم الأراضي الحديث.

مفهوم علم التربة

هناك من يؤرخ لنشأة علم التربة وطبيعة الأراضي (أو البيدولوجيا Pedolgy) بكتاب "تشيورْنوزْيُوم"، (أو الأرض السوداء) الذي نشره العالم الروسي "دوكوتشايف" عام ١٨٨٣م، وأوضح فيه مفهوم التربة وأهمية العوامل المناخية في تكوينها.

لكن القراءة المتأنية في تراث الحضارة الإسلامية تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك سبق علماء المسلمين إلى وضع أصول علم ألتربة وطبيعة الأراضي على أساس علمي تجريبي، وفق ما كانوا يملكون من معطيات وأدوات، بل إن الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي وضعها علماء الحضارة الإسلامية فيما يتعلق بالتربة واستخدامها لايزال يستخدم اليوم في علم الأراضي الحديث.

الفرق بين التربة السطحية والتحتية

ولتجلية هذه الحقيقة المهمة نشير إلى كتاب "جامع فرائد الملاحة في جوامع فوائد الفلاحة" لرضي الدين بن محمد الغزي (ت ٩٣٥هـ) الذي تحدت بإسهاب عن نظرية تكوين التربة، ووصف بوضوح تام الفروق المميزة بين ما يعرف اليوم باسم "التربة السطحية" و"التربة التحتية" حيث تعتبر الطبقة السطحية من التربة غنية بالمخزون العضوي والمعدني، ويكون النشاط الحيوي فيها عاليًا، بينما تعتبر الطبقة التحتية ذات خصوبة أقل، وعادة ما يكون النشاط الحيوي فيها محدودا؛ لذلك أكد الغزي عند إنشاء بساتين الفاكهة على أن يؤخذ التراب السطحي للحفرة ويوضع جانبا، ثم يؤخذ التراب السفلي ويوضع في الجانب الآخر، والغرض من هذه العملية دفن الجذور بالتراب السطحي أولا، لاحتوائه على نسبة اكبر من المواد الغذائية، ثم تكملة ردم الحفرة بالتراب السفلي.

يقول الغزي: تقلب الأرض إذا أريد إنشاء الغراس فيها، وهو أن يؤخذ من ترابها ما كان على وجه الأرض، وقد أثر فيه كل من الشمس والهواء برهة من الزمان فيجعل أسفل الأرض المحفورة ليظهر أثره الجميل بما اكتسبه من الشمس والهواء، ويكون مجاورًا ومخالفًا لأصول الأشجار المغروسة، وعروقها فيربي حملها وينميها بحرارته ورطوبته فينجب بسرعة.

ويشير عالم التربة الإسلامي إلى ضرورة إزالة الطبقة السطحية من التربة في أعمال التسوية عند استصلاح الأراضي، لكي تظهر التربة التحتية التي تكون ضعيفة الإنتاج. فيقول: ما يخرج من أعماق الأرض كالآبار والمطامير لا ينبت أول عام حتى تطبخه الشمس وتلطف أجزاءه، ويكسب من حرارتها؛ لأن الأرض في طبيعتها باردة يابسة، ولولا تسخينها بالشمس، وترطيبها بالمطر لما نبت فيها نبت البتة.

تجارب المسلمين في دراسة خواص التربة

كذلك عرف علماء المسلمين مفهوم التربة المنقولة على نحو ما يعرف اليوم عندما يحدث انجراف للطبقة السطحية من التربة بفعل الأمطار الشديدة في الأرض غير المغطاة بالغابات أو المراعي، فتزيد الطبقة المنجرفة من خصوبة الأماكن التي تترسب عليها وتضر بالتربة التي انجرفت، منها، ويعبر الغزي عن ذلك بقوله: إن أرض الجبل أبرد من السهل وأيبس، وصفحات الجبال ليست بجيدة. لأن الأمطار تجرد ما أحرته الشمس فتهزل... والأرض الغائرة التي تسترها الجروف ونحوها باردة جدا رطبة كثيرًا.

وأمام هذا التقسيم الطبقي لمقاطع التربة من واقع الخبرة والممارسة لم يجزم علماء الحضارة الإسلامية بأفضلية الطبقة السطحية على الطبقة التحتية في جميع الأحوال. وتركوا الحكم في نهاية الأمر للتجربة العملية بحسب ظروف كل منطقة من الأرض، وفي مقدمة هؤلاء العلماء يأتي محمد بن إبراهيم بن بصال الطليطلي الذي جعل من الفلاحة علما متميزا، حيث يقول في كتاب "لفلاحة": ليس كل أرض يطلق عليها جيدة ولا رديئة حتى يعلم ظاهرها وباطنها؛ لأنه ربما كان وجه الأرض جيدا وأسفلها بخلاف ذلك. أو يكون وجهها رديًّا وأسفلها بخلاف ذلك. وهذا كله يعرف بالاختبار والامتحان ودوام الحركة بالعمل فيها.

ولعل في تلك النصوص التراثية التي ذكرناها ما يشير أيضا إلى دور السمات السطحية للمكان أو (الطبوغرافيا) في عملية تكوين التربة وما يتضمنه ذلك من تأثير عوامل انحدار الأرض واستوائها واتساعها وارتفاعها أو انخفاضها عن سطح البحر.

وأسفر اهتمام علماء الحضارة الإسلامية بالأرض وإعمارها عن حصيلة ممتازة من المعارف المتعلقة بفيزياء التربة واستخدامها في تصنيف أنواع الأراضي.

مثال ذلك: ما توصل إليه هؤلاء العلماء من ربط حالة ألتربة وخصوبتها بمجموعة من العوامل الفيزيائية تشمل الحرارة والرطوبة والكثافة الظاهرية، وهو ما نستدل عليه ممن قول الغزي: "اعلم أن الأرض الطيبة هي الحارة الرطبة، وسواد الأرض دليل على الحرارة...، والأرض الشديدة السواد تحمل الأمطار أكثر من غيرها، ثم الأرض البنفسجية اللون وتسمى الهندية. وهي طيبة جدا إذا كانت منتفشة فإنه يجود بها الشجر كثيرا، وبعدها الأرض الحمراء. ثم الأرض الصفراء: والأرض البيضاء أبردها". ويؤكد الغزي على حاجة الأرض إلى خواص فيزيائية جيدة بقوله: والحاجة إلى رطوبة الأرض ودسمها وانتفاشها أكثر من الحاجة إلى حرها.

ويعبر عن الطريقة التي تستخدم لمعرفة الكثافة الظاهرية للتربة باعتبارها مقياسًا للانتفاش، أو المسامية فيقول: تمتحن الأرض بالميزان بأن يملأ إناء من تراب غير ندي ويوزن، ثم يملأ أيضًا من تراب آخر ويوزن. وبهذا نجده قد ربط بين حجم التربة ومساميتها، فكلما قلمت الكثافة الظاهرية؛ وهي كتلة وحدة الحجوم للأرض الجافة.

كانت التربة مفككة، وتحتوي على فراغات كثيرة تساعد على التهوية الجيدة وتوفر الوسط الأمثل لإنبات البذور وتغلغل الجذور.

كما تعرف الغزي على الأرض من حيث جودتها من خلال الوقوف على مدى تلاحم وارتباط جزئيات التربة، ومدى تخلخلها وانتفاشها، وفي هذا يقول: من أراد أن يعرف الأرض الذكية والوسط والرديئة حفر منها قدر ما بدا له. ثم يعيد في تلك الحفرة طينها الذي خرج منها، فإذا زاد طينها عن حشو تلك الحفرة فتلك الأرض جيدة طيبة، وإن كان ما يعاد من طينها إلى حفرتها كفافا يستوي في الأرض فهي أرض وسط، وإن نقص عن حشوها فهي أرض ردينة. وتتأكد سلامة المنهج العلمي التجريبي الذي اتبعه علماء التربة في عصر الحضارة الإسلامية من الدراسة المقارنة التي ذكرها ابن العوام الإشبيلي في كتاب "الفِلاحة" لمعرفة نوع الأرض، حيث قام بحفر ثلاث حفر بعمق نصف ذراع، وجمع التراب في آنية من الخزف بعناية شديدة ثم أخذ من أرض متخلخلة غير ملتزة ووضع في الحفائر، فإن بقي شيء كانت ملتزة.

الخلاصة

أسهم علماء المسلمين في تأسيس علم التربة من خلال دراسات تجريبية لطبقات الأرض وصفاتها الفيزيائية، كالحرارة والكثافة والمسامية، وقدموا طرائق عملية لاختبار جودة التربة واستصلاحها وفق قواعد دقيقة. وقد سبقوا بذلك التصورات الغربية الحديثة، مؤسسين لعلم زراعي تجريبي متكامل يخدم حضارة الأرض وبناء العمران.

موضوعات ذات صلة

علم الجيومورفولوجيا هو يدرس أشكال سطح الأرض وتطورها بفعل عوامل التعرية، والإرساب، والحركات الأرضية.

شكَّل علم الجغرافيا أحد أبرز فروع المعرفة التي ازدهرت في الحضارة الإسلامية، حيث ارتبط بالرحلات والخرائط ودراسة أحوال البلاد والعباد.

يُعدّ علم الجيولوجيا من أقدم العلوم التي اهتم بها الإنسان لفهم تركيب الأرض وتاريخها وظواهرها الطبيعية. 

موضوعات مختارة