كذلك عرف علماء المسلمين مفهوم التربة المنقولة
على نحو ما يعرف اليوم عندما يحدث انجراف للطبقة السطحية من التربة بفعل الأمطار
الشديدة في الأرض غير المغطاة بالغابات أو المراعي، فتزيد الطبقة المنجرفة من
خصوبة الأماكن التي تترسب عليها وتضر بالتربة التي انجرفت، منها، ويعبر الغزي عن
ذلك بقوله: إن أرض الجبل أبرد من السهل وأيبس، وصفحات الجبال ليست بجيدة. لأن
الأمطار تجرد ما أحرته الشمس فتهزل... والأرض الغائرة التي تسترها الجروف ونحوها
باردة جدا رطبة كثيرًا.
وأمام هذا التقسيم الطبقي لمقاطع التربة من واقع
الخبرة والممارسة لم يجزم علماء الحضارة الإسلامية بأفضلية الطبقة السطحية على
الطبقة التحتية في جميع الأحوال. وتركوا الحكم في نهاية الأمر للتجربة العملية
بحسب ظروف كل منطقة من الأرض، وفي مقدمة هؤلاء العلماء يأتي محمد بن إبراهيم بن
بصال الطليطلي الذي جعل من الفلاحة علما متميزا، حيث يقول في كتاب "لفلاحة":
ليس كل أرض يطلق عليها جيدة ولا رديئة حتى يعلم ظاهرها وباطنها؛ لأنه ربما كان وجه
الأرض جيدا وأسفلها بخلاف ذلك. أو يكون وجهها رديًّا وأسفلها بخلاف ذلك. وهذا كله
يعرف بالاختبار والامتحان ودوام الحركة بالعمل فيها.
ولعل في تلك النصوص التراثية التي ذكرناها ما يشير
أيضا إلى دور السمات السطحية للمكان أو (الطبوغرافيا) في عملية تكوين التربة وما
يتضمنه ذلك من تأثير عوامل انحدار الأرض واستوائها واتساعها وارتفاعها أو انخفاضها
عن سطح البحر.
وأسفر اهتمام علماء الحضارة الإسلامية بالأرض
وإعمارها عن حصيلة ممتازة من المعارف المتعلقة بفيزياء التربة واستخدامها في تصنيف
أنواع الأراضي.
مثال ذلك: ما توصل إليه هؤلاء العلماء من ربط حالة
ألتربة وخصوبتها بمجموعة من العوامل الفيزيائية تشمل الحرارة والرطوبة والكثافة
الظاهرية، وهو ما نستدل عليه ممن قول الغزي: "اعلم أن الأرض الطيبة هي الحارة
الرطبة، وسواد الأرض دليل على الحرارة...، والأرض الشديدة السواد تحمل الأمطار
أكثر من غيرها، ثم الأرض البنفسجية اللون وتسمى الهندية. وهي طيبة جدا إذا كانت
منتفشة فإنه يجود بها الشجر كثيرا، وبعدها الأرض الحمراء. ثم الأرض الصفراء:
والأرض البيضاء أبردها". ويؤكد الغزي على حاجة الأرض إلى خواص فيزيائية جيدة
بقوله: والحاجة إلى رطوبة الأرض ودسمها وانتفاشها أكثر من الحاجة إلى حرها.
ويعبر عن الطريقة التي تستخدم لمعرفة الكثافة
الظاهرية للتربة باعتبارها مقياسًا للانتفاش، أو المسامية فيقول: تمتحن الأرض
بالميزان بأن يملأ إناء من تراب غير ندي ويوزن، ثم يملأ أيضًا من تراب آخر ويوزن.
وبهذا نجده قد ربط بين حجم التربة ومساميتها، فكلما قلمت الكثافة الظاهرية؛ وهي
كتلة وحدة الحجوم للأرض الجافة.
كانت التربة مفككة، وتحتوي على فراغات كثيرة
تساعد على التهوية الجيدة وتوفر الوسط الأمثل لإنبات البذور وتغلغل الجذور.
كما تعرف الغزي على الأرض من حيث جودتها من خلال الوقوف على مدى تلاحم
وارتباط جزئيات التربة، ومدى تخلخلها وانتفاشها، وفي هذا يقول: من أراد أن يعرف
الأرض الذكية والوسط والرديئة حفر منها قدر ما بدا له. ثم يعيد في تلك الحفرة
طينها الذي خرج منها، فإذا زاد طينها عن حشو تلك الحفرة فتلك الأرض جيدة طيبة، وإن
كان ما يعاد من طينها إلى حفرتها كفافا يستوي في الأرض فهي أرض وسط، وإن نقص عن
حشوها فهي أرض ردينة. وتتأكد سلامة المنهج العلمي التجريبي الذي اتبعه علماء
التربة في عصر الحضارة الإسلامية من الدراسة المقارنة التي ذكرها ابن العوام
الإشبيلي في كتاب "الفِلاحة" لمعرفة نوع الأرض، حيث قام بحفر ثلاث حفر
بعمق نصف ذراع، وجمع التراب في آنية من الخزف بعناية شديدة ثم أخذ من أرض متخلخلة
غير ملتزة ووضع في الحفائر، فإن بقي شيء كانت ملتزة.