Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الملاحة البحرية

الكاتب

أ. د. أحمد فؤاد باشا

الملاحة البحرية

علم الملاحة البحرية له جذور تاريخية عميقة، وقد أسهم المسلمون بشكل كبير في تطويره، واهتموا ببناء السفن وتنوعت أشكالها وأحجامها بحسب الغرض منها، سواء كانت سفن حربية أو تجارية، كما طوروا معدات الملاحة مثل البوصلة والإسطرلاب والخرائط البحرية.

مفهوم الملاحة البحرية

الملاحة البحرية تعني علوم البحار والمحيطات "الأقيانوجرافيا" "Oceanography" بدراسة البحار والمحيطات من حيث هي بيئة متكاملة لها جوانبها الطبيعية والكيميائية والجيولوجية والحيوية وغيرها، ويعتقد بعض المؤرخين الغربيين أن علم البحار والمحيطات من العلوم الحديثة التي لا جذور لها في تاريخ الحضارات السابقة، فيزعم الإيطاليون أن المؤسس الحقيقي لعلم البحار هو مواطنهم " لويجي فرناندو مرسيلي " Luigi Fernando Marsigli"" "١٦٥٨ - ١٧٣٠م" الذي ألف فيه رسالة بعنوان "التاريخ الطبيعي للبحر "، ويؤكد البريطانيون أن السير "جون مواري"  SirJon Mourray" هو صاحب الفضل الأول في استحداث هذا البحث الهام عندما أشرف على رحلة سفينة الأبحاث البريطانية "المتحدية" تشالنجر "Challenger" التي استغرقت ثلاث سنوات ونصف سنة بين شهري ديسمبر ١٨٧٢ ومايو ١٨٧٦م، وقام بدراسة شاملة لمحيطات الكرة الأرضية.

أما الأمريكيون فيزعمون أن ضابط البحرية الأمريكية "ماثيوس فونيتن موري" "Mathews Fontaine Maury "١٨٠٦-١٨٧٣م" هو الأحق بأن ينسب إليه هذا الفضل لأنه جمع معلومات كثيرة من "قباطنة" السفن بحكم عمله كمشرف على المرصد البحري في واشنطن، وكتب في ذلك مؤلفًا بعنوان "الجغرافيا الطبيعية للبحر" حقيقة الأمر، المنغمسة في هذه المغالطات التاريخية، هي أن علاقة الإنسان بالبحر قديمة قدم التاريخ الإنساني ذاته، وخاصة أن هده العلاقة قد توطدت وتطورت بمرور الزمن بعد أن وجد الإنسان في البحر مصدرًا من مصادر الرزق ووسيلة من وسائل النقل، فأنس له وتجرأ على ركوبه والسفر فيه.

اهتمام المسلمين بالبحر والملاحة

ويشهد تاريخ الملاحة البحرية على أن المسلمين اهتموا بالبحر والملاحة البحرية كثيرًا، وأكثروا من بناء السفن حتى ملأوا البحار بالجواري المنشآت، ووضعوا لها الأسماء بحسب اختلاف أشكالها، وتباين أجرامها وحجومها وتنوع أغراضها، فهناك السفن البحرية مثل: "الحراقة " المخصصة لرمي النار على الأعداء، و"الحمالة" التي تستخدم لنقل المؤن والزاد للأسطول المصري في العصر الفاطمي، و"الشيني" التي تستخدم لحمل الجنود، ويقام فيها أبراج وقلاع للدفاع والهجوم، و"العشاري" لنقل الجنود والعتاد، و"الغراب" وهي سفينة حربية سوداء، اللون، بسبب طلائها بالقار الأسود، مزودة بجسر من الخشب، يستخدمه المحاربون للنزول على سفن الأعداء، وهناك من السفن التجارية: "الجلبة "، و"الجهازى"، و"الزخارف".

 على انه مهما "عددت أنواع السفن وتنوعت حجومها فهي لا تخرج عن كون جزئها السابح في الماء يشبه الحوت في عومه، وفي ذلك يقول ابن خلدون: "وهي أجرام هندسية صنعت على قالب الحوت واعتبار سبحه في الماء بقوادمه وكلكله ليكون ذلك الشكل أعون لها في مصادمة الماء، وجعل لها عوض الحركة الحيوانية التي للسمك تحريك الرياح، وربما أعينت بحركة المقاذيف كما في الأساطيل".

 وتجهز السفن عادة بالمعدات المساعدة على الملاحة، كالبوصلة، والإسطرلاب، والخرائط، والصور، ودفاتر الإرشادات البحرية، والأسلحة اللازمة للدفاع أو الهجوم، ومن الطبيعي أن يكون تطور الملاحة البحرية مرتبطًا بتطور العلوم الأخرى كالفلك والأرصاد والجغرافيا والجيولوجيا وغيرها.

كما يكون مرتبطًا بتطور المعرفة وعلوم البحار وما يتعلق بدراسة طبيعة شواطئها وقيعانها، وصفات مياهها، وأنماط الحياة التي تزخر بها، والظواهر التي تنشط في قلبها وعلى سطحها مسببة الأمواج والتيارات البحرية وغيرها، ويمكن أن نلمس الكثير من مظاهر هذا التطور الذي أحرزه علماء المسلمين في كتب العجائب والجغرافيا وأدب الرحلات البحرية، فنجد المقدسي، على سبيل المثال، في القرن الرابع الهجري "العاشر الميلادي"، يقول في كتابه الذي "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" في معرض حديثه عن المحيط الهندي: "وأما أنا فسرت نحو ألفي فرسخ ودرت على الجزيرة كلها من القلزم "السويس حاليًا" إلى عبادان، سوى ما توهت بنا المراكب إلى جزائره ولججه، وصاحبت مشايخ فيه ولدوا ونشأوا من ربابين جمع " ربان" وأشاتمه جمع " اشتيام: وهو مسئول عن إدارة القتال في الحرب" ورياضيين ووكلاء وتجار، ورأيتهم من أبصر الناس به وبمراسيه وأرياحه وجزائره، فسألتهم عنه وعن أسبابه وحدوده ورأيت معهم دفاتر في ذلك يتدارسونها ويعولون عليها ويعملون بما فيها".

 والدفاتر التي ذكرها المقدسي في هذا النص ما هي إلا كتب الإرشادات الملاحية التي كانت تحتوي على الجداول الفلكية وخطوط عرض الموانئ، بالإضافة إلى كل ما يحتاج الربان "قائد السفينة والمسئول عن تسييرها" إلى معرفته من معلومات عن الرياح والسواحل والشعاب والجزر والنجوم وغيرها مما يساعد على الاهتداء في الملاحة، وعلى الاقتراب بالسفن من مراسيها.

الكتب التي ألفت في عالم الملاحة البحرية

ومن أقدم الكتب التي ألفها علماء الحضارة الإسلامية في علم الملاحة البحرية وفنونه، وماتزال مراجع عالمية لها قيمتها، ومنها: كتاب "المترجم بالمدخل الكبير إلى علوم البحار الذي ألفه أبو معشر، وكتاب الرهماني، الذي ألفه الثلاثة محمد بن شدان وسهل بن أبان وليث بن كهلان في العصر العباسي، وقد دون العرب بعض هذه الإرشادات الملاحية على شكل "أراجيز" تسهيلًا لحفظها.

على أن أهم ما يذكر في علم الملاحة البحرية وارتباطه بعلم البحار عند المسلمين هو كتاب الفوائد في أصول علم البحر والقواعد لشهاب الدين بن ماجد السعدي النجدي، وفيه يوضح المؤلف تاريخ علم البحر والملاحة البحرية حتى القرن الخامس عشر الميلادي، ويلقي الضوء على مدى تأثر البرتغال بعلوم المسلمين وبالتقاليد الملاحية التي أرسوها في الملاحة البحرية بشكل عام وفي المحيط الهندي بشكل خاص.

ويبين ابن ماجد بشيء من التفصيل العلوم والثقافات التي يجب أن يُلِمَ بها "ربان" السفينة، فيقول: إن لركوب البحر أسبابًا كثيرة فأهمها وأولها معرفة المنازل والأختان والمسافات والقياس والإشارات وحلول الشمس والقمر والرياح ومواسمها، ومواسم البحر وآلات المسفن، وما يحتاج إليه، وينبغي أن تعرف المطالع والاستوايات، وجلسة القياس ومطالع النجوم ومغاربها وطولها وبحرها وممرها، وينبغي أن نعرف الرياح والمد والجزر في كل طريقة، ويتفقد في أحضان السفينة وآلاتها ورجالها، ولا يشحنها غير العادة.. "

ويضيف ابن ماجد إلى كل ذلك ما يسميه "بعلم الإشارات" ويقصد به معالم السواحل والجزر وخصائص المياه وقدرًا من المعلومات التي تعين الربان على التعرف على السواحل المختلفة، مما يعكس المستوى المتقدم للملاحين البحريين.


مراجع الاستزادة:

- المقدسي أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ط ليدن ١٩٠٩م.

- دونالد هيل العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية ترجمة ا د احمد فؤاد باشا سلسلة عالم المعرفة "٣٠٥" الكويت ٢٠٠٤م.

- د احمد فؤاد باشا التراث العلمي للحضارة الإسلامية ومكانة في تاريخ العلم والحضارة القاهرة ١٩٨٣ م.

- د/ أنور عبد العليم الملاحة وعلوم البحار عند العرب عالم المعرفة الكويت ١٩٧٩م.

الخلاصة

لعبت الملاحة البحرية دورًا هامًا ومحوريًا في نهضة الحضارة الإسلامية، حيث أسهم المسلمون في الارتقاء بهذا المجال ودفعه نحو أفق جديد من التفوق، وكانت إسهاماتهم ملموسة خاصة في مجالات الملاحة الفلكية والجغرافية، مما أحدث نقلة نوعية على مستوى الملاحة العالمية، ويمثل تاريخ الملاحة البحرية الإسلامية نموذجًا يستحق الدراسة والإشادة لما له من أثر في تشكيل ونقل الحضارة البشرية، لذا من الضروري العمل على نشر المعرفة المرتبطة بالعلوم البحرية، بما يشمل مجالات الملاحة الفلكية والجغرافية، كي تظل الأجيال القادمة قادرة على الاستفادة من هذا الإرث الغني، كما يجب مواصلة دعم وتشجيع الأبحاث العلمية في هذا المجال لتطوير تقنياته ومواكبة التطورات المتسارعة عالميًا.

موضوعات ذات صلة

ساهمت الحضارة الإسلامية بشكل كبير في تطوير علم الهندسة من خلال ترجمة الأعمال الإغريقية والإضافة إليها.

يُعدّ العقل من أعظم نِعم الله على الإنسان، وبه يتميّز عن سائر المخلوقات. 

تعرفوا على ابن ملكا، العالم والطبيب الموسوعي "أوحد الزمان"، الذي سبق نيوتن في اكتشاف قوانين الحركة.

موضوعات مختارة