Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الميكانيكا

الكاتب

أ. د. أحمد فؤاد باشا

الميكانيكا

تناول علماء المسلمين الحركة بأنواعها الطبيعية والقسرية، وشرحوا عناصرها كالزمن، والمكان، والمحرك، وبرز ابن الهيثم في تحديد "كمية التحرك"، أي ما يقابل الزخم الحركي، وهو ما ارتكز عليه قانون نيوتن الثاني لاحقًا.

مفهوم الحركة وأنواعها وقوانينها

الحركة وأنواعها وقوانينها: حدَّد ابن سينا في كتابه "الشفاء" عناصر الحركة في: المتحرِّك: أي الجسم المتحرك، المحرِّك: القوة المسببة للحركة، ما فيه: موضع الجسم، ما منه: مكان بداية الحركة، ما إليه: مكان نهاية الحركة، الزمان: الفترة الزمنية التي استغرقتها الحركة.

ونجد تعريف الحركة الطبيعية والحركة القسرية في قول ابن سينا أيضًا: "وكل جسم متحرك، فحركته إما من سبب من خارج، وتُسمّى حركة قسرية، وإما من سبب من نفس الجسم؛ إذْ إن الجسم لا يتحرك بذاته، وذلك السبب إذا كان محرِّكًا على جهة واحدة، على سبيل التسخير، فيُسمّى طبيعة."

كما نجد تعريف الحركة الانتقالية والحركة الدورانية في كتاب "المعتبر في الحكمة" لابن ملكا البغدادي، وقد سماهما "الحركة المكانية" "والحركة الوضعية"، حيث يقول: "الحركة المكانية هي التي بها ينتقل المتحرّك من مكان إلى آخر، والحركة الوضعية هي التي تتبدّل بها أوضاع الحركة، ولا يخرج عن جملة مكانه، كالدولاب والرَّحى"، وربط ابن المرزبان في كتاب التحصيل بين الحركة والزمن، فقال:"كل سرعة في زمان؛ لأن كل سرعة هي قطع مسافة، أو ما يجري مجرى المسافة، وكل ذلك في زمان. فلو كانت حركة لا نهاية لها في السرعة، لكان زمان لا نهاية له في القِصر، فكانت الحركة لا في زمان."

وعرف ابن الهيثم مصطلح "كمية التحرك"، الذي يشير إلى كمية فيزيائية في المتحرك، تتوقف على سرعة حركته وكمية المادة به "أي كتلته"، وسماه "قوة الحركة" في معرض شرحه لارتداد جسم مصادم لسطح مستوٍ، حيث يقول: "والمتحرك إذا لقي في حركته مانعًا يمانعه، وكانت القوى المحرِّكة له باقيةً فيه عند لقائه الممانع، فإنه يرجع من حيث كان، في الجهة التي منها تحرك، وتكون قوة حركته في الرجوع بحسب قوة الحركة التي كان تحرك بها الأول، وبحسب قوة الممانعة، لأن الحركة المكتسبة إنما تكون بحسب مقدار ٦٨٧ – المسافة، وبحسب مقدار الثقل".

 وهنا يكتسب إدراك ابن الهيثم للمعنى الكمي للحركة أهمية خاصة، إذا علمنا أن معدل تغير كمية التحرك بالنسبة للزمن هو الأساس الذي قام عليه قانون نيوتن الثاني للحركة، كما سنرى بعد قليل.

ويُعبّر هبة الله بن ملكا البغدادي عن المعنى نفسه، مقتربًا من مصطلح "طاقة الحركة" باستخدام كلمة "ميل" بمعنى جذب" فيقول: ويُستدلّ على ذلك بالحجرِ المرميِّ من عالٍ، من غير أن يكون عائدًا عن صعودٍ بحركة قسرية، ولا فيه ميل قسري؛ فإنك ترى أن مبدأ الغاية كلما كان أبعد، كان آخر حركته أسرع، وقوة ميله أشد، وبذلك يشُجّ ويَسحق.

 ولا يكون ذلك له إذا ألقي من مسافة أقصر، بل يُبيّن التفاوتَ في ذلك مقدارُ طول المسافة التي يسلكها.

وهذا أيضًا مَثل واضح لحالة السقوط الحر للأجسام تحت تأثير الجاذبية الأرضية، حيث تزيد سرعة الجسم مع المسافة التي يقطعها من نقطة السقوط: وتزيد كمية حركته، وبالتالي طاقته تبعًا لذلك، فيشج ويسحق عند ارتطامه، وفي هذا - مرة ثانية - تعبير كمّي عن الحركة بتناسبها مع سرعة الجسم ومع كتلته، وهو محتوى قانون نيوتن الثاني للحركة.

ويقترب البغدادي أكثر فأكثر من الصياغة الوصفية الدقيقة للقانون الثاني للحركة، فيقول: وكل حركة ففي زمان لا محالة.

فالقوة الأشد تحرك أسرع وفي زمان أقصر، فكلما اشتدت القوة ازدادت السرعة فقصر الزمان، فإذا لم تتناه الشدة لم تتناه السرعة، وبذلك تصير الحركة في غير زمان أشد، لأن سلب الزمان للسرعة نهاية ما للشدة".

ونلاحظ هنا معنى التسارع "العجلة" في عبارة "سلب الزمان في السرعة "، وهو يقابل في لغة العلم الحديث "معدل تغير السرعة"، مما يفيد وقوف ابن ملكا البغدادي على معنى تناسب القوة مع تسارع الحركة "أي العجلة"، ولكنه بطبيعة الحال، وفي إطار الضوابط الارتقائية للنمو المعرفي لم يتوصل، ولم يكن مطلوبًا منه في حدود معطيات عصره أن يتوصل إلى الصيغة الرياضية التي وضعها إسحاق نيوتن بعد ذلك بحوالي ستة قرون، وهي: القوة=الكتلة x العجلة، أما بالنسبة لقانون الحركة الأول الذي عبر عنه نيوتن بقوله: "كل جسم يَظل على حالته من السكون، أو الحركة المنتظمة في خط مستقيم ما لم تؤثر عليه قوة خارجية تغير من حالته، فإننا نجد أن ابن سينا قد عبر عن مضمونه المتمثل في خاصية "القصور الذاتي"

 التي يدافع بها الجسم عن بقائه في حالته من السكون أو الحركة المنتظمة، وذلك بقوله في "الإشارات والتنبيهات": "إنك لتعلم أن الجسم إذا خلى وطباعه، ولم يعرض له من خارج تأثير غريب.

لم يكن له بُدٌّ من وضعٍ معيّنٍ، وشكلٍ معيّنٍ، فإذًا في طباعه مبدأ استيجاب ذلك"، ثم يضيف قائلًا: "الجسم له في حال تحركه ميلٌ - أي مدافعة - يتحرّك به، ويَحسّ به الممانِع، ولن يتمكّن من المنع إلا فيما يضعف ذلك فيه، وقد يكون من طباعه، وقد يحدث فيه من تأثير غيره فيبطل المنبعث عن طباعه إلى أن يزول فيعود انبعاثه".

وبالنسبة لقانون الحركة الثالث الذي عبر عنه نيوتن بأن "لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه"، فإننا نجد معناه في كتاب "المباحث المشرقية في الإلهيات والطبيعيّات"، للإمام فخر الدين الرازي حيث يقول: "الحلقة التي يجذبها جاذبان متساويان حتى وقفت في الوسط، لا شك أن كل واحد منهما فعل فيها فعلًا معوقًا بفعل الآخر، ثم لا شك أن الذي فعله كل واحد منهما لو خلى عن المعارض لاقتضى اجتذاب الحلقة إلى جانبه".

ويُوضح هذا النص فكرة اتزان الأجسام تحت تأثير قوتين متساويتين في المقدار ومتعاكستين في الاتجاه بتأثير الفعل ورد الفعل، ويؤكد الرازي هذا في معرض شرحه "لإشارات" ابن سينا قائلًا: "، فالحبل الذي يجذبه جاذبان متساويا القوة إلى جهتين مختلفتين لا يخلو إمّا أن يقال: إنه من فعل واحد منهما فعلًا، وهو محال؛ لأن الذي يمنع كل واحد منهما عن فعله هو وجود فعل الآخر".

الجاذبية الأرضية وحركة المقذوفات

"ب " الجاذبية الأرضية وحركة المقذوفات: لا شك أن الإنسان لاحظ منذ القدم سقوط الأشياء من أعلى إلى أسفل، وكان أرسطو يعتقد أن سبب سقوط الجسم إلى الأرض يعود إلى "الوحشة الطبيّعية" الكامنة في الجسم نفسه، تمامًا مثلما يميل الطفل إلى حضن أمّه باعتبارها المكان الطبيعي لإزالة وحشته، واتجاه حنينه يدفع به إلى مقاومة حالة الوحشة وطردها، وقد لاحظ كثيرٌ من مؤرخي العلم أن أرسطو قد طبّق الأحاسيس الإنسانية على ظواهر الطبيعة وسلوك أشيائها، وأنه قد أمعن في "أنسنة الطبيعة" عندما رأى أن الجسم المادي الصغير مكانه الطبيعي حين "يسقط" حُرًا هو حضن أمه: كوكب الأرض.

ويأتي الحسن بن أحمد الهمداني في القرن الثامن الميلادي بفكرة رائدة في بنية الثورات العلمية، كما طرحها فيلسوف العلم المعاصر "توماس كون" ضمنها كتابه القيم "الجوهرتان العتيقتان" في سياق حديثه عن الأرض وما يرتبط بها من أركان ومياه وهواء، فيقول: فمن كان تحتها - أي تحت الأرض عند نصفها الأسفل -، فهو في الثبات في قامته كمن فوقها، ومسقطه وقدمه إلى سطحها الأسفل كمسقطه إلى سطحها الأعلى، وكثبات قدمه عليها، فهي بمنزلة حجر المغناطيس الذي تجذب قواه الحديد إلى كل جانب، فأما ما كان فوقه فإن قوته وقوة الأرض تجتمعان على جذبه، وما دار به فالأرض أغلب عليه بالجذب، لأن القهر من هذه الحجارة لا يرفع العلاة ولا سفلة الحداد".

ويتضح جليًّا من هذا النصّ - ولأول مرة في تاريخ العلم - أن الهمداني قد ربط ظاهرة الجاذبية بالأرض التي تجذب الأجسام في كل جهاتها، وهذا الجذب إنما هو قوة طبيعية مركزة في الأرض وتظهر آثارها في مجال فعال حول الأرض أشبه بذلك المجال الذي يتمتع به "حجر" المغناطيس، ولولا هذه الخاصية لكانت كروية الأرض ودورانها سببين أساسيين في تطاير كل ما على سطحها، وبهذا المفهوم يكون الهمداني قد أرسى أول حقيقة جزئية في فيزياء ظاهرة الجاذبية، وهي ما يعرف بطاقة الموضع، أو طاقة الكمون، الناتجة أصلًا عن ارتفاع الأجسام عن الأرض.

ويزخر التراث العلمي العربي بالكثير من النصوص التي تتضمن مفاهيم أكثر وأوصافًا أشمل لظاهرة الجاذبية، فيقول البَيْرُوني في كتابه "القانون المسعودي: "والناس على الأرض منتصبو القامات على استقامة أقطار الكرة، وعليها أيضًا نزول الأثقال إلى أسفل، ويفطن الإمام الرازي إلى تعميم أكبر لفكرة الجاذبية يشمل جميع الأجسام المادية، فيتحدث عن "انجذاب الجسم إلى مجاوره الأبعد"، ويصحّحُ علماء المسلمين ذلك الخطأ الجسيم الذي وقع فيه أرسطو عندما قال بسقوط الأجسام الثقيلة أسرع من الأجسام الخفيفة، فيُثبتُ ابن ملكا البغدادي حقيقة علمية هامة تقضي بأن سرعة الجسم الساقط سقوطًا حُرًا تحت تأثير الجاذبية الأرضية لا تتوقف إطلاقًا على كتلته، وذلك عندما تخلو الحركة من أي معوقات خارجية، ويعبر عن هذه الحقيقة بقوله: "، وأيضًا لو تحركت الأجسام في الخلاء، لتساوت حركة الثقيل والخفيف والكبير والصغير والمخروط المتحرك على رأسه الحاد والمخروط المتحرك على قاعدته الواسعة، في السرعة والبطء.

أنها إنما تختلف في الملاءِ بهذه الأشياء بسهولة خَرْقِها لما تخرقه من المقاوم المخروق كالماء والهواء وغيره".

ويضيف علماء الحضارة الإسلامية حقائق أخرى جزئية على طريق استكمال التصور الإنساني لظاهرة الجاذبية من خلال دراستهم لحركة المقذوفات، من حيث إن حركتها إلى أعلى تعاكس فعل الجاذبية الأرضية، أو أن القوة القسرية التي قذف بها الجسم إلى أعلى تعمل في تضاد مع قوة الجاذبية الأرضية، فيقول العالم الفيلسوف هبة الله البغدادي في كتابه "المعتبر في الحكمة"، على سبيل المثال: فكذلك الحجر المقذوف، فيه ميل مقاوم للميل القاذف، إلا أنه مقهور بقوة القاذف، ولأن القوة القاسرة عرضية فيه فهي تضعف لمقاومة هذه القوة والميل الطبيعي ولمقاومة المخروق، فيكون الميل القاسر في أوله على غاية القاهر للميل الطبيعي، ولا يزال يضعف ويبطئ الحركة ضعفًا بعد ضعف وبطئًا بعد بطء حتى يعجز عن مقاومة الميل الطبيعي، فيغلب الميل الطبيعي فيحرك إلى جهته".

وهنا يتضح أن البغدادي لا يستخدم مفهوم "الميل" كقوة خفيّة أو "وحشة طبيعية" في اتجاه الحنين إلى حضن الأم: كوكب الأرض، كما قال أرسطو، ولكنه عنى به القوة الماديّة التي تتحكم عمليًا في حركة المقذوف صعودًا ضد الجاذبية الأرضية، وهبوطًا في اتجاهها.


مراجع للاستزادة:

-  سلسلة علماء الشرق، زهير: الحسن بن الهيثم. دمشق.

- تراث العرب في الميكانيكا، د/ جلال شوقي: عالم الكتب. القاهرة ١٩٧٣م.

- الطبعة الجوية، ت/ محمد جمال الدين أفندي. الكويت ١٩٧٧م.

- ابن الهيثم، مصطفي نظيف القاهرة. د.ت.

الخلاصة

أسهم العلماء العرب المسلمون في تأسيس مبادئ الميكانيكا بشكل واضح وملموس، مقدمين رؤى دقيقة حول الحركة وقوانينها، والجاذبية الأرضية، وحركة المقذوفات، قبل قرون من صياغة هذه المفاهيم في العلم الحديث، هذا التراث الغني يعكس عمق الفكر العلمي والإبداع الذي ميز الحضارة الإسلامية، ويؤكد ضرورة إعادة الاعتبار لهذا الإرث العلمي المشرق في تاريخ الفيزياء والميكانيكا.

موضوعات ذات صلة

تمثل الرياضيات ركيزة أساسية في بناء الحضارات وتقدم العلوم.

تميّز العرب بابتكاراتهم في أنظمة الحساب، مثل حساب الجمّل واليد والهندي.

يُعد علم الجبر أحد أبرز الإنجازات الفكرية في الحضارة الإسلامية.

موضوعات مختارة