الحركة وأنواعها وقوانينها: حدَّد ابن
سينا في كتابه "الشفاء" عناصر الحركة في: المتحرِّك: أي
الجسم المتحرك، المحرِّك: القوة المسببة للحركة، ما فيه: موضع
الجسم، ما منه: مكان بداية الحركة، ما إليه: مكان
نهاية الحركة، الزمان: الفترة الزمنية التي استغرقتها الحركة.
ونجد تعريف الحركة الطبيعية والحركة
القسرية في قول ابن سينا أيضًا: "وكل
جسم متحرك، فحركته إما من سبب من خارج، وتُسمّى حركة قسرية، وإما من سبب من نفس
الجسم؛ إذْ إن الجسم لا يتحرك بذاته، وذلك السبب إذا كان محرِّكًا على جهة واحدة،
على سبيل التسخير، فيُسمّى طبيعة."
كما نجد تعريف الحركة الانتقالية
والحركة الدورانية في كتاب "المعتبر في الحكمة" لابن ملكا البغدادي، وقد
سماهما "الحركة المكانية" "والحركة الوضعية"، حيث يقول:
"الحركة المكانية هي التي بها ينتقل المتحرّك من مكان إلى
آخر، والحركة الوضعية هي التي تتبدّل بها أوضاع الحركة، ولا يخرج عن جملة مكانه،
كالدولاب والرَّحى"، وربط ابن
المرزبان في كتاب التحصيل بين الحركة والزمن، فقال:"كل
سرعة في زمان؛ لأن كل سرعة هي قطع مسافة، أو ما يجري مجرى المسافة، وكل ذلك في
زمان. فلو كانت حركة لا نهاية لها في السرعة، لكان زمان لا نهاية له في القِصر،
فكانت الحركة لا في زمان."
وعرف ابن الهيثم مصطلح "كمية
التحرك"، الذي يشير إلى كمية فيزيائية في المتحرك، تتوقف على سرعة حركته
وكمية المادة به "أي كتلته"، وسماه "قوة الحركة" في معرض شرحه
لارتداد جسم مصادم لسطح مستوٍ، حيث يقول: "والمتحرك إذا لقي في حركته مانعًا
يمانعه، وكانت القوى المحرِّكة له باقيةً فيه عند لقائه الممانع، فإنه يرجع من حيث
كان، في الجهة التي منها تحرك، وتكون قوة حركته في الرجوع بحسب قوة الحركة التي
كان تحرك بها الأول، وبحسب قوة الممانعة، لأن الحركة المكتسبة إنما تكون بحسب
مقدار ٦٨٧ – المسافة، وبحسب مقدار الثقل".
وهنا يكتسب إدراك ابن الهيثم للمعنى الكمي
للحركة أهمية خاصة، إذا علمنا أن معدل
تغير كمية التحرك بالنسبة للزمن هو الأساس الذي قام عليه قانون نيوتن الثاني للحركة، كما سنرى بعد قليل.
ويُعبّر هبة الله بن ملكا البغدادي عن
المعنى نفسه، مقتربًا من مصطلح "طاقة الحركة" باستخدام كلمة "ميل"
بمعنى جذب" فيقول: ويُستدلّ على ذلك بالحجرِ المرميِّ من عالٍ، من غير أن
يكون عائدًا عن صعودٍ بحركة قسرية، ولا فيه ميل قسري؛ فإنك ترى أن مبدأ الغاية
كلما كان أبعد، كان آخر حركته أسرع، وقوة ميله أشد، وبذلك يشُجّ ويَسحق.
ولا يكون ذلك له إذا ألقي من مسافة أقصر، بل يُبيّن
التفاوتَ في ذلك مقدارُ طول المسافة التي يسلكها.
وهذا أيضًا مَثل واضح لحالة السقوط
الحر للأجسام تحت تأثير الجاذبية الأرضية، حيث تزيد سرعة الجسم مع المسافة التي
يقطعها من نقطة السقوط: وتزيد كمية حركته، وبالتالي طاقته تبعًا لذلك، فيشج ويسحق
عند ارتطامه، وفي هذا - مرة ثانية - تعبير كمّي عن الحركة بتناسبها مع سرعة الجسم
ومع كتلته، وهو محتوى قانون نيوتن الثاني للحركة.
ويقترب البغدادي أكثر فأكثر من الصياغة
الوصفية الدقيقة للقانون الثاني للحركة، فيقول: وكل حركة ففي زمان لا محالة.
فالقوة الأشد تحرك أسرع وفي زمان أقصر،
فكلما اشتدت القوة ازدادت السرعة فقصر الزمان، فإذا لم تتناه الشدة لم تتناه
السرعة، وبذلك تصير الحركة في غير زمان أشد، لأن سلب الزمان للسرعة نهاية ما للشدة".
ونلاحظ هنا معنى التسارع "العجلة"
في عبارة "سلب الزمان في السرعة "، وهو يقابل في لغة العلم الحديث "معدل
تغير السرعة"، مما يفيد وقوف ابن ملكا البغدادي على معنى تناسب القوة مع
تسارع الحركة "أي العجلة"، ولكنه بطبيعة الحال، وفي إطار الضوابط
الارتقائية للنمو المعرفي لم يتوصل، ولم يكن مطلوبًا منه في حدود معطيات عصره أن
يتوصل إلى الصيغة الرياضية التي وضعها إسحاق نيوتن بعد ذلك بحوالي ستة قرون، وهي: القوة=الكتلة
x العجلة، أما بالنسبة
لقانون الحركة الأول الذي عبر عنه نيوتن بقوله: "كل جسم يَظل على حالته من
السكون، أو الحركة المنتظمة في خط مستقيم ما لم تؤثر عليه قوة خارجية تغير من
حالته، فإننا نجد أن ابن سينا قد عبر عن مضمونه المتمثل في خاصية "القصور
الذاتي"
التي يدافع بها الجسم عن بقائه في حالته من
السكون أو الحركة المنتظمة، وذلك بقوله في "الإشارات والتنبيهات": "إنك
لتعلم أن الجسم إذا خلى وطباعه، ولم يعرض له من خارج تأثير غريب.
لم يكن له بُدٌّ من وضعٍ معيّنٍ، وشكلٍ
معيّنٍ، فإذًا في طباعه مبدأ استيجاب ذلك"، ثم يضيف قائلًا: "الجسم له في
حال تحركه ميلٌ - أي مدافعة - يتحرّك به، ويَحسّ به الممانِع، ولن يتمكّن من المنع
إلا فيما يضعف ذلك فيه، وقد يكون من طباعه، وقد يحدث فيه من تأثير غيره فيبطل
المنبعث عن طباعه إلى أن يزول فيعود انبعاثه".
وبالنسبة لقانون الحركة الثالث الذي
عبر عنه نيوتن بأن "لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه"،
فإننا نجد معناه في كتاب "المباحث المشرقية في الإلهيات والطبيعيّات"،
للإمام فخر الدين الرازي حيث يقول: "الحلقة التي يجذبها جاذبان متساويان حتى
وقفت في الوسط، لا شك أن كل واحد منهما فعل فيها فعلًا معوقًا بفعل الآخر، ثم لا
شك أن الذي فعله كل واحد منهما لو خلى عن المعارض لاقتضى اجتذاب الحلقة إلى جانبه".
ويُوضح هذا النص فكرة اتزان الأجسام
تحت تأثير قوتين متساويتين في المقدار ومتعاكستين في الاتجاه بتأثير الفعل ورد
الفعل، ويؤكد الرازي هذا في معرض شرحه "لإشارات" ابن سينا قائلًا:
"، فالحبل الذي يجذبه جاذبان متساويا القوة إلى جهتين مختلفتين لا يخلو إمّا
أن يقال: إنه من فعل واحد منهما فعلًا، وهو محال؛ لأن الذي يمنع كل واحد منهما عن
فعله هو وجود فعل الآخر".