Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الوراثــة

الكاتب

أ. د. أحمد فؤاد باشا

الوراثــة

علم الوراثة يبرز جمال الإبداع الإلهي، ويستمد عمقه من الفكر الإسلامي الذي تناول قضايا الخلق والصفات والأنساب بمنهجية متقنة، والاكتشافات الجينية الحديثة تؤكد وجود توافق مثير بين العلم والوحي الإلهي.

نشأة علم الوراثة

يشهد التاريخ الحقيقي لعلم الوراثة Genetics بأن علماء الحضارة الإسلامية هم أول من أستخدم مصطلح "القيافة" الذي عرفه القزويني في كتابه عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، بما نصه: "القيافة على ضربين: قيافة البشر وقيافة الأثر، أمّا قيافة البشر فهي الاستدلال بهيئات الأعضاء على الإنسان، وأما قيافة الأثر فالاستدلال بآثار الأقدام والخفاف والحوافر.

وتعرض ابن قيّم الجوزية لقضية خلق الأجنة، حيث قرر في كتابه "تحفة المودود بأحكام المولود" أن أصل التشكيل الصحيح للكائن الحي ما هو إلا اتحاد نطفة الذكر ببيضة الأنثى، واستشهد بقوله تعالى: {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ} [الأنعام: ١٠١]، فالولد إذن لا يتكون إلا من الذكر وصاحبته.

الوراثة في القرآن الكريم

وقد أخبر الله تعالى بهذه الحقيقة المهمة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وذكر "النطفة الأمشاج" كأساس لخلق الجنين، وكعامل وراثي في عملية التكاثر البشري، فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا} [الإنسان: ٢]، والنطفة الأمشاج تتألف من اندماج بويضة الأنثى وخلية الرجل (الحيوان المنوي)، ويسميها العلم الحديث" الزيجوت" Zagot ويكون مقرها رحم المرأة مصداقًا لقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ} [المؤمنون: ١٣]، وقوله سبحانه: {وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى} [سورة الحج ٥].

وتظهر أهمية هذا التأصيل الإسلامي لعلم الأجنة Ambryology واضحة جليّة إذا علمنا أن البشرية لم تعلم شيئًا عن النطفة الأمشاج (أو الزيجوت) المكونة من أخلاط الرجل، والمرأة إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلاديين، بعد أن تطورت طرق التشخيص وتقنية المجاهر (الميكروسكوبات)، فقد تخبط الغرب قرونًا طويلةً حيال موضوع تكوين الجنين، وعندما كان "هارتسوكر"Hartsoeker ينظر عبر المجهر إلى السائل المنوي للرجل تخيل أنه يرى في رأس الحيوان المنوي كائنًا صغيرًا Mancules يذكر بالمظهر الخارجي للرجل، وهذا الكائن الصغير الملتف ذو أعضاء قادرة على النمو في وجود الظروف الملائمة، ودور المرأة في تكوينه لا يعدو كونها حاضنة فقط.

كذلك ذكر ابن قيّم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١هـ / ١٢٩١ - ١٣٥٩م) في كتابه المذكور سابقًا أن في نطفة الرجل "عناصر" مختلفة صغيرة جدًا من أجزاء الجسم كله، وأن في بذرة الأنثى مثل ذلك، ولعل في هذا ما يعد أساسًا لنشأة نظرية الموروثات (أو الجينات Genes) التي قال بها علماء الوراثة حديثًا، وكان " مندل" في عام ٠ ٨٦ ١ م قد سماها "وحدات غامضة" تنتقل بين أجيال النوع الواحد، وتسبب الفروق الحادة في امتلاك صفات معينة، وذلك من خلال أبحاثه على نبتة البازلاء وتوصله إلى نظرية تفسير الصفات الظاهرة في الكائنات الحية على هذا الأساس.

وروى الطبري في كتابه "فردوس الحكمة" أن امرأة ولدت بنتًا بيضاء من رجل حبشي، وأدركت ابنتها تلك وتزوجت من رجل أبيض فولدت ولدًا أسود؛ لأن الولد - كما يقول الطبري - نزع إلى لون الجد (أبي الأم)،

وهذا يعني في المصطلح الحديث "النزوع إلى الأصل في الصفات الوراثية Atavism".

من ناحية أخرى، يزخر التراث العلمي الإسلامي بالعديد من الأمثلة على أنماط التهجين المختلفة، فنجد القزويني - على سبيل المثال - يشرح خصائص الحيوانات الهجينة بقوله: "إن الحيوانات المركبة تتولد بين حيوانين مختلفين في النوع ويُكوّن شَكلًا عجيبًا بين هذا وذاك، فاعتبر حال البغل، فإنه ما من عضو منه إلا وهو دائر بين الحمار والفرس".

ويعلق الجاحظ في كتابه "الحيوان" على ظاهرة التّهجين تعليقًا علميًّا صحيحًا، فيقول: "إننا وجدنا بعض النتاج المركب، وبعض الفروع المستخرجة منه أعظم من الأصل"، ويعترف العالم بإسهامات علماء المسلمين في مجال تحسين النسل عن طريق انتقاء صفات وراثية معينة، وهو ما يندرج اليوم تحت علم "التحسين الوراثي" EugeniceK فقد كانوا يحرصون على أنساب الخيول العربية بحصر التزاوج فيما بينها وبين أفراس أصيلة ذات صفات وراثية محددة، وتابعوا اصطفاء الصفات على الأنسال القادمة ومنعوا أي تزاوجات عشوائية مع أفراد مغمورة أو وضيعة النسب، وكأنهم بهذا التحديد يحصرون حدود الصفات الوراثية الممتازة كالرشاقة والجمال وضمور البطن والعدو السريع والحس المرهف والذكاء المفرط، والعرف الغزير المتدلي، وصغر الأذن، وغيرها من الصفات المرغوبة في مجموعة معينة من الأفراس ما لبثت أن كبرت وزادت أعدادها مع مرور الزمن، بحيث شكلت نواة ممتازة لنشوء سلالة الخيول العربية التي عمّت شهرتها العالم كله، وكان لهذا التكوين الوراثي Genotype أكبر الأثر في لفت الأنظار بعد ذلك إلى استيراد الخيول العربية ودخولها في التّهجين مع سلالات أخرى لرفد موروثاتها بخصائصها الفذة.

من ناحية أخرى كان الزواج بالأقارب شائعًا عند كثير من الأقوام والشعوب، ولما جاء الإسلام حرّم زواج المحارم لحكم نفسية واجتماعية وطبية ووراثية أوضح العلم الحديث جوانب كثيرة منها.

أثر زواج الأقارب في الوراثة

وحبب الإسلام إلى المسلمين الزواج بالأباعد في النسب، فرغبوا فيه؛ لأنه أنجب للولد وأبهى للخلقة، وقال شاعرهم:

تجاوزت بنت العم وهي حبيبة              مخافة أن يضوي على سليلي

ويتفق هذا المطلب الإسلامي في الحث على الزواج بالأباعد مع معطيات علم الوراثة والتحسين الوراثي اتفاقًا كاملًا.

ذلك أن استمرار تزاوج الذرية بالأقارب يفضي إلى إقلال درجة التناسل، حتى لقد تصل أخيرًا إلى العقم، كما يؤدي إلى إضعاف السلالة، ويزيد من احتمال ظهور الصفات والأمراض الوراثية المتنحيّة التي يحصى منها المتخصصون ما يزيد عن مائة مرض معروف مثل البرص الوراثي، والبول الأسود، وبعض أمراض الشبكية، ومرض السكر، وارتفاع ضغط الدم، وغير ذلك من أمراض الجهاز العصبي وأمراض التخلف العقلي، وكثير من العيوب الخلقية والخلقية.


مراجع للاستزادة:

- عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، زكريا بن محمد القزويني، شركة الحلبي بمصر.

- الطبعة الخامسة. القاهرة ١٤٠١ح / ١٩٨٠م.

- الهندسة الوراثية والأخلاف، ناهد اليقصمي، عالم المعرفة. الكويت ١٤١٣هـ/ ١٩٩٢م.

- التراث العلمي الإسلام شيء. من الماضي أم زاد للآتي د. احمد فؤاد باشا، دار الفكر العربي. القاهرة ١٤٢٣هـ/ ٢٠٠٢م.

الخلاصة

تشير المصادر الإسلامية إلى أن علماء المسلمين أسهموا مبكرًا في التأسيس لمفاهيم علم الوراثة، حيث استخدموا مصطلح "القيافة" وربطوا بين الوراثة والتكوين الجسدي، وقد أوضح ابن القيّم أن الجنين يتكون من اتحاد نطفة الرجل ببويضة المرأة، وهو ما يؤكده القرآن الكريم بمصطلح "النطفة الأمشاج"، كما تناول العلماء المسلمون التهجين وتحسين النسل، وأدركوا أثر زواج الأقارب في نقل الصفات الوراثية السلبية، وهي مفاهيم سبقت بكثير ما توصّل إليه الغرب علميًّا في هذا المجال.

موضوعات ذات صلة

برز التمريض كعنصر أساسي في الحضارة العربية الإسلامية، حيث لعبت المرأة دورًا محوريًا.

تُعدّ الجراحة من أبرز فروع الطب التي أسهم فيها علماء المسلمين إسهامًا عظيمًا.

يمثل علم التشريح أحد أركان الطب الأساسية التي اهتم بها علماء الحضارة الإسلامية.

موضوعات مختارة