Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مطرقة الباب

الكاتب

هيئة التحرير

مطرقة الباب

لم تكن مطرقة الباب مجرد أداة وظيفية في الحضارة الإسلامية، بل تحفة فنية تعكس رقي الذوق وإتقان الصناعة. هذا المقال يستكشف مكانة مطرقة الباب في الفن الإسلامي، دورها في آداب دخول البيوت، وكيف أصبحت وسيلة للتعبير الفني والرمزي، مع أمثلة من المطارق المملوكية التي تجسد هذا الإبداع.

مطرقة الباب بين الفن والآداب

قد يتساءل البعض كيف نعتبر مطرقة الباب -رغم ما يبدو من ضآلة شأنها- من التراث الفني الإسلامي، غير أنه من المعروف أن الصناع والفنانين المسلمين لم تقف عنايتهم عند حد الأشياء الضخمة أو الواضعة الأهمية، بل تطرقت أيضًا إلى الأدوات الصغيرة والأجزاء التي قد لا تسترعي انتباه الكثيرين، مثل شباك القلة، وصنبور الإبريق، وقاعدة الإناء؛ مما يشهد من غير شك على رقي الذوق الفني والتقدم المدني والحضاري.

ولقد استرشد الصناع المسلمون في تلك العناية بالتعاليم الإسلامية التي تحض على إتقان العمل مهما قل شأنه كما ينضح من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اللهَ يحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكم عملًا أنْ يُتقِنَه».

ومطرقة الباب عبارة عن أداة صغيرة من المعدن تشبك بالباب من الخارج؛ بحيث يمكن تحريكها والقرع بها على قاعدة معدنية لإحداث صوت يسمعه من بداخل البيت فيفتح للطارق إن شاء، ويمكن تسميتها أيضًا بمقرعة الباب، وتسمى في اللغة المصرية الدارجة (السماعة).

وتلعب مطرقة الباب دورًا مهمًا في آداب دخول البيوت التي عُنِي الإسلام بإقرارها، ولقد استهجن القرآن الكريم تصرف الذين جاءوا ينادون رسول الله ﷺ من وراء الحجرات، فقال جل شأنه: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات ٤-٥].

ونهى عن إتيان البيوت من ظهورها، وأمر بإتيانها من أبوابها، فقال سبحانه وتعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة ١٨٩].

كما حتَّم على الداخلين أن يسلموا على أهل البيوت، يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ* لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور ٢٧-٢٩].

وقد حثَّ النبي ﷺ على الاستئذان قبل الدخول على الغير، وحين سأله بعضهم إن كأن يستأذن على أمه، أجابه عليه الصلاة والسلام بقوله: «أتُحبُّ أن تراها عريانةً ؟»، ولقد كانت هذه التعاليم الكريمة من غير شك حافزًا على العناية بمطرفة الباب باعتبارها وسيلة أساسية من وسائل الاستئذان في دخول البيوت من جهة، وباعتبارها بديلًا مهذبًا عن النداء من وراء الحجرات من جهة أخرى، وربما كان من أسباب العناية بمطرقة الباب أيضًا أنها أول ما يشاهده الضيف من المنزل، ومن ثم فإنها بمثابة عنوان لما يكون عليه البيت وأثاثه من حسن وجمال، وما يتمتع به أهله من ذوق غني أو من ثراء ورخاء.

ولقد حظيت مطرقة الباب بعناية صُنَّاع المعادن المسلمين، فاهتموا بتجميلها وتحسينها، عن طريق التشكيل الجميل والزخرفة بالرسوم البارزة والمحفورة والمفرغة، كما اهتموا بمتانتها حتى تتحمل القرع والطرق، لا سيما وأن البعض يلح في الطَّرق حتى يُؤذن له.

كما قال الشاعر إسماعيل صبري:

طرقتُ البابَ حتَّى كلَّ مَتْنِي                               فَلمَّا كلَّ مَتْنِي كَلَّمَتْنِي

وكان يُراعى في تشكيل مطرقة الباب أن تكون متلائمةً مع شكل الباب نفسه، وحلياته وزخارفه، ففي حالة كسوةً الباب مثلًا بِحِليَات برونزية مُسْتَمَدَّة من الأشكال النباتية أو الهندسية كانت مطرقة الباب تشكل حسب الأسلوب نفسه.

مطارق الأبواب المملوكية في المتحف

ويحتفظ متحف الفن الإسلامي بالقاهرة بمجموعة من المطارق البرونزية تنسب إلى مصر في عصر المماليك، ويُلاحظ أن بعض هذه المطارق قد شُكِّلت على نمط حليات الأبواب التي كانت مُشَبَّكة بها.

ومن مطارق الأبواب بالمتحف نفسه مطرقة من البرونز المفرغ (سجل رقم ٢٢٤) تتألف من رسوم عروق نباتية محورة، تتشابك وتتداخل مكونةً شكلًا دائريًا مفصصًا، تملؤه مناطق منتظمة، يحتوي كل منها على صورة ورقة نباتية ذات ثلاثة فصوص، وتُحَفُّ هذه المناطق بشكل نَجمي في الوسط له ست زوايا، ويتدلى من أسفل المطرقة شكل على هيئة ورقة نباتية ذات ثلاثة فصوص، ويزخرف السطح كله رسوم محزوزة ومحفورة، وتوجد في أعلى المطرقة صورة حيوانين متماثلين يتواجهان على جانبي مشبك المطرقة.

وبالمُتحف نفسه مطرقتان متشابهتان قد شُكِّلت كل منهما على هيئة منطقة دائرية مفصصة، ويزخرفهما شريطان دائريان متداخلان من الدوائر المفرغة التي تتبادل مع ألسنة بارزة، وفي وسط المطرقة ترس نجمة مفرعة ذات ثماني شعب، ويتدلى من أسفل المطرقة شكل على هيئة ورقة نباتية ذات ثلاثة فصوص.

وشاع اتخاذ مطارق الأبواب المشكلة على هيئة رسوم مستمدة من اللفائف النباتية العربية المورقة، التي عرفت عند علماء الفنون والآثار باسم (الأرابيسك).

وقد وصلنا عدد من هذه المطارق التي تعتبر من أجمل ما أنتجه صانع المعادن العربي، وكان بعض ملاك البيوت من أمراء المماليك يحرصون على أن يثبتوا على مطارق أبوابهم أشعرتهم أو أسماءهم على نمط ما كان متبعًا في عصر المماليك من إثبات الأشعرة والأسماء على العمائر والثياب وسائر الأدوات.

 وفي مُتحف الفن الإسلامي بالقاهرة مطرقة بابٍ حُفِر عليها شعارٌ على هيئة كأس، وكان هذا الشعار يتخذه عادة الأمراء الذين كانوا يشغلون وظيفة الساقي.

ولكنيسة ورتبرج بألمانيا الشرقية باب له مطرقة عليها كتابة دائرية تشتمل على أدعية وألقاب مكتوبة بخط عربي زخرفي جميل، ومن الواضح أن هذا الباب قد نقل من أثر إسلامي.

إبداعات الحرفيين في التشكيل والزخرفة

وقد جرت العادة أن يشكل الصناع المسلمون بعض الأدوات المعدنية على هيئة حيوانات أو طيور، كأن تشكل المبخرة على هيئة أسد، وصنبور الإبريق على هيئة ديلي، وغطاء الإناء على هيئة طائر وهكذا ومن ثم فإن بعض مطارق الأبواب قد شكلت على هيئة حيوانات مختلفة، وربما كان تشكيل مطرقة الباب على هيئة حيوان يتضمن في بعض الأحيان اعتبارها طلسمًا ذا أثر سحري، أو تميمة تمنع الشر من الدخول.

ومن المعروف أن الأشوريين القدماء قد اعتادوا أن يقيموا عند مداخل معابدهم وقصورهم تماثيل شديدة البروز، على هيئة حيوانات خرافية، تتألف من جسم أسد أو ثور ورأس إنسان وجناحي نسر، وكانوا يعتقدون أن تلك التماثيل عبارة عن حراس تحمي المعبد أو القصر من دخول الأرواح الشريرة ويبدو أن التنين قد اتًّخِذَ لغرض قريب من ذلك عند الصينيين وبعض شعوب الشرق الأقصى.

وقد انتقلت بعض هذه الأوهام إلى بعض الشعوب الإسلامية: ذلك أن السلاجقة عندما جددوا سور بغداد شيدوا في سنة ٦١٨هـ (٢٢١ ١م) بابًا في سور المدينة كان يطلق عليه اسم باب الطلسم؛ نسبة إلى ما كان يزخرف أعلاه من نقوش بارزة كان يعتقد أنها طلسم ذو أثر سحري قوي، وكانت هذه النقوش تمثل تنينين متماثلين يتواجهان حول رجل.

 وقد يُسْتَشَفُّ غرض طلسمي مشابه في مطرقة من البرونز محفوظة بمتحف برلين يمكن نسبتها إلى عصر السلاجقة، وهي مُشَكَّلَة على هيئة تنينين متقابلين، ويلاحظ أن كلًا منهما له جسم ثعبان يلتف بعضه حول بعض، وجناح طائر، ورِجْلَا حيوان، كما شكل طرف ذيله على هيئة طائر، وتَتخذ المطرقة بصفة عامة شكلًا زخرفيًا جميلًا مفعمًا بقوة التأثير والتعبير.

وربما كان تشكيل بعض مطارق الأبواب على هيئة حدوة فرس يتضمن هدفًا مشابهًا، لا سيما وأنه من الشائع بين بعض العامة اتخاذ حدوة الفرس كتميمة ضد الحمم ولجلب الخير، وقد عرف في عصور متأخرة تشكيل المطرقة على هيئة قبضة يد، وهذه تمثل من غير شك اليد التي استبدلت بها المطرقة في قرع الباب، وربما كان تشكيل مطرقة الباب على هيئة يد ذات خمسة أصابع يتضمن في الوقت نفسه دفع الحسد؛ ذلك أن بعض العامة قد يطبعون على أبوابهم أو واجهات منازلهم كفًّا بأصابع خمسة، كتميمة ضد الحسد وعين السوء.

وليس من شك في أن بعض مطارق الأبواب لها معان رمزية، ولا سيما تلك المطارق المشكلة على هيئة أهلة يرمز بها إلى الإسلام من جهة، كما كان يَرمز إلى الخير عند الساسانيين في إيران من جهة أخرى، وهكذا نجد أن مطرقة الباب قد استوحى الفنان الإسلامي العناية بها من التعاليم الإسلامية، وأتقن صناعتها وجمَّلَها مسترشدًا بروح الإسلام، ثم لعبت الأوهام والخُرافات أحيانًا دورها في صوغها وتشكيلها، وأيًا كان الهدف الذي يكمن وراء تشكيل مطرقة الباب بصورة معينة أو زخرفتها بطريقة خاصة، فإنها قد اتخذت في جميع الأحوال الأسلوب الذي كان يميز الصناعات المعدنية الإسلامية في العصر الذي صنعت فيه ، كما أن الفنان المسلم قد استطاع أن يصنع من هذه الأداة الصغيرة تحفة فنية جميلة.

الخلاصة

المطرقة من التراث الفني الإسلامي، ومن المعروف أنه لم تقف عناية الصناع والفنانين المسلمين عند حد الأشياء الضخمة أو الواضحة الأهمية، بل تطرقت أيضًا إلى الأدوات الصغيرة والأجزاء التي قد لا تسترعي انتباه الكثيرين مثل شباك القلة، وصنبور الإبريق، وقاعدة الإناء، هذا يشهد من غير شك على رقي الذوق الفني والتقدم المدني والحضاري.

موضوعات ذات صلة

اعتمد الإسلام منهجًا وسطيًّا في التزين، فحث على الجمال والنظافة دون مبالغة أو تبرج.

تُعرف الزخرفة الإسلامية بفن تجريد الخطوط والأشكال لملء الفراغات بغرض جمالي.

التصوير يمثل فنًّا وعلمًا يعتمد على تسجيل الصور باستخدام الضوء.

موضوعات مختارة