قد يتساءل البعض كيف نعتبر مطرقة الباب -رغم ما يبدو من ضآلة شأنها- من التراث الفني الإسلامي، غير أنه من
المعروف أن الصناع والفنانين المسلمين لم تقف عنايتهم عند حد الأشياء الضخمة أو الواضعة الأهمية، بل تطرقت أيضًا إلى الأدوات الصغيرة والأجزاء التي قد لا تسترعي
انتباه الكثيرين، مثل شباك القلة، وصنبور الإبريق، وقاعدة الإناء؛ مما يشهد من غير شك على رقي الذوق الفني والتقدم المدني
والحضاري.
ولقد استرشد الصناع المسلمون في تلك العناية بالتعاليم الإسلامية التي تحض
على إتقان
العمل مهما قل شأنه كما ينضح من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اللهَ يحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكم عملًا أنْ يُتقِنَه».
ومطرقة الباب عبارة عن أداة صغيرة من المعدن تشبك بالباب من الخارج؛ بحيث
يمكن تحريكها والقرع بها على قاعدة معدنية لإحداث صوت يسمعه من بداخل البيت فيفتح للطارق إن شاء، ويمكن تسميتها
أيضًا بمقرعة الباب، وتسمى في اللغة المصرية الدارجة (السماعة).
وتلعب مطرقة الباب دورًا مهمًا في آداب
دخول البيوت التي عُنِي الإسلام بإقرارها، ولقد استهجن القرآن الكريم تصرف الذين جاءوا
ينادون رسول الله ﷺ من وراء الحجرات، فقال جل شأنه: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ
الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ
تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات ٤-٥].
ونهى عن إتيان البيوت من ظهورها، وأمر بإتيانها
من أبوابها، فقال سبحانه وتعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا
وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة ١٨٩].
كما حتَّم على الداخلين أن يسلموا على أهل
البيوت، يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا
غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ
ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا
أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ
ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
عَلِيمٌ* لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ
فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور ٢٧-٢٩].
وقد حثَّ النبي ﷺ على الاستئذان قبل الدخول على الغير، وحين سأله بعضهم إن كأن يستأذن على أمه، أجابه عليه الصلاة
والسلام بقوله: «أتُحبُّ أن تراها عريانةً
؟»، ولقد كانت هذه التعاليم الكريمة من غير شك حافزًا على العناية بمطرفة الباب باعتبارها وسيلة أساسية من وسائل الاستئذان في دخول البيوت من جهة، وباعتبارها بديلًا مهذبًا عن النداء من
وراء الحجرات من جهة أخرى، وربما كان من أسباب العناية بمطرقة الباب أيضًا أنها أول ما يشاهده الضيف
من المنزل،
ومن ثم فإنها بمثابة عنوان لما يكون عليه البيت وأثاثه من حسن وجمال، وما يتمتع به أهله من ذوق غني أو من ثراء
ورخاء.
ولقد حظيت مطرقة الباب بعناية صُنَّاع المعادن المسلمين، فاهتموا بتجميلها
وتحسينها، عن طريق التشكيل الجميل والزخرفة بالرسوم البارزة والمحفورة والمفرغة،
كما اهتموا
بمتانتها حتى تتحمل القرع والطرق، لا سيما وأن البعض يلح في الطَّرق حتى
يُؤذن له.
كما قال الشاعر إسماعيل صبري:
طرقتُ البابَ حتَّى كلَّ مَتْنِي فَلمَّا كلَّ مَتْنِي كَلَّمَتْنِي
وكان يُراعى في تشكيل مطرقة الباب أن تكون متلائمةً مع شكل الباب نفسه، وحلياته وزخارفه، ففي حالة كسوةً الباب مثلًا بِحِليَات برونزية مُسْتَمَدَّة من
الأشكال النباتية أو الهندسية كانت مطرقة الباب تشكل حسب الأسلوب نفسه.