إن قراءة التاريخ ليست ترفًا فكريًّا، بل هي استقراءٌ لسنن الله في نهوض الأمم وسقوطها، فالتاريخ لا يحابي أحدًا، لقد علمتنا سنن التاريخ أن الأمم التي لا تحفظ ذاكرتها، ولا تعي أسباب نهضتها مآلها إلى التيه والضياع.
إن الحضارة المصرية القديمة التي نرى اليوم شواهدها في هذا المتحف لم تقم بالصدفة، وإنما قامت على الأخذ بالأسباب كاملةً، قامت على العلم الدقيق، والتخطيط المُحكم، والعمل الدؤوب، والإدارة المركزية القوية، والإيمان العميق (وفق معتقدهم) الذي كان دافعًا للإتقان حد الإعجاز.
انظروا إلى دقة التخطيط في معابدهم، وانظروا إلى عبقرية الهندسة في مقابرهم، وانظروا إلى روعة الفن في تماثيلهم، هذه سنن نهوض واضحة كالشمس.
لكن السنّة الأهم هي سنّة الحفظ، فما قيمة حضارةٍ لا تجد من يحفظها وينقلها للأجيال؟ هنا يأتي دور المتحف.
إن هذا الصرح ليس مجرد بناء، بل هو تطبيقٌ (لسنّة الحفظ) ضد (سنّة الاندثار)، هو حصنٌ نحمي به ذاكرة الأمة من التآكل، ونقول للعالم: "نحن أمةٌ تقرأ تاريخها وتأخذ منه العبرة".
لندقق في معنى الحفظ: إن ما يفعله هذا المتحف يتجاوز مجرد العرض؛ ليصبح عملية حفظٍ للسند الحضاري، تمامًا كما حفظ علماء الحديث سند أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا المتحف بمنهجيته العلمية الدقيقة، يحفظ سند الحضارة الإنسانية، فهو (ديوان) علمٍ، وليس مجرد معرض صور.
إن جمع هذا الكم الهائل من القطع الأثرية، وضم مجموعة الملك (توت عنخ آمون) كاملةً لأول مرة في التاريخ تحت سقف واحد، ليس عملًا سياحيًّا، بل هو عمل (توثيقي) و(تحقيقي) بالمعنى الأكاديمي الدقيق، هو تحقيقٌ علميٌ لمتن الحضارة، وصونٌ لهويتها من الضياع أو التشويه.
فالهوية المصرية ليست شيئًا هلاميًّا، بل هي شخصية ممتدة عبر آلاف السنين؛ شخصية تتميز بالتدين، وحب البناء، وعشق الفن، والقدرة على العمران، وهذا المتحف هو البرهان المادي على أصالة هذه الشخصية واستمرارها، هو مؤسسةٌ علميةٌ رصينةٌ، تؤصل لجذورنا، وتوثق مسيرتنا، وتحفظ للأجيال القادمة سند انتمائهم.