Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المتحف المصري الكبير منارة حضارة ورسالة سلام إلى العالم

الكاتب

هيئة التحرير

المتحف المصري الكبير منارة حضارة ورسالة سلام إلى العالم

المتحف المصري الكبير آية في كتاب الكون المنظور تشهد على عظمة العقل الإنساني المُستخلف، يجمع في هندسته بين سنن النهوض ورسائل السلام التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ ليصبح منارةً تضيء درب الحاضر والمستقبل.

مدخل الروح والكون

الناظر في هذا الكون الفسيح يرى آيات الله المبثوثة في كل شبرٍ منه في دقة الأفلاك، وفي عظمة السماوات، وفي إبداع الخلق، هذا هو كتاب الله المنظور، وما هذا الصرح العظيم -المتحف المصري الكبير- إلا تجلٍ لإحدى أعظم آيات الله في خلقه، آية العقل الإنساني وقدرته على الإبداع والعمران.

هذا البنيان القائم بجوار الأهرامات ليس مجرد متحفٍ أو مخزنٍ للآثار، بل هو وقفة تأملٍ عميقة، فالله حين استخلف الإنسان في الأرض منحه أدوات هذا الاستخلاف (العقل، والعلم، والقدرة على الصنعة)، وهذا المتحف هو شاهد على ذلك التكليف.

أنت لا ترى هنا حجارةً صماء، بل ترى علمًا وهندسةً وفنًّا وإدارةً تجسدت في حضارةٍ علّمت البشرية، فكل قطعةٍ فيه هي دليل مادي على أن الإنسان حين يتصل بقوانين الكون يستطيع أن يبني المعجزات.

ولكن هذا الإبداع العقلي ما قيمته إن لم يغلفه السلام ولم تحركه المحبة؟

إن هذا المتحف ليس رسالة قوةٍ غاشمةٍ أو تفاخرٍ بالماضي تفاخرًا أجوفًا، كلا، بل هو رسالة سلامٍ دافئةٍ، ودعوة حوارٍ صادقةٍ، كأنما أراد الأجداد عبر هذه الكنوز أن يصافحوا قلوبنا قبل عقولنا، وأن يهمسوا في آذاننا: "انظروا ماذا يصنع الاستقرار، وماذا يبني الأمن"، انظروا كيف أن الحضارة لا تزدهر إلا في ظل السلام".

ولذلك فإن هذا الصرح بقبابه الزجاجية التي تعانق السماء، وبتمثال رمسيس الواقف في بهوه وقفة الأب الذي يستقبل زواره، إنما يفتح ذراعيه للعالم كله، لا ليقول "هذه حضارتي"، بل ليقول: "هذا إرث الإنسانية جمعاء، فلنلتقِ على مائدة الجمال، ولنتعلم من الماضي كيف نبني مستقبلًا يسوده السلام".

إنه منارة حضارةٍ، ورسالة سلامٍ، قبل أن يكون أي شيءٍ آخر.

منهجية الإنصاف والاستفادة من المنجز البشري

وإذا فرضنا -كما يقول البعض- أنها كانت حقبة شركية ووثنية، فالمتأمل في القصة القرآنية؛ حيث أقرّ الهدهد بالعظمة المدنية لمملكة سبأ بقوله: {وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ} [النمل: ٢٣]، فقبل أن يشير إلى الانحراف العقدي رسخ لدينا منهجية حضارية رفيعة، وهي أن اختلاف العقيدة لا يمنع من إدراك الحقائق الموضوعية في الإنجاز المادي ولا يحول دون الاستفادة من العبر والدروس.

وإقرار الهدهد بـ {عَرۡشٌ عَظِيمٞ} كان قبل أن يذكر أنهم {يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} هذا الترتيب القرآني ليس مصادفةً، بل هو تأصيل لمبدأ الفصل بين العظمة العمرانية (التي هي حقائق مادية ثابتة) وبين ضلال العقيدة (الذي هو حكم على القلب).

هذا الفصل يُحررنا من الرؤية الأحادية، ويفتح آفاق الاستفادة من تجربة الماضي بكل أبعادها.

فالمتحف المصري الكبير ليس تمجيدًا لعقائد بائدة، بل هو احتفاء بـالإرث المشترك للعبقرية الإنسانية التي أودعها الخالق في أجدادنا حين نقف أمام تماثيلهم أو نصوصهم، فإننا لا نُقرّ ما كانوا عليه، ولكننا نُدرك قيمة:

  • الإتقان في العمل: الذي أنتج فنونًا خالدة.
  • العبقرية في التخطيط: التي أسست دولة راسخة.
  • المثابرة في طلب العلم: التي قادت إلى إنجازات طبية وهندسية لا تزال تثير دهشة العالم.

هذه هي القيم المشرقة التي ننظر إليها، وهي دروس إنسانية تخاطب الحاضر والمستقبل؛ لتؤكد أن الحضارات وإن تباينت مذاهبها ستظل سجلًا حافلاً يُلهمنا البناء والتقدم، هذا هو الإنصاف الذي أمرنا به الشرع، وهو أساس رسالة السلام التي نقدمها للعالم.

تأصيل التاريخي (سنن الصعود والحفظ)

إن قراءة التاريخ ليست ترفًا فكريًّا، بل هي استقراءٌ لسنن الله في نهوض الأمم وسقوطها، فالتاريخ لا يحابي أحدًا، لقد علمتنا سنن التاريخ أن الأمم التي لا تحفظ ذاكرتها، ولا تعي أسباب نهضتها مآلها إلى التيه والضياع.

إن الحضارة المصرية القديمة التي نرى اليوم شواهدها في هذا المتحف لم تقم بالصدفة، وإنما قامت على الأخذ بالأسباب كاملةً، قامت على العلم الدقيق، والتخطيط المُحكم، والعمل الدؤوب، والإدارة المركزية القوية، والإيمان العميق (وفق معتقدهم) الذي كان دافعًا للإتقان حد الإعجاز.

انظروا إلى دقة التخطيط في معابدهم، وانظروا إلى عبقرية الهندسة في مقابرهم، وانظروا إلى روعة الفن في تماثيلهم، هذه سنن نهوض واضحة كالشمس.

لكن السنّة الأهم هي سنّة الحفظ، فما قيمة حضارةٍ لا تجد من يحفظها وينقلها للأجيال؟ هنا يأتي دور المتحف.

إن هذا الصرح ليس مجرد بناء، بل هو تطبيقٌ (لسنّة الحفظ) ضد (سنّة الاندثار)، هو حصنٌ نحمي به ذاكرة الأمة من التآكل، ونقول للعالم: "نحن أمةٌ تقرأ تاريخها وتأخذ منه العبرة".

لندقق في معنى الحفظ: إن ما يفعله هذا المتحف يتجاوز مجرد العرض؛ ليصبح عملية حفظٍ للسند الحضاري، تمامًا كما حفظ علماء الحديث سند أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا المتحف بمنهجيته العلمية الدقيقة، يحفظ سند الحضارة الإنسانية، فهو (ديوان) علمٍ، وليس مجرد معرض صور.

إن جمع هذا الكم الهائل من القطع الأثرية، وضم مجموعة الملك (توت عنخ آمون) كاملةً لأول مرة في التاريخ تحت سقف واحد، ليس عملًا سياحيًّا، بل هو عمل (توثيقي) و(تحقيقي) بالمعنى الأكاديمي الدقيق، هو تحقيقٌ علميٌ لمتن الحضارة، وصونٌ لهويتها من الضياع أو التشويه.

فالهوية المصرية ليست شيئًا هلاميًّا، بل هي شخصية ممتدة عبر آلاف السنين؛ شخصية تتميز بالتدين، وحب البناء، وعشق الفن، والقدرة على العمران، وهذا المتحف هو البرهان المادي على أصالة هذه الشخصية واستمرارها، هو مؤسسةٌ علميةٌ رصينةٌ، تؤصل لجذورنا، وتوثق مسيرتنا، وتحفظ للأجيال القادمة سند انتمائهم.

الإنجاز (الفكرة والقيادة)

الأمم العظيمة لا تُبنى بالأماني، بل تُبنى بالتخطيط والعمل:

فإن النجاح لا يأتي صدفة، بل هو صناعة لها أصولها، وإذا نظرنا إلى المتحف المصري الكبير من هذا المنظور، منظور علم الإدارة وفقه القيادة سنرى قصة مختلفة تمامًا.

ولنحلل هذا المشروع العملاق تحليلًا إداريًّا.

أولًا: الرؤية: لم يكن الهدف بناء متحف فحسب، فالمتاحف موجودة، وإنما كانت الرؤية (بناء الصرح الأكبر والأعظم في العالم لحضارة واحدة)، هذه رؤية طموحة، واضحة، ومحددة، والقيادة الناجحة تبدأ دائمًا برؤية تتحدى الواقع.

ثانيًا: التخطيط والتحديات والقاعدة الإدارية تقول: "ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته"، حجم هذا المشروع كان مرعبًا على الورق:

  • التحدي اللوجستي: نحن نتحدث عن نقل أكثر من ١٠٠ ألف قطعة أثرية، بعضها بوزن آلاف الأطنان (مثل تمثال رمسيس الثاني)، وبعضها شديد الهشاشة (مثل مراكب الشمس).
  • التحدي الهندسي: بناء صرحٍ بهذا الحجم، بتصميمٍ معماريٍ فريدٍ (الواجهة المثلثية)، وبأحدث تقنيات العرض المتحفي، وفي موقعٍ حساسٍ بجوار الأهرامات.
  • التحدي المالي والزمني: تمويل مشروعٍ يتكلف المليارات، واستمراره لعقدين من الزمن، مرورًا بظروفٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ متقلبة.

ثالثًا: التنفيذ وفريق العمل، وهنا يظهر الفرق بين الحلم والإنجاز، هذا المشروع لم ينجح بجهد فردي، بل هو قصة نجاح فريق عمل.

  • القيادة التي أصرت على استكمال المشروع رغم كل التحديات.
  • الخبرة الدولية: الاستعانة بالخبرات العالمية (مثل الشراكة مع اليابان) في التمويل والتكنولوجيا.
  • الكوادر المصرية: المهندسون، والمرممون، والأثريون الذين قاموا بالعمليات المستحيلة، فنقل تمثال رمسيس في عام ٢٠٠٦م في موكب مهيب كان إعلانًا عن بدء المشروع، ثم العملية الأعقد نقل مركب خوفو الأول عام ٢٠٢١م.

إن نقل مركب الشمس، لم يكن مجرد نقل أثر، بل كان "درسًا في إدارة المشاريع"، يُدرّس للعالم كله في كيفية التعامل مع مخاطر شبه مستحيلة.

رابعًا: الدرس المستفاد: الدرس الذي يقدمه لنا هذا المتحف، إداريًّا، هو أن (الرؤية الواضحة) حين تجتمع مع (التخطيط السليم)، وتُنفذها (فرق عمل كفؤة)، وتدعمها (إرادة سياسية) مصممة، فإن النتيجة تكون إنجازًا يتجاوز حدود الدولة ليصبح معلمًا للبشرية.

رسالة السلام (الرسالة والإرث)

الآن بعد أن رأينا المجد في الحضارة، والإصرار في القيادة والإدارة، نعود بالرحلة إلى نقطة البداية، إلى القلب، فما هو الإرث الحقيقي الذي تتركه هذه الحجارة العظيمة فينا؟

  • رسالة السلام:

إن مصر لم تكن يومًا مجرد دولة، بل كانت وستظل رسالة في وقتٍ يزداد فيه الصراع، وتُبنى فيه الجدران، يأتي هذا المتحف ليُعلمنا درسًا عظيمًا في (الإنسانية المشتركة):

  • مصر ليست حِكرًا: هذه الآثار ليست ملكًا للمصريين وحدهم، بل هي وديعة للبشرية جمعاء، هي جسر يربط جميع الثقافات من الشرق إلى الغرب.
  • حضارة التعايش: هذه الحضارة التي نراها قائمة على التكامل، على علمٍ اجتمع فيه الكاهن والمُهندس، والقائد والفلاح، هذا هو فقه التعايش الذي نحتاجه اليوم؛ حيث تتسع الأوطان لجميع أبنائها، وتتسع قلوبنا للآخر.
  • تذكرة بالبقاء: الحضارة المصرية لم تكن حضارة (صراع واندثار)، بل كانت حضارة (نيلٍ وعمران)، رسالتها لنا: البقاء ليس في القوة الغاشمة، بل في العطاء والبناء.
  • (الربط بين الأثر والدين)

{قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} [النمل: ٦٩]، يعلمنا القرآن الكريم أن التاريخ ليس مجرد قصص، بل هو سنن إلهية، هذه العظمة التي نراها في المتحف، تدعونا إلى:

  • التفكر في عظمة الخالق: مَن علّم الإنسان أن ينحت، وأن يبني، وأن يُخلّد؟ عظمة الصانع تُشير إلى عظمة المُبدع.
  • الاعتزاز لا الغرور: نعتز بتاريخنا، لكننا لا نغترّ، فالإنجازات العظيمة تدفعنا إلى مسئولية عظيمة تجاه الحاضر والمستقبل، لسنا أمة ماضٍ، بل أمة تتخذ من ماضيها "قوة دافعة" للمضي قدمًا.
  • مِحراب الإلهام: كل قطعة أثرية هنا هي مِحراب إلهام، تلهمنا أننا نستطيع، تلهمنا أن العمل الصالح يستمر، وتلهمنا أن مصر لا تموت؛ لأنها مبنية على فكرة الاستمرار والبقاء.
  • الإرث الذي نأخذه معنا:

لقد ترك لنا القدماء حجارة لنتعلم منها، فماذا سنترك نحن لأجيالنا القادمة؟ دعونا نخرج من هذا الخطاب وقد أخذنا معنا ثلاثة كنوز تضاهي كنوز توت عنخ آمون:

  • كنز الأمل: مصر قادرة على الإنجاز، مهما كانت التحديات.
  • كنز الوحدة: قوتنا في تعايشنا، في فريق العمل الواحد الذي ينجز المستحيل.
  • كنز الرسالة: أن نكون دائمًا منارة للسلام، والعلم، والبناء.

وفّق اللهُ مصرَ وأهلها لخير الأوطان والبشرية.

الخلاصة

المتحف المصري الكبير ليس صرحًا من حجارةٍ صامتة، بل روحٌ من حضارةٍ ناطقة، تَجَلٍّ لمعنى الاستخلاف، ودرسٌ في أن الأمم تُبنى بالعلم والاتحاد لا بالجدال والانقسام، فتعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم، أن نبني معًا وطنًا واحدًا يسكنه الجمال، ويظله السلام.

موضوعات ذات صلة

يستند إلى ترسيخ القيم الإنسانية والأخلاقية، والعمل على تحقيق التقدم من خلال العلم والاجتهاد والإبداع.

لا خلاف بين العلماء أن المصريين القدماء كانوا كبقية شعوب الدنيا منهم المؤمن ومنهم غير المؤمن.

افتتاح المتحف المصري الكبير يعد حدثًا ضخمًا، ورسالة روحية من قلب مصر إلى ضمير الإنسانية.

موضوعات مختارة