Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

النموذج المعرفي وتجديد الخطاب الديني (٣)

الكاتب

أ.د/ عليّ جمعة

النموذج المعرفي وتجديد الخطاب الديني (مقال 3)

يعد إدراك الواقع بعوالمه المتداخلة ركيزة أساسية لتجديد الخطاب الديني المعاصر، عبر بناء نموذج معرفي يربط بين السنن الإلهية والحقائق العلمية والكونية، يستعرض المقال ضرورة الانتقال من العقلية الخرافية إلى المنهجية العلمية المنضبطة بالأخلاق والمقاصد الشرعية لتحقيق عمارة الأرض ورفاهية الإنسان.

إدراك عوالم الواقع الخمسة وعلاقاتها البينية

إدراك الواقع بعوالمه المختلفة جزء من أجزاء تجديد الخطاب الديني، ولا بد علينا من تحديد معنى الواقع المعيش الذي نحياه ونتعامل معه، والواقع له عوالم خمسة عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الأحداث، وعالم الأفكار، وعالم النظم، ويمكن أن نضيف إليها كلَّ يوم ما يتناسب مع استقراء الواقع، وتحليل مكوناته.

كما أنه لا بد علينا أن ندرك أن هذه العوالم الخمسة في غاية التركيب والتداخل، وليست منفصلة بأي صورة من الصور، مما يَجعل من إدراك العلاقات البينية بين كل عالَم فيها مع العوالم الأخرى جزءًا لا يتجزأ من فهم الواقع الفهمَ الدقيق الواضح، وأيضًا لا بد علينا أن ندرك أن هذه العوالم ليست ثابتة؛ ولذلك فلا بد من تفهمها في تغيرها الدائم المستمر، باعتبار أن هذا من سنن الله في كونه: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَیۡهَا فَانࣲ﴾ [الرحمن: ٢٦].

المنهج العلمي التجريبي وضوابطه الأخلاقية

إن عالم الأشياء يحتاج إلى منهج في التعامل معه، مردُّه إلى العلم التجريبي الذي حقق عند المسلمين وغير المسلمين نجاحًا باهرًا في تسخير الكون، والاستفادة منه، وتحصيل القوة في مجال الصحة، والحياة اليومية، والعلم... إلخ، نحو حياة أفضل، والعلم التجريبي يجب أن نتخذه في ظل مفاهيم واضحة وهي:

(أ) أنه ليس هناك حدٌ للبحث العلمي من أي جهة كانت، فإن الأمر عامٌّ ومطلق في شأن تحصيل العلم، وذلك في آيتين حاسمتين؛ الأولى تفيد العموم، والأخرى تفيد الإطلاق؛ قال تعالى: ﴿قُلۡ سِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟﴾ [النمل: ٦٩]، فأمر بالسير على عمومه، وبالنظر على عمومه، وقال تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلَّذِینَ یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ﴾ [الزمر: ٩]

فأطلق العلم ولم يحدد ماذا يعلم؟ هل يعلم الكونيات، أو الشرعيات، أو المفيد، أو غير المفيد؟

(ب) ومن المناسب أن ننبه أن العلم في لغة القرآن هو ذلك الذي يوصل إلى الله تعالى: ﴿إِنَّمَا یَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰۤؤُا۟﴾ [فاطر: ٢٨]، والعلماء جمع عليم، وليس جمع عالِم، فجمع عالِم: عالِمون، وجمع عليم: علماء، مثل حكيم وحكماء، وخبير وخبراء، وفقيه وفقهاء، قال تعالى: ﴿وَفَوۡقَ كُلِّ ذِی عِلۡمٍ عَلِیمࣱ﴾ [يوسف: ٧٦].

(ج) لا بد أن يلتزم التطبيق العلمي واستعمال العلم في الحياة بالأخلاق، والأوامر والنواهي الربانية التي تريد للإنسان حياة سعيدة قوية، تؤدي إلى التعمير، ولا تؤدي إلى التدمير، تؤدي إلى حرية الإنسان والاختيار، ولا تؤدي إلى سلب إرادته والإجبار، تؤدي إلى المساواة بين البشر، ولا تؤدي إلى عبادة بعض البشر للبشر، وهيمنة الشمال على الجنوب، والقوي على الضعيف، فلا نتوصل بالاستنساخ، أو الجينوم، أو الهندسة الوراثية، أو التدخل البيولوجي، أو علوم الفضاء إلى الفساد الاجتماعي، أو الهيمنة التي تحصل المصالح لبعضهم على حساب الآخرين، أو تؤدي الخريطة الجينية إلى التسلط على الإرادة، والتلاعب بالاختيار.

تحرير العقل من الخرافة ومناهج التجديد المنحرفة

(د) لا بد من التخلص من عقلية الخرافة، وهي العقلية التي لا تفرق بين المجالات المختلفة، ولا تقيم الدليل المناسب لإثبات القضية محل النظر، ولا تتبع منهجًا واضحًا محددًا من قبل في التعامل مع الحقائق، ولا تعتمد مصادر للمعرفة، وهذه العقلية الخرافية التي نريد أن نتخلص منها لا بد أن يكون ذلك في مجال الحس، ومجال العقل، ومجال الشرع، فهذه المناهج المختلفة التي تدعو إلى الانتحار، أو الانبهار، أو الاجترار، أو الانحسار، أو الاغترار مناهج مرفوضة، فمنهج الانتحار الذي يؤدي إلى التكفير المؤدي في نهاية الطريق إلى التدمير والتفجير مرفوض، ومنهج الانبهار بالآخر، والتعدي على مصادر الشرع من كل غير متخصِّص بين الإفراط والتفريط حتى يخرج علينا من ينكر الإجماع، أو يخرج عن مقتضيات اللغة، أو عن هوية الإسلام، أو يحول الإسلام إلى لاهوت التحرر أو لاهوت العولمة.

ومنهج الانحسار الانعزالي الذي يؤدي إلى الفرار من الواقع الذي يشبه الفرار يوم الزحف منهج مرفوض أيضًا؛ باعتبار أن مخالطة الناس والصبر عليهم خير عند الله من العزلة؛ قال تعالى: ﴿فَصَبۡرࣱ جَمِیلࣱۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وقال رسول الله ﷺ: «المُسْلِمُ إِذَا كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ ‌وَيَصْبِرُ ‌عَلَى ‌أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ المُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» [أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، حديث: (٢٥٠٧)، وابن ماجه في "كتاب الفتن"، باب "الصبر على البلاء"، حديث: (٤٠٣٢)].

أما منهج الاجترار فإنه يتمثل في التمسك بمسائل التراث تمسكًا يحكي صورتها دون الوقوف عند مناهج التراث والتجريد أمامها، حتى يمكن تطويرها إن احتاجت إلى تطوير، أو الاستفادة بها حتى على حالها إن كانت تصلح لذلك.

فهو منهج (ماضوي) - إن صح التعبير - يريد بإصرار أن نتغاضى عن واقعنا، وأن نستمر في واقع قد تغيرت عليه الحياة، حتى رأينا كثيرًا من الناس يخرجون من دين الله أفواجًا؛ لظنهم أن هذا هو دين الله، وأن دين الله بذلك من طبيعته ألا يصلح لزماننا هذا، وهو وهم خاطئ ومخطئ، خاطئ لأنه مخالف للحق، ومخطئ لأنه مخالف للواقع.

أما منهج الاغترار؛ فنراه عند كثير من خارج الدراسات الدينية الأكاديمية، الذين أقحموا أنفسهم في مجال الكلام في الشرع الشريف؛ تشهيًا لإصلاح الدين بزعمهم تارة، أو للإدلاء بآرائهم التي يرونها مهمة تارة أخرى، وقد نراه أيضًا عند الدارسين الدراسات الشرعية في مراحلها الأولى، مع ظن لا يتناسب مع ظن العلماء الراسخين في العلم؛ حيث يعتقدون أن لهم الحق في تجديد الدين، غافلين عن قلَّة بضاعتهم الشرعية من ناحية، والمسافات الشاسعة بينهم وبين إدراك الواقع من ناحية أخرى، وهنا يجدر بنا أن ننبه على فارق مهم بين البحث (في) علم ما، وبين الكلام (عن) ذات العلم، والفرق بين (في) و (عن): أن (في) تستلزم استكمال العملية التعليمية بعناصرها الخمسة: الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي، وهي عملية تهتم بالمعرفة، وبالقيم، وبتربية الملكات، وتحتاج لكي يبرز نتاجها في الواقع إلى التفرغ، والتخصص، والأدوات، وطول الزمان، بالإضافة إلى الاستعدادات الفطرية من الذكاء باعتباره قوة ربط المعلومات، والحرص على تلقِّي العلم الذي يمكن أن نسمِّيه بالهمَّة، وبذل الجهد المستمر.

ولقد أشار الشافعي منذ القدم إلى هذا مما يبين أن المنهج العلمي لا يختلف في ذاته، وإنما قد يتطور في صياغاته، حيث قال:

أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ      سأُنبيكَ عن تأويلها ببيــــانِ        

ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبُلْغَةٌ      وإرشادُ أستاذٍ وطولُ زمانِ

والبُلغَةُ تعني التفرغ لطلب العلم، وأن عنده ما يكفيه من الأرزاق، وهو المعنى الذي قامت به الأوقاف الإسلامية عبر القرون، فكان من أهم جهاتها الصرف على التعليم، وعلى الصحة، وعلى الأمن الداخلي.

وهذا النمط من الاغترار هو أخطر الأنماط؛ لأنه قد حصل شيئًا من العلم الشرعي، إلا أنه لم تكتمل أدواتــه حتـــى يصل إلى مرتبة المجددين.

فقه الشخصية الاعتبارية ومرونة الأحكام بتغير الزمان

إن عالم الأشخاص قد برزت فيه الشخصية الاعتبارية التي يجب أن نهتم بدراستها دراسة أخرى غير ما ورد عن الشخصية الطبيعية في الفقه الإسلامي، فإن ما ورد في ذلك الفقه عن الشخصية الطبيعية صحيح، ولكن الشخصية الاعتبارية ينبغي أن يكون لها أحكام أخرى تتوافق مع مصالح الناس، وتحقيق المقاصد الشرعية؛ إنَّ سحب أحكام الشخصية الطبيعية على الشخصية الاعتبارية أمر لم يعُد مناسبًا، وفيه تغبيش على الواقع الذي نريد أن ندركه.

ولقد استقر في الفقه الإسلامي أن الأحكام تتغير بتغير الزمان إذا كانت مبنية على الأعراف الزائدة، والتقاليد المستقرة أو المتغيرة، فباختلاف تلك الأعراف والتقاليد من زمان لزمان، أو من مكان لمكان تتغير الأحكام، كما تقرر أن الأحكام تتغير بين ديار المسلمين، وغير المسلمين في مجال العقود؛ لأن المسلم الذي يقيم في بلاد غير المسلمين ينبغي عليه أن يمارس حياته بصورة طبيعية، ولا ينعزل في حارات من غير اندماج في مجتمعه، بــل يجب عليه هذا الاندماج؛ لأنه أولاً وأخيرًا مأمور بالدعوة إلى الإسلام بمقاله أو بأفعاله أو بحاله.

وكما قال رسول الله ﷺ: «كلُّ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ له»، [متفق عليه؛ أخرجه البخاري في "كتاب التوحيد"، باب "قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ یَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرࣲ﴾ حديث: (٧٥٥١)، ومسلم في كتاب "القدر"، باب "كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته" حديث: (٢٦٤٩) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه]، ولا يتحقق له ذلك إلا إذا اختلفت أحكام العقود التي بينه وبين غير المسلمين في ديار غير المسلمين عن أحكام ذات العقود نفسها في ديار المسلمين، وهو مذهب أبي حنيفة، قال: ما دام ذلك برِضا أنفسهم، وقال: لأن هذه الديار ليست محلاً لإقامة الإسلام، وهي نظرة واقعية للحياة من ناحية، ولطبيعة الدين الإسلامي في دعوته بالأسوة الحسنة من ناحية أخرى؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰاۗ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والرسول في حقيقته إنما بعث - كما قال عن نفسه - رحمةً مهداة؛ قال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فلا بد أن يكون أتباعه كذلك.

٤- عالم الأحداث: والخطاب الديني يجب أن يتعلم تحليل المضمون، وكيفية استعمال هذا التحليل، وقد ورد في الحديث النبوي عن حكمة آل داود: «‌عَلَى ‌الْعَاقِلِ ‌أَنْ ‌يَكُونَ ‌عَالِمًا بِزَمَانِهِ، مَالِكًا لِلِسَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ». [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤ / ٢٦٨)، رقم (٥٠٤٧)، وهناد في «الزهد» (٢/ ٥٨٠)، رقم: (١٢٢٦)، ومعمر بن راشد في «جامعه» (۱۱/ ۲۲)، واللفظ له].

وعالم الأحداث مركب في الحقيقة من الأشياء، والأشخاص، والوقائع، والعلاقات البينية، وهو أكثر العوالم تداخلاً وتسارعًا؛ حتى نرى أن وكالات الأنباء الستة الكبرى تبث كل يوم ۱۲۰ مليون معلومة أغلبها أحداث؛ مما يبين أهمية هذا الجانب، ونحن هنا ننبه إليه فقط، فنتكلم بشيء (عنه) ولا نتكلم بشيء (فيه).

مقاصد الشريعة كإطار للنموذج المعرفي الكلي

عالم الأفكار والنظم، وعسى أن نُفرد لهذا المجال كلامًا مستقلاً؛ لشدة أهميته، وباعتباره أساسًا لكثير من السلوكيات والتطبيق.

إن إدراك هذه العوالم لا يكفي وحده دون إقامة عِلم ديني لإدراك العلاقات البينية، والاستعداد لتداخلها، ووضع الطرق المناسبة التي تحقق مقاصد الشرع الشريف؛ من حفظ النفس، والعقل، والدين، وكرامة الإنسان، وحفظ المِلك على الناس، وهي المقاصد العليا التي أشار إليها الأصوليون، والتي أفردها الشاطبي في كتابه "الموافقات"، وهي التي أيضًا تمثل فكرة تقارب فكرة النظام العامِّي في النظم القانونية المعاصرة.

ومن مُجمل ما ذكرنا يتضح لنا أهمية دراسة النموذج المعرفي، سواء في جانب الرؤية الكلية، أو السنن الإلهية، أو القيم العليا، أو المبادئ القرآنية، أو إدراك الواقع من خلال ذلك كلِّه، مع الحفاظ على الهُوية الموروثة، التي تمثل الحقيقة عند المسلمين.

الخلاصة

يتطلب التجديد الحقيقي فهماً عميقاً للعلاقات بين الأشياء والأفكار والنظم، مع الحفاظ على الهُوية الموروثة، في إطار مقاصد الشريعة العليا (حفظ النفس، والعقل، والدين ...)، إن دمج الرؤية الكلية للوحي مع استقراء الواقع المتغير هو السبيل الوحيد لتقديم خطاب دينيٍّ يستوعب العصر، ويحقق نفعية العلم، ورحمة الإسلام للعالمين.

موضوعات ذات صلة

"النموذج المعرفي الإسلامي" ركيزة لتجديد الخطاب الديني وحفظ الهوية، عبر إجابات واعية عن أسئلة الوجود الكبرى.

يعالج المقال ضرورة إرساء "علم الخطاب الإسلامي" كأداة شرعية وعصرية للحفاظ على الهوية المسلمة في ظل عالم أصبح قرية واحدة.

يؤصل الدكتور علي جمعة لضرورة الانتقال من العشوائية إلى العلمية في تبليغ الدين.

موضوعات مختارة