Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

توليد العلوم فرض على المسلمين (٢)

الكاتب

أ.د/ علي جمعة

توليد العلوم فرض على المسلمين (2)

يعالج المقال ضرورة إرساء "علم الخطاب الإسلامي" كأداة شرعية وعصرية للحفاظ على الهوية المسلمة في ظل عالم أصبح قرية واحدة، مؤكدًا أن تطوير العلوم ليس ترفًا، بل فريضة تمليها مقتضيات الوجود لمواجهة الهيمنة وتصحيح المسار من الداخل أولًا.

ضرورة العلم الجديد في عصر العولمة

هل المسلمون في حاجة إلى علم جديد يقال له: "علم الخطاب الإسلامي" حقا؟ والإجابة عندي: نعم، إنهم في حاجة إلى ذلك المقتضيات وجودهم، والحفاظ على هويتهم وبقائهم وسط العالم الذي أصبح قرية واحدة، والذي وصل من خلال المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة إلى ما ترى من الجوار، وتأثر بعضه ببعض حتى كادت الحواجز بين الشأن الداخلي والخارجي تتلاشى، وحتى رأينا حجج احتلال أرضنا بالعراق والتهديد باحتلال غيرها هو التأثر بما يجري في الداخل من أمور، ولم يعد مجديا نفعا التمسك بأنه أمر داخلي، ومع رفضنا لهذا المبدأ الذي يستعمله القوي في فرض هيمنته الاستعمارية وتحصيل مصالحه الاقتصادية، فإننا لا بد أن نعمل على ما يغير حالنا في طريق الله؛ حتى ينظر الله إلينا بعين الرحمة، ويغير ما بنا، ويوفقنا إلى ما يحب ويرضى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَاۤ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمࣲ سُوۤءࣰا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]. 

التأصيل الأكاديمي والتعاون المؤسسي (مؤتمر الكويت)

ولقد حضرت مؤتمرًا في دولة الكويت نظمته كلية الشريعة والدراسات الإسلامية هناك تحت عنوان "الخطاب الإسلامي في خضم الأحداث والمستجدات"، وذلك في الفترة من ۱۷ - ۱۸ مايو ۲۰۰٤م، وتقدمت فيه ببحث عن أصول هذا الموضوع، ودعوت فيه إلى إنشاء علم جديد بعنوان: "الخطاب الإسلامي"، ولقد وافق المؤتمرون من العلماء على هذا الاقتراح، وجعلوه في توصياتهم، وهو ما يبين أهمية هذه الدعوة، ووجوب الإسراع في تبنيها، وإدخال هذا العلم ضمن ما يدرس في الكليات الشرعية بالجامعات الإسلامية، خاصة جامعة الأزهر، وسرعة تعاون العلماء على الكتابة فيه وإثرائه، وعلى استمداده من علوم عدة يتعاون في ذلك جماعة العلماء حتى يتضح هذا العلم وتقوم له قائمة.

 ومن بحوث ذلك المؤتمر - الذي حضره من مصر : أ.د أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، و أ.د نبيل غنايم الأستاذ بكلية دار العلوم، و أ.د إبراهيم عبد الرحيم الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، ومن السودان أ.د عصام البشير وزير الأوقاف، ولفيف من العلماء من سويسرا وفرنسا وتونس والسعودية وسوريا، بالإضافة إلى علماء كلية الشريعة بالكويت من أقطار شتى - ما يمكن أن يستفاد منه في بناء إطار عام لذلك العلم، أبتدئ وأخص بالذكر بحث أ.د/ أحمد جاب الله عميد الكلية الأوربية للدراسات الإسلامية بباريس، وكان تحت عنوان: "انفتاح الخطاب الإسلامي ومتطلبات المرحلة المعاصرة" الذي أكد فيه على أهمية الخطاب الإسلامي في مجال العلاقات الإنسانية.

وذكرني بأستاذنا المرحوم د. ماهر عليش عندما حكى لنا وهو يُدرس مادة العلاقات الإنسانية، أنه ذهب إلى الولايات المتحدة لنيل درجة الدكتوراه في مادة العلاقات الإنسانية التي لم يكن قد مضى على ولادتها أكثر من ثلاثين عاما، فذهب إلى المكتبة بالجامعة التي يدرس بها؛ ظانا أنه سيجد فيها كتابين أو ثلاثة أو عشرة سينتهي من قراءتها ثم يحضر الدكتوراه ويعود إلى مصر خلال ستة أشهر، وسأل أمين المكتبة عن كتب "العلاقات الإنسانية" وطلب منه إحضارها مهما بلغت، فاصطحبه إلى أحد أدوار المكتبة الذي يمثل دائرة كبيرة تسير حولها سيارة، وقال له: كل ما أمامك من كتب من الأرض إلى السقف بطول هذا الطابق كله في العلاقات الإنسانية.

لم يذكر لنا د. ماهر عليش هذه الرواية للتسلية، ولا لأن نفتح أفواهنا دهشًا وتعجبًا من العلم الذي لا يعرف النهاية، بل ذكرها ليربي فينا ملكة أساسية لشهوة المعرفة، وحب الاطلاع والبحث والتأليف والمعرفة، رحم الله الأستاذ؛ فقد كان مؤمنا بالله ورسوله، عاشقا لمصر.

خصائص الخطاب الإسلامي وضوابط الانفتاح

ثم تكلم أ.د/ أحمد جاب الله عن تعدد طرائق الخطاب، وعن خصائص الخطاب الإسلامي، وذكر أنه خطاب يحقق البلاغ المبين، وفيه صفة الحكمة، وصفة الرفق، ويراعي شخصية السامع، ويلتزم مبدأ الحرية ومبدأ الاعتدال، ويتجنب إثارة العداوة وردود الفعل السلبية، ويلتزم التواضع، ولا يضيق بالمعارضة والسؤال، وهو خطاب منفتح؛ لأنه يؤمن بواقع الاختلاف بين الناس، وحق الآخر في اعتقاده بصواب ما يعتقد، ويقوم بواجب الشهادة على الناس، ويعلم أنه في عصر الإعلام المفتوح والعولمة، وهذا الانفتاح يقتضي أن ينطلق الخطاب من القناعة لدى المتكلم والاستعداد لاستيعاب وتفهم حجة المخالف، والاستفادة من التواصل مع الآخر بمراجعة النفس، وتصحيح الخطأ، وإبراز نقاط الالتقاء مع المخالف.

وخلص من هذا كله إلى وجوب التخصص والتعمق والبعد عن التعميم والسطحية، ودعا إلى الجمع بين الأصالة والتجديد وإلى العناية بالبُعد الإنساني في الخطاب الإسلامي، وإلى التصدي بشجاعة للقضايا المثارة، وتغليب المنطق العلمي القائم على الإقناع بدل الخطاب الإنشائي، والجمع بين المثالية والواقعية، وإبراز الأبعاد التربوية والروحية والحضارية في الخطاب الإسلامي، وتجديد الخطاب الوعظي شكلًا ومضمونًا، وحسن الاستفادة من تقنيات الخطاب المعاصر ووسائله، وأهم نقطة في ذلك كله إخضاع الخطاب الإسلامي إلى التقويم الدائم.

وأكد في هذه النقطة الأخيرة أن وصف الخطاب الإسلامي لا يعني أنه فوق النقد المستمر الذي يؤدي إلى تحسين صياغته، وإعادة ترتيبه والعمل على تصحيح مساره إن حدث ثمة ما يشينه أو يجعله قاصرًا أو مقصرًا، وهي مسألة في غاية الأهمية غابت عن كثير من المتصدرين للخطاب الإسلامي، بل والناقدين لهم؛ حيث شعر الناقد نفسه وكأنه ضد الإسلام لما كان معترضًا على صوغه وخطابه؛ لأن الحق في الفكرة لا يقتضي صوابًا في صياغتها وحسن عرضها، بل قد تكون الفكرة غاية في القوة، ويُساء التعبير عنها صيغة وأسلوبًا فتفقد قوتها، على تعبير الدكتور أحمد جاب الله في بحثه المذكور.

تفكيك أزمة التطرف وفقدان المرجعية (نموذج الجهاد)

ثم ذهبتُ مع جماعة من العلماء والمفكرين إلى لندن في الفترة من ٦-١٤ يونيو ٢٠٠٤م لمناقشة صورة الإسلام والمسلمين مع بعض المهتمين من أهل الفكر والعلم والسياسة والاجتماع، فازداد يقيني في وجوب إنشاء ذلك العلم الذي سيعالج تلك القضايا الخاصة المعقدة المركبة التي حيرت الغرب، وجعلته مع موروثه الحضاري المصادم والمستعمر لبلاد المسلمين في غاية الاضطراب والتخبط في المعاملة حتى مع مواطنيه.

وجدت مشكلة الجيل الثالث وما بعده الذي هاجر أجداده من شبه القارة الهندية وغيرها، وشارك في الثورة الصناعية، وشارك أبناؤهم في الحروب التي خاضتها بريطانيا، وولد هذا المسلم لا يعرف وطنًا سوى هذه الأرض؛ وإذ بالرغم من كل ما تعلمه ونشأته هذه النشأة يذهب لأعمال انتحارية هنا وهناك، والعقل الإنجليزي غير قادر على استيعاب هذه المعضلة، ويخرج له من يقول له: إن الإسلام في ذاته هو السبب؛ لأنه دين صدامي. ويقول برنارد لويس: إن الإرهابيين يطبقون الإسلام، وليس أنهم قد انحرفوا عنه، وتبدأ الحيرة لدى غير المسلمين؛ لأنهم رأوهم معمرين سالمين، وفجأة يخرج منهم هذا الصنف، ويكون برنارد جاهزًا بتفسيره هذا، بل إن بعضًا ممن أسماؤهم أسماء المسلمين في حيرة أيضًا ينشرون هنا وهناك ما يدل على قيام شبه التناقض في أذهانهم.

إن علم الخطاب سوف يؤكد على مفاهيم كثيرة تفسر هذه الحالة على وجهها، وتجعلها حالة خلل، وتبين وجه هذا الخلل من غير حاجة للحيرة، سيؤكد علم الخطاب على مفهوم الأمة، ولكنه سيؤكد أيضًا على مفهوم المرجعية وعلى مفهوم التخصص، وعلى الفرق بين علم الدين والتدين، وسيؤكد على مفهوم الشروط التي لا يصح العمل إلا بها؛ فالصلاة لا تجوز بغير وضوء ولو صلى مائة ركعة، ولا لقبلة غير الكعبة ولو صلى ألف ركعة، ولا قبل دخول الوقت المعتبر شرعًا، وكذلك الجهاد لا يجوز إلا تحت راية، وعندما فقدت الراية فلا جهاد، وسيتحول إلى قتل بدل أن يكون قتالًا ولو ادعى صاحبه أنه في سبيل الله.

ففقدان المرجعية والشروط هو سبب الظاهرة مع قيام مفهوم الأمة في ذهن ذلك الشاب، وهو مفهوم صحيح، ولكن لم يصله مقيدا بشروط العمل من خلاله؛ فاختل الميزان في يده، وأفسد أكثر مما أصلح.

التوفيق بين النصوص وضوابط العمل الشرعي

النبي صلي الله عليه وسلم في مكة جاءه خباب يشكو إليه ويطلب النصرة، يقول خباب بن الأرت: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‌وَهُوَ ‌مُتَوَسِّدٌ ‌بُرْدَةً ‌لَهُ ‌فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: (قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». [رواه البخاري].

وقد ثبت في السنة النبوية: أن عبد الرحمن بن عوف وأَصْحَابًا له أتوا النبي صلي الله عليه وسلم بمكة فقالوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي عزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فلما آمَنَّا ‌صِرْنَا ‌أَذِلَّةً. فقال: «إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ فَلَا تُقَاتِلُوا». [رواه النسائي].

وقال الله تعالى - وكأنه يخاطب أولئك الجهلة الذين أعماهم الحماس عن الطاعة لربهم: ﴿وَلَوۡلَا رِجَالࣱ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَاۤءࣱ مُّؤۡمِنَٰتࣱ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَءُوهُمۡ فَتُصِیبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَیۡرِ عِلۡمࣲۖ لِّیُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِی رَحۡمَتِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ لَوۡ تَزَیَّلُوا۟ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِیمًا﴾ [الفتح: ٢٥]. 

والذي تحير في تناقضه بين نصوص الكتاب المؤكدة للجهاد، ونصوصه المؤكدة للتسامح والعفو والصفح وقبول الآخر - لم يعرف شروط كل منهما، وانفكاك الجهة يجعل الاختلاف اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.

نؤكد مرة أخرى على وجوب إقامة هذا العلم؛ عسى أن نرى مؤلفاته خلال عشرين سنة قادمة قد ملأت طابقًا بكامله في مكتبة كبرى، أو حمل على CD حتى امتلأ به حمولة جهاز الكمبيوتر.. آمين.

الخلاصة

يخلص الدكتور علي جمعة إلى أن بناء "علم الخطاب" هو المخرج العلمي لضبط الانفلات الفكري؛ حيث يضع المرجعية والتخصص كشروط للعمل، مبينًا أن "انفكاك الجهة" يرفع التناقض الموهوم بين نصوص الجهاد والتسامح، لننتقل من العاطفة إلى العلم ومن الفوضى إلى الانضباط الفقهي الحضاري.

موضوعات ذات صلة

يؤصل الدكتور علي جمعة لكون التفكير نعمةً ومسئوليةً شرعية تستوجب إظهار أثرها بالبيان.

يؤصل الدكتور علي جمعة لضرورة الانتقال من العشوائية إلى العلمية في تبليغ الدين.

"النموذج المعرفي الإسلامي" ركيزة لتجديد الخطاب الديني وحفظ الهوية.

موضوعات مختارة