تُعد قيمة العدل في التصور الإسلامي حقيقة مطلقة عابرة للزمان والمكان والمجالات، فهي ليست مجرد خيار سياسي أو مصلحي، بل هي صفة إلهية تلزم المؤمن بالاستقامة الأخلاقية الثابتة ورفض التدليس الذي يمارسه دعاة النسبية تحت مسمى "الواقعية".
تُعد قيمة العدل في التصور الإسلامي حقيقة مطلقة عابرة للزمان والمكان والمجالات، فهي ليست مجرد خيار سياسي أو مصلحي، بل هي صفة إلهية تلزم المؤمن بالاستقامة الأخلاقية الثابتة ورفض التدليس الذي يمارسه دعاة النسبية تحت مسمى "الواقعية".
ومنظومة القيم من باب المطلق، فمفهوم العدل ثابت عبر العصور، وثابت أيضًا في كل المجالات، فالعدالة الاجتماعية لا يفرق بينها وبين العدالة في القضاء أو في السياسة أو في الفكر، والخروج عن العدالة في أي مكان أو في أي زمان أو في أي مجال يعد ظلمًا وزورًا، وهذه الحقيقة البسيطة قد أصبحت محل نظر من خلال عقائد نسبية تمسك بها أصحابها، فرأيناهم يتخلون عن العدل من أجل القوة أو المصلحة، أو بعض المواقف الشخصية، ولا يعدون ذلك ظلمًا بل يسمونه بالواقعية، وسياسة الأمر الواقع، والمصلحة العليا... إلى آخر هذه العبارات التي إن دلت على شيء فإنما تدل على التدليس والغش.
ومجموعة النصوص التي تثبت العدل وتقره قطعية، تتمثل في قوله تعالى : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِیتَاۤئِ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَیَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡیِۚ یَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، وفي قوله: ﴿وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُوا۟ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُوا۟ۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله سبحانه : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُوا۟ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا یَعِظُكُم بِهِۦۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِیعَۢا بَصِیرࣰا ﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله: ﴿وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَءَانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ۚ ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ﴾ [المائدة: ٨].
ومن السنة قول النبي ﷺ: «لَا تَزَالُ هَذِهِ الأمَّة بِخَيْرٍ مَا إِذَا قَالَتْ صَدَقَتْ، وَإِذَا حَكَمْتَ عَدَلَتْ، وَإِذَا اسْتُرْحِمَتْ رَحِمَتْ» [أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (۷/۹۸) حديث (٤٠٤٠)، والطبراني في "الأوسط" (١/ ٢٤٣) حديث (٧٩٥) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/١٩٦) وسكت عنه]، وقوله: «الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، [متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب "المظالم والغصب" باب "الظلم ظلمات يوم القيامة" حديث (٢٤٤٧)، ومسلم في كتاب "البر والصلة والآداب" باب "تحريم الظلم" حديث (٢٥٧٩) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]، وكذلك ما يرويه عن رب العزة، حيث قال تعالى: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا»، [أخرجه مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب" باب "تحريم الظلم" حديث (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه]، وقد سئل النبي: «مَا الْعَصَبِيَّةُ؟ فقَالَ: أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ»، [أخرجه أبو داود في كتاب "الأدب" باب "في العصبية" حديث (٥۱۱۹)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/٩٨) والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠ / ٢٣٤) من حديث وائلة بن الأسقع رضي الله عنه]، والعدل من أسمائه تعالى.
وكثيرا ما يمثل عدم إدراك معنى النسبي والمطلق عائقًا لفهمنا لكثير من المواقف غير المنطقية التي تحدث يوميا في السياسة العالمية أو في مواقف الدول والعلاقات الدولية؛ بناء على أننا آمنا بالمطلق وجعلناه مقياسًا للحق، وأننا لا نتصور أن أحدًا من العقلاء يتلون هذا التلون العجيب من النقيض إلى النقيض بدون أي تأنيب ضمير أو مراجعة لتصرفاته، بل إنه مقتنع بما يفعل ماض في ذلك.
ففي حلقة نقاشية مع مؤسسة ألمانية حول قضية العدالة ذكرت أن العدل في الإسلام اسم من أسمائه تعالى، وعلق أحدهم على ذلك بأن هناك في العقائد اليونانية القديمة إله العدل، وفهمت حينئذ الفرق بين النسبي والمطلق، وكيف أن إله العدل هذا الذي لا وجود له، والذي كان مجرد صورة في أذهان من أنشأه - قد تغير بتغير تلك الصورة، وتغير أيضًا عندما فهم الناس أنه ليس هناك آلهة متعددة.
أما العدل الذي هو صفة من صفات الباري سبحانه وتعالى فهو يلزمنا بالعدالة؛ لأنه قد ألزمنا أن نتخلق بأخلاقه وأن نمتثل أوامره امتثالًا ثابتًا؛ لأنه سبحانه هو الباقي، وعرفت مدى استعداد هذا العقل - الذي كان يؤمن أولًا بآلهة متعددة -لقبوله لهذه النسبية المفرطة، ثم جرنا الحديث إلى مدى تطبيق العدل على القضية الفلسطينية؛ وإذ بأحد المعقبين يقول: إن تمسككم بالعدل هو الذي يعطل القضية، فيجب عليكم أن تجلسوا للمفاوضات وأن تقبلوا بالممكن والمتاح.
إن العدل في الإسلام يتجاوز المفهوم البشري النفعي ليصبح تكليفًا إلهيًا لا يقبل المساومة، وأن الانزلاق نحو "النسبية المفرطة" في السياسة الدولية ليس إلا غطاءً لتمرير الظلم، مما يحتم التمسك بالمطلق القيمي كصمام أمان للحقوق والوجود.
يقوم العقل المسلم على التمييز الدقيق بين الذات الإلهية المطلقة، والقيم الثابتة وبين المتغيرات النسبية المرتبطة بالزمان والمكان.
يرتكز فهم النص القرآني على الانضباط اللغوي الذي يجمع بين ثبات "المعنى الأصلي" ومرونة "المعنى التابع".
يؤصل الدكتور علي جمعة لكون التفكير نعمةً ومسئوليةً شرعية تستوجب إظهار أثرها بالبيان.