يرتكز فهم النص القرآني على الانضباط اللغوي الذي يجمع بين ثبات "المعنى الأصلي" ومرونة "المعنى التابع"، مما يضمن بقاء هداية الوحي متصلة بالواقع دون الانزلاق نحو التفسيرات الباطنية التي تهدر حقيقة النص أو تجعله رهينًا للفهم الرمزي الضيق.
يرتكز فهم النص القرآني على الانضباط اللغوي الذي يجمع بين ثبات "المعنى الأصلي" ومرونة "المعنى التابع"، مما يضمن بقاء هداية الوحي متصلة بالواقع دون الانزلاق نحو التفسيرات الباطنية التي تهدر حقيقة النص أو تجعله رهينًا للفهم الرمزي الضيق.
والقرآن الكريم قد نزل بلغة العرب، وما دام هو نصا يتعلق فهمه بإدراك اللغة، فدائما يكون له معنى أصلي، ويكون له معنى تابع، أما المعنى الأصلي فهو ذلك المعنى الذي يمكن أن يترجم من لغة إلى لغة أخرى، والذي يستفاد من دلالة الألفاظ في صورتها المعجمية، ومن تراكيب السياق، وما يتبادر منها إلى ذهن أهل تلك اللغة، مع مراعاة التطور الدلالي للألفاظ، والذي نراه مختلفًا في اللغات المقدسة، ونعني بها تلك التي بها نصوص مقدسة تتعلق بالأديان كالعبرية، والآرامية، والسنسكريتية، والعربية وهو أمر يختلف عن قداسة اللغة، كما فصلنا ذلك في مقال (اللغة المقدسة وقدسية اللغة، نشر بالأهرام١١-٩- ٢٠٠٤م ).
والمعنى الأصلي تعدده محصور، أما المعنى التابع فهو أكثر تعددًا وأكثر احتياجًا إلى الضوابط التي لا تجعله يميل إلى الرمزية، أو يوغل في الإغراب، ومن شروطه المهمة أن لا يكر على المعنى الأصلي بالبطلان، بل يضيف إليه معنى جديدًا ينضم إليه ولا يلغيه، وقد يكون هذا هو الفارق المهم بين التصوف السني، الذي فهم معاني كثيرة من النصوص الشرعية -خاصة القرآن الكريم - ضمها إلى المعنى الأصلي الذي تمسك به، وبين الباطنية التي جعلت ذلك المعنى التابع قاضيًا على المعنى الأصلي؛ بحيث صار هو الأصل، والمعنى الأصلي هو الحجاب للفهم، ولقد ألف الإمام الغزالي كتابه "فضائح الباطنية" من أجل الكشف عن هذا المعنى، والرد عليهم، وبيان فساد مذهبهم؛ لأن مزية القرآن أنه جاء خطابًا للعالمين، فلا يمكن قبول نظرية التفسير الرمزي أو الباطني الذي يجعله مفهومًا عند بعض الناس، وغير مفهوم عند أكثرهم.
إلا أن اللغة قد اشتملت على ما أسماه علماؤها فيما بعد بالحقيقة والمجاز، أما الحقيقة فهو أن نستعمل اللفظ في معناه الذي وضعه واضع اللغة ابتداء، وواضع اللغة عند جماهير علماء المسلمين هو الله سبحانه وتعالى، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَاۤءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، والأسماء هنا هي ألفاظ وضعت بإزاء معان أو ذوات وأعيان معينة، وهذا هو حقيقة الوضع اللغوي، هو جعل اللفظ بإزاء المعنى، أما المجاز فهو استعمال ذلك اللفظ في معنى لم يوضع له، ويدل على ذلك قرينة، ولابد من وجود علاقة بين اللفظ وبين هذا المعنى.
ولقد عدوا هذه العلاقات التي يمكن أن تكون بين اللفظ وبين معانيه الأخرى سوى معناه الحقيقي، فوجدوها أكثر من خمس وعشرين علاقة؛ منها: دلالة اللفظ على جزء معناه، أو دلالته على معنى أعم، أو دلالته على المحل أو على الحال، أو باعتبار ما سيكون، أو باعتبار ما كان... إلى آخر هذه العلاقات التي اهتم بها علماء البلاغة، واهتم بها أيضًا علماء أصول الفقه، من أجل فهم صحيح مؤسس على منهج علمي رصين للنص الشرعي، سواء أكان كتابًا أم سنة.
ولم يقع مفسرو القرآن في عمومهم في إنكار المجاز، فلم ينكر المجاز إلا الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، ثم تبعه بعد ذلك الشيخ ابن تيمية لتوجهات عقدية رآها، ولم يوافقه عليها جماهير العلماء وجل المفسرين، وبالرغم من ذلك أطلق العلماء قاعدة مهمة، وهي إن المجاز خلاف الأصل، فالأصل في الكلام هو الحقيقة، ومعنى هذا أن أغلب الكلام إنما يكون على الحقيقة، وأن السامع يحمل الكلام المسموع ابتداء على الحقيقة، فالحقيقة هي التي تتبادر بالذهن أولًا، ووضع علماء الأصول في هذا المقام قاعدة جليلة تشتمل على وظيفة اللغة من ناحية وعلى ما من الله علينا به من فائدة الكلام، وقالوا: الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما.
ففي هذه العبارة المختصرة قرار بثبات اللغة التي كتبت بها النصوص، وفيها أيضا إقرار الحرية للمتكلم في استعمال كلامه لما يريد أن يعبر عنه، وأن ينقله للآخرين، وفيها أيضًا إشارة إلى وظيفة التلقي التي يقوم بها السامع، والتي يتاح له فيها أن يحمل الكلام على ما يمكن أن يحتمله، وشرح هذه العبارة له تعلق قوي بقضية النسبي والمطلق، وله تعلق كذلك بصلاح القرآن لكل زمان ومكان، وبالاحتياج الشديد لأدوات منهجية لتفسير القرآن لا تؤدي إلى إنكار نسبية الواقع والإغراق في الإطلاق، ولا تؤدي كذلك إلى انفراط التفسير بحيث لا يبقى للدين هوية ويقول فيه كل من شاء ما شاء؛ لأن هذا ضد أصل المعتقد، وأصل الواقع من لزوم بقاء المطلق والنسبي أثناء إدراكنا للنص وإدراكنا للواقع، والوصل بينهما.
ولقد قررنا في مرات كثيرة أن هناك معنى صالحًا في إطلاقهم كتاب الله المسطور على القرآن، وكتاب الله المنظور على الكون، وأشرنا إلى التطابق بينهما، وهو يعني أنهما قد صدرا من الله القرآن صدر من عالم الأمر، والكون صدر من عالم الخلق، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
ولقد قررنا في مرات كثيرة أن هناك معنى صالحًا في إطلاقهم كتاب الله المسطور على القرآن، وكتاب الله المنظور على الكون، وأشرنا إلى التطابق بينهما، وهو يعني أنهما قد صدرا من الله القرآن صدر من عالم الأمر، والكون صدر من عالم الخلق، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
إن الجمع بين ثبات الوضع اللغوي ومرونة الاستعمال المجازي، مع الربط بين الوحي والكون، يمثل المنهجية المثلى لفهم النص الشرعي، وبذلك يظل القرآن حيويًا في مواجهة تغيرات الزمان والمكان مع الحفاظ على جوهره المطلق.
يقوم العقل المسلم على التمييز الدقيق بين الذات الإلهية المطلقة، والقيم الثابتة وبين المتغيرات النسبية المرتبطة بالزمان والمكان.
يعد إدراك الواقع بعوالمه المتداخلة ركيزة أساسية لتجديد الخطاب الديني المعاصر.
يؤصل الدكتور علي جمعة لضرورة الانتقال من العشوائية إلى العلمية في تبليغ الدين.