Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أثر الجهل بسبب النزول

الكاتب

أ. د/ محمد السيد جبريل

أثر الجهل بسبب النزول

إن معرفة أسباب النزول ركنٌ أساسٌ في فهم النصوص الشرعية؛ إذ بها يُكشف الغموض ويُزال الإشكال، وقد اختلف العلماء: هل الجهل بالسبب يُعطِّل العمل بالآيات؟ أم أن العبرة بعموم اللفظ؟ هذا البحث يُجلي الحقيقة، ويُبطل دعوى تعطيل الأحكام بالجهل بالتاريخ، ليُثبت أن شريعة الله باقيةٌ لا تُعطَّل بجهل الأسباب.

عموم اللفظ وخصوص السبب

سبق بيانُ اتفاقِ العلماء على شمول الحكم في اللفظ العام لسبب النزول وغيره، وأن القائلين بِقَصْر العام على سببه لا يقولون بِقَصْر الحكم على ذلك السبب، وانتفاء شموله لما عَدَاه؛ لأن اللفظ العام الوارد في الآية وإن ارتبط عند هؤلاء بِمُعَيَّن، وهو السبب الذي نزل عليه، إلا أنَّ الحكم لا يرتبط عندهم بعمل ذلك المُعَيَّن بذاته بل بنوعه، كل ما في الأمر: هو التفريق فيما يتعلق باستفادة الحكم للسبب المُعَيَّن وغيره.

فالقائلون بعموم اللفظ: يرون أن استفادة الحكم في الجميع بطريق النص، والقائلون بخصوص السبب: يرون أن استفادة الحكم في السبب بطريق النص، وفي غيره بطريق القياس.

ويتفرع عن ذلك: أنه إذا كان المُعْتَبَرُ في تطبيق الحكم نوعَ العمل في أفراده، لا صورة السبب بذاتها -وذلك لما بين صورة السبب وغيرها من التشابه- فإن الجهل بسبب النزول لا يتأتى أن يترتب عليه تعطيل العمل بالحكم الوارد في الآية، فليس معنى عدم الوقوف على أن هذه الآية قد نزلت في هذا الشخص بذاته، أو هذه الحادثة بعينها، ألا يطبق الحكم الذي تضمنته على من وُجِدت فيه عِلَّة تطبيق هذا الحكم، وذلك يُشبه أن يكون مُسَلَّمة في مجال الاستدلال الشرعي.

لكن ذهب البعض إلى أن عدم معرفة سبب نزول الآية يترتب عليه الجهل بمن نزلت فيه أولًا، وبما أن صورة السبب هي الأصل الذي يُقاس عليه، فإن العمل يتعذَّرُ فيمن نزلت فيه من جهة لعدم معرفته، ويتعذر في غيره لتعذر إمكان القياس على المجهول من جهة أخرى، وبذلك يؤدي الجهل بسبب النزول على التحديد إلى تعطيل العمل بما تضمنته الآيات من أحكام.

رأي الشيخ الزرقاني

وممن ذهب إلى ذلك: الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني رحمه الله تعالى، فنراه يقول في مَعرِض حديثه عن رأي من يقول بخصوص السبب لا بعموم اللفظ: "فآيات الظِّهار في مُفتتح سورة المجادلة سببها أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت حكيم بن ثعلبة، والحكم الذي تضمنته هذه الآيات خاص بهما وحدهما -على هذا الرأي- أما غيرهما فيُعلم بدليل آخر: قياسًا أو سواه، وبدهي أنه لا يمكن معرفة المقصود بالحكم، ولا القياس عليه إلا إذا عُلِم السببُ، وبدون معرفة السبب تصير الآية معطَّلة خالية عن الفائدة" [مناهل العرفان في علوم القرآن: ط دار الفكر- بيروت ١٤٠٨ هـ- ١٩٨٨ م: (١/ ١١٢، ١١٣)].

والحق أن الشيخ رحمه الله تعالى قد أسرف في هذا الحكم، كما أن المثال الذي ساقه لا يُساعده في تقرير ما ذهب إليه، لأنه كما سبق مِرارًا: الحكم في الآية منوط بأمر مُعَيَّن، إذا وقع هذا الأمر طُبِّقَ الحكم، وذلك في الجميع (صورة السبب وغيرها) إلا أنه في صورة السبب بالنص، وفي غيرها بالقياس، وما دام الأمر كذلك فمن التجاوز القول بإهمال العمل بحكم الآية، لأن ما يجري الحكم فيه نصًا لم يتميز عما يجري الحكم فيه قياسًا، ما دام الاتفاق على ثبوت الحكم في الجميع بدليل شرعي هو: النص أو القياس.

وبعبارة أخرى: فبالنسبة للمثال الذي ساقه الشيخ [أعني آية الظهار] وهي: قول الله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ} [المجادلة: ٢ ]، هل من المقبول القول بإهمال العمل بما تضمنته الآية من حكم الظِّهار، وما جاء فيها من وصفه بأنه منكر من القول وزور، وما ينبغي على المُظاهر من الكفارة المُبَيَّنة قبل أن يَمَسَّ امرأتَه .. إلى آخر ما في الآية؟

أقول: هل من المقبول إهمال العمل بهذا الحكم رأسًا إذا لم نعرف أن من نزلت فيه هذه الآية اسمه أوس بن الصامت، وأن زوجته اسمها خولة بنت ثعلبة، مع أنَّ الحكم في الآية ليس منوطًا بمعرفة مَن نزلت فيه، بل بمن يُظَاهر من زوجته بالصيغة المعروفة؟

وهل من المعقول كذلك: أنْ نُهمل مثلًا العمل بحكم اللعان الوارد في قول الله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ * وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ * وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ * وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ} [النور: ٦-٩]، ما لم نعرف أن مَن نزلت فيه الآيات اسمه هلال بن أمية، أو عويمر العجلاني، أو هما معًا كما سبق..؟ اللهم لا.

لكن .. لعل لِمَا قاله الشيخ الزرقاني ومن قال برأيه، وجهٌ في فوائد معرفة أسباب النزول من أنه: قد يتوقف فهم الآية ذاتِها على معرفة سبب نزولها، أو يُشْكَل أمرُها ما لم يُعرف هذا السبب، كما ذكرنا من قبل على سبيل المثال، في قول الله سبحانه: {وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ}[البقرة: ١٨٩]، وكذلك في قول الله تبارك وتعالى:{ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة:١٥٨ ].

فالصحيح إذن: أن الجهل بسبب نزول الآية -أي آية- لا ينبغي أن يؤدي إلى تعطيل العمل بمقتضى هذه الآية، وما تضمنته من أحكام عند القائلين بخصوص السبب لا بعموم اللفظ .. فضلًا عن غيرهم.

الخلاصة

إن الجهل بسبب النزول لا يُسقط الأحكام؛ لأن الشرع قائمٌ على عموم النصوص وقياس الفروع على الأصول، وآيات الظهار واللعان تُطَبَّق على كل من انطبقت عليه شروطها، سواء عُرف السبب أم جُهِل.

ومع أهمية معرفة السياق التاريخي، إلا أن تعطيل العمل بالقرآن لمجرد الجهل بالتاريخ قولٌ باطل، فالحكمة الإلهية اقتضت أن تكون أحكام القرآن خالدة، لا رهينةً بأشخاصٍ أو أحداث، فالمنهج الوسط يجمع بين فهم السبب والعمل بعموم اللفظ، تحقيقًا لعدل الشريعة وخلودها.

موضوعات ذات صلة

تبرز الأبعاد الزمنية لأسباب النزول -من فورية النزول أو تراخيه- كعامل حاسم في إدراك آلية التشريع القرآني

تُعدّ أسباب النزول أساسًا لفهم وتفسير آيات القرآن الكريم

أسباب النزول توضح الحكمة من نزول آيات القرآن الكريم، وهي مرتبطة بالأحداث أو الأسئلة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم

موضوعات مختارة