وممن ذهب إلى ذلك: الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني رحمه الله تعالى، فنراه يقول في مَعرِض حديثه عن رأي
من يقول بخصوص السبب لا بعموم اللفظ: "فآيات الظِّهار في مُفتتح سورة
المجادلة سببها أن أوس بن
الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت حكيم بن ثعلبة، والحكم الذي تضمنته هذه الآيات خاص
بهما وحدهما -على هذا الرأي- أما غيرهما فيُعلم بدليل آخر: قياسًا أو سواه، وبدهي
أنه لا يمكن معرفة المقصود بالحكم، ولا القياس عليه إلا إذا عُلِم السببُ، وبدون
معرفة السبب تصير الآية معطَّلة خالية عن الفائدة" [مناهل العرفان في علوم القرآن: ط
دار الفكر- بيروت ١٤٠٨ هـ- ١٩٨٨ م: (١/ ١١٢، ١١٣)].
والحق أن الشيخ رحمه الله تعالى قد
أسرف في هذا الحكم، كما أن المثال الذي ساقه لا يُساعده في تقرير ما ذهب إليه،
لأنه كما سبق مِرارًا: الحكم في الآية منوط بأمر مُعَيَّن، إذا وقع هذا الأمر طُبِّقَ
الحكم، وذلك في الجميع (صورة السبب وغيرها) إلا أنه في صورة السبب بالنص، وفي
غيرها بالقياس، وما دام الأمر كذلك فمن التجاوز القول بإهمال العمل بحكم الآية،
لأن ما يجري الحكم فيه نصًا لم يتميز عما يجري الحكم فيه قياسًا، ما دام الاتفاق
على ثبوت الحكم في الجميع بدليل شرعي هو: النص أو القياس.
وبعبارة أخرى: فبالنسبة للمثال الذي
ساقه الشيخ [أعني آية الظهار] وهي: قول الله تعالى: {ٱلَّذِينَ
يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ
أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ
مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ}
[المجادلة:
٢ ]، هل من المقبول القول بإهمال العمل بما تضمنته
الآية من حكم الظِّهار، وما جاء فيها من وصفه بأنه منكر من القول وزور، وما ينبغي
على المُظاهر من الكفارة المُبَيَّنة قبل أن يَمَسَّ امرأتَه .. إلى آخر ما في
الآية؟
أقول: هل من
المقبول إهمال العمل بهذا الحكم رأسًا إذا لم نعرف أن من نزلت فيه هذه الآية اسمه أوس بن الصامت، وأن زوجته اسمها خولة بنت ثعلبة، مع أنَّ الحكم في الآية ليس
منوطًا بمعرفة مَن نزلت فيه، بل بمن يُظَاهر من زوجته بالصيغة المعروفة؟
وهل من المعقول كذلك: أنْ نُهمل مثلًا
العمل بحكم اللعان الوارد في قول الله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ
يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ
فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ
ٱلصَّٰدِقِينَ * وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ
ٱلۡكَٰذِبِينَ * وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ
شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ * وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ
غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ} [النور: ٦-٩]، ما
لم نعرف أن مَن نزلت فيه الآيات اسمه هلال بن أمية، أو عويمر
العجلاني، أو هما معًا كما سبق..؟ اللهم
لا.
لكن .. لعل لِمَا قاله الشيخ الزرقاني ومن قال برأيه، وجهٌ في فوائد معرفة
أسباب النزول من أنه: قد يتوقف فهم الآية ذاتِها على معرفة سبب نزولها، أو يُشْكَل
أمرُها ما لم يُعرف هذا السبب، كما ذكرنا من قبل على سبيل المثال، في قول الله
سبحانه: {وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ
ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ
ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ}[البقرة: ١٨٩]، وكذلك في
قول الله تبارك وتعالى:{ إِنَّ
ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ
ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ
خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة:١٥٨ ].
فالصحيح إذن: أن الجهل بسبب نزول
الآية -أي آية- لا ينبغي أن يؤدي إلى تعطيل العمل بمقتضى هذه الآية، وما تضمنته من
أحكام عند القائلين بخصوص السبب لا بعموم اللفظ .. فضلًا عن غيرهم.