يتناول هذا المقال قضية عروبة لغة القرآن الكريم، ويبحث في مدى تأثير وجود ألفاظ معرَّبة أو أعجمية على فصاحته، ويعرض آراء العلماء بين من ينفي وجود المُعَرَّب ومن يراه جزءًا من التفاعل اللغوي المشروع.
يتناول هذا المقال قضية عروبة لغة القرآن الكريم، ويبحث في مدى تأثير وجود ألفاظ معرَّبة أو أعجمية على فصاحته، ويعرض آراء العلماء بين من ينفي وجود المُعَرَّب ومن يراه جزءًا من التفاعل اللغوي المشروع.
ترجم البخاري في جامعه الصحيح بابًا بعنوان (نزل القرآن بلسان قريش والعرب) وذكر فيه قوله تعالى:{قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا} [يوسف: ٢]، وقوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ} [الشعراء: ١٩٥] ثم ذكر طرفًا من حديث أنس -رضي الله عنه- في جمع القرآن، وفيه قول عثمان -رضي الله عنه-: "إذَا اخْتَلَفْتُمْ أنتُمْ وزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ في عَرَبِيَّةٍ مِن عَرَبِيَّةِ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهَا بلِسَانِ قُرَيْشٍ، فإنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا".
وما ذكره الإمام البخاري يكشف عن أنه يرى أن قريشًا لم يقتصر القرآن على لسانها، وإن كانت هي أسعد حظًّا به من غيرها؛ ولذا قدم لسان قريش ثم سائر العرب، ولا يعني هذا عندي ما ذهب إليه الطبري من تناكر ألسنة العرب وعدم ائتلافها بما يسبب اختلافًا في جواهر ألفاظها، وإنما أفهم منه اختلاف اللهجات في النطق بالألفاظ؛ ولذا لم أره حسنًا ما صنعه بعض الأئمة من عقد أنواع مخصوصة في كتبهم لما ورد في القرآن بغير لغة الحجاز، منهم الزركشي والسيوطي، فعدو سبعًا وثلاثين لغة، وما أحسب إلا الاتفاق في جواهر الألفاظ هو الذي سوغ جمع هذه الألسنة في لسان واحد في قوله تعالى: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ} [النحل: ١٠٣] وقوله في سورة الشعراء: {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ *عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ *بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ} [الشعراء: ١٩٣-١٩٥]، ولو كانت مختلفة الجواهر لجمعها كما في قوله تعالى: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ} [الروم: ٢٢] ولكن هذا لا يعني استيعاب القرآن لكل لهجات العرب، بل اصطفى منها ما لا تنفر الآذان منه، فقد نقل الزركشي عن قاسم بن ثابت [هو القاسم بن ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مطرف بن سليمان العوفي السرقسطي الأندلسي أبو محمد، عالم بالحديث واللغة والفقه، توفي سنة ٣٠٢هـ. فهرست ابن خير ص ١٩١، بغية الوعاة ص٣٧٤، نفح الطيب ٢٥٥/١ وكتابه الدلائل في غريب الحديث ومعانيه] في كتابه "الدلائل" أن من الأحرف ما لقريش ولكنانة ولأسد وهذيل وتميم وضبة وألفافها وقيس، ونقل قولًا آخر: أن مضر تستوعب اللغات التي نزل بها القرآن؛ لأن قبائل مضر تستوعب سبع لغات وتزيد.
ونقل الزركشي عن ابن عبد البر: أن قومًا أنكروا كون كل لغات مضر في القرآن؛ لأنها تشتمل على شواذ لا يقرأ بها: كشكشة قيس وهي قلب الكاف شينًا، وعنعنة تميم وهي قلب الهمزة عينًا، وكذلك إبدالهم السين تاء، وما نقل عن عثمان أن القرآن نزل بلسان مضر معارض بحديث أنس أنه نزل بلغة قريش. [البرهان في علوم القرآن، للزركشي، ج١، ص٢١٩ فما بعدها]
وقد ذكر أبو نصر الفارابي في كتابه (الألفاظ والحروف) أن أحسن لسان لسان قريش وأجوده وأسهله، وعنها أخذ اللسان العربي من قيس وتميم وأسد، فهؤلاء هم أكثر من أخذ عنهم، وتركت قبائل لمجاورتها الأعاجم وغير العرب، ولم يؤخذ عن حضري ولا أحد من سكان البراري. [البيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن عن طريق الإتقان، للشيخ طاهر الجزائري، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ص٨٤ وما بعدها].
والمقصود من هذا البحث: أن القرآن الكريم جاء بأصفى ألفاظ اللغة العربية وأعذبها وأفصحها، مما لا يمكن أن يخدش عربية لغة القرآن، بحيث لا تجد لفظًا واحدًا فيه إلا وله أصالة في العربية، أما ما يدعيه البعض من وجود ألفاظ أعجمية في القرآن، فليس في القرآن لفظ أعجمي لا يعرفه العربي أو لم يستعمله، وكيف يصح خلاف ذلك والقرآن يكذبه عندما يبين أنه نزل بلسان عربي؟ وهذ يقتضي أن اسم الشيء ووصفه المخلوع على اسمه معًا يجب أن يحمل على جميعه كما هو متبادر، وعليه يكون جميع القرآن عربيًّا، وقد قال - عز وجل - في ردِّه على من زعم أن النبي يعلمه بشر، فقال: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ} [النحل: ١٠٣] وقال عز وجل: {وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥٓۖ ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ} [فصلت: ٤٤] فالكلمة إذا كانت عربية ولكنها حوشية مجهولة لم تكن توصف بالفصاحة، فكيف بالكلام الأعجمي مجهول اللفظ والمعنى، ولو كان في القرآن أعجمي لبادر العرب بإنكاره على القرآن، فمن ينفي وجود الأعجمي في القرآن إنما يقصد الذي لا تعرفه العرب ولا تستعمله، ومن قال بوجوده فهو يقصد الذي عرفه العرب واستعملوه حتى لان وانقاد للسانهم، وهكذا يكون الخلاف بين الفريقين لفظيًّا؛ لأنه توارد على محلين لا محل واحد.
وعلى هذا التحرير يحمل ما نقله الزركشي عن جمهور العلماء، من عدم وجود غير العربي في القرآن، ومنهم: أبو عبيدة والطبري والقاضي أبو بكر بن الطيب في "التقريب" وابن فارس اللغوي والشافعي في "الرسالة" ونقل عن الشافعي رده على القائلين بوقوع الأعجمي في القرآن. [الرسالة (ص ٤٠)، تحقيق أ. أحمد محمد شاكر، ط مصطفى الحلبي ١٩٤٠م].
وحكي عن ابن فارس عن أبي عبيدة أنه أنكر قول القائلين بوقوع غير العربي في القرآن؛ لأنه لو كان واقعًا لتوهم متوهم أن العرب عجزت عن الإتيان بمثله؛ لأنه يشتمل على غير لغاتهم؛ ولذ أبطل القراءة بالفارسية في الصلاة لعدم إعجاز الترجمة، ورأى أن من جوَّز القراءة بالفارسية فليجوزها بكتب التفسير، ثم نقل عن ابن عباس وعكرمة وغيرهما القول بوقوع غير العربي فيه. [البرهان في علوم القرآن: (ج ١ ص٢٨٧) وما بعدها].
أما السيوطي فقد ذكر أنه أفرد هذه المسألة بالتصنيف في كتاب "المهذب فيما وقع في القرآن من المُعَرَّب" ملخصه: أن العلماء اختلفوا في وقوع المُعَرَّب في القرآن، فالأكثرون منهم: الشافعي، والطبري، وأبو عبيدة، والقاضي أبو بكر، وابن فارس على عدم وقوعه فيه؛ لقوله تعالى: {قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا} [يوسف: ٢]، وقوله تعالى: {وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥٓۖ ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ}[فصلت: ٤٤].
وشدد الشافعي النكير ثم ذكر قول أبي عبيدة السابق ذكره، وذكر أن ابن جرير نقل عن ابن عباس وغيره تفسير بعض ألفاظ القرآن بأنها حبشية أو فارسية أو نبطية، من باب توارد اللغات، فقد تكلم العرب والفرس والحبش بلفظ واحد، ونقل قولًا آخر أن ذلك جاء لنزول القرآن بلغة العرب العاربة، الذين كانت لهم مخالطة بألسنة غيرهم في الأسفار، ونقل ثالثا يقول: إن هذه الألفاظ عربية صرفة، ولغة العرب متسعة فقد تخفى على الأكابر، ونقل ذلك عن أبي المعالي عزيزي بن عبد الملك، ونقل قولًا رابعًا بوقوعه فيه، وأجابوا عن قوله تعالى: {قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا} [يوسف: ٢] أنها كلمات يسيرة لا تخرجه عن كونه عربيًّا، وعن قوله تعالى: {ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ} [فصلت: ٤٤] أن المعنى أكلام أعجمي ومخاطب عربي، واستدلوا أيضًا باتفاق النحاة على منع صرف (إبراهيم) للعلمية والعجمة، ورُدَّ هذا الاستدلال بأن الأعلام ليست محل الخلاف، ولكنهم وجَّهوه بأن تجويزه في الأعلام يجوزه في الأجناس.
ونقل السيوطي أن أقوى دليل لهم - وهو اختياره - ما رواه الطبري عن أبي ميسرة التابعي قال: "في القرآن من كل لسان". بسند صحيح. وروى مثله عن سعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وعليه يكون في القرآن إشارة إلى أنواع اللغات والألسنة ليتم إحاطته بكل شيء، ثم ذكر عن ابن النقيب قوله في أن القرآن جمع كل اللغات، ثم استدل السيوطي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم مرسل للعالمين، فلا بد أن يجمع القرآن كل اللغات.
ونقل عن الخُوَبِّي [الخوبي: بضم الخاء وفتح الواو وتشديد الباء وهو شمس الدين أحمد بن حنبل بن سعادة الخوبي الشافعي، صاحب الإمام فخر الدين الرازي كان فقيهًا مناظرًا، وأستاذا في الطب والحكمة، توفي سنة ٦٣٨ هـ ونسبه إلى خوبي مدينة بأذربيجان (شذرات الذهب ١٨٣/٥)] أنه ذكر فائدة أخرى لوقوع المُعَرَّب في القرآن، وهو: أن المُعَرَّب الواقع في القرآن لا يسع الفصيح إلا استعماله، وضرب لذلك مثالًا بـ (إستبرق) بأن عظمة الوعد تكون بالوعد بالملبس الناعم، والحرير كلما كان أثقل كان أرفع، فوجب على الفصيح أن يذكر الحرير الأثخن الأثقل، وهذا هو الإستبرق، ولو أراد أن يأتي بكلمة عربية واحدة فلن يستطيع؛ لأنها لن تكون في نفس درجة الفصاحة، أو لا توجد؛ لأن العرب عرفوا الحرير عن العجم، والديباج الثقيل لا وضع لهم فيه، فاكتفوا بتعريب (الإستبرق)، ولو لم يستعمل (الإستبرق) لتكلم بكلمتين، والكلمة الواحدة أوجز، ثم نقل عن أبي عبيد القاسم بن سلام حكايته القول بالوقوع عن الفقهاء، ثم نقل جمعه بين القولين بأن جعل هذه الكلمات أصولها أعجمية، وهذا به يصدق قول الفقهاء، ولكن العرب عربوها فصارت عربية، وإلى هذ الجمع ذهب الجواليقي وابن الجزري وآخرون اهـ. [الإتقان في علوم القرآن: (ج٢ ص١٢٥ – ص١٢٩)].
قلت: ما ذكره السيوطي عن أبي عبيد عقَّب عليه ابن فارس فأنكر على أبي عبيد أنه نسب القائلين بوقوع المعرب في القرآن للجهل، ولكنه وافقه في الجمع فقال: فالقول إذن ما قاله أبو عبيد، وإن كان قوم من الأوائل قد ذهبوا إلى غيره. [انظر: الصاحبي، لابن فارس، (ص٢٩)] والكلام في هذه المسألة مبسوط في كتب فقه اللغة وأصول الفقه، وفيه مصنفات مفردة كالجواليقي، وما ذكره السيوطي في كتابه، وقد جمعنا لك خلاصته. ثم السيوطي جمع كل ما قيل فيه معرب ورتبها على حروف المعجم، ونحن نكتفي بالمثال الذي أوردناه عن الخوبي في (الإستبرق).
القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، واختار أفصح الألفاظ من لهجات العرب دون أن يخرج عن إطار الفصاحة، والخلاف حول وجود ألفاظ معرّبة في القرآن هو خلاف لفظي، إذ أن ما استعملته العرب وصار جزءًا من لغتها لا يقدح في عربية النص المعرب في القرآن يعكس التفاعل الثقافي واللغوي، ويؤكد قدرة اللغة العربية على استيعاب المفردات دون أن تفقد هويتها.
الغرابة في اللغة العربية مفهوم دقيق يميز بين الكلمات غير المألوفة والمألوفة
المنطوق والمفهوم من المفاهيم اللغوية والأصولية التي تشكل أساس فهم النصوص الشرعية
العموم في اللغة العربية يشير إلى الشمول أو التناول، وهناك صيغ تدل عليه في القرآن مثل (كل) و(جميع)