Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

منطوق القرآن ومفهومه

الكاتب

أ.د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة

منطوق القرآن ومفهومه

المنطوق والمفهوم من المفاهيم اللغوية والأصولية التي تشكل أساس فهم النصوص الشرعية؛ حيث يميز المنطوق بين اللفظ الظاهر والحكم المباشر، بينما يشمل المفهوم المعاني المستفادة التي تتجاوز محل النطق.

حدُّ منطوق القرآن ومفهومه

المنطوق لغة: اسم مفعول من النطق، فهو كالملفوظ وزنا ومعنى، ففي (القاموس): النطق: التكلم بصوت مرتفع وحروف تعرف بها المعاني.

والمفهوم لغة: المعنى المستفاد من اللفظ المنطوق، فهو اسم مفعول من الفهم بمعنى العلم، فالمنطوق اللفظ، والمفهوم معناه.

ولأهل أصول الفقه اصطلاحان مشهوران فيهما:

أحدهما لابن الحاجب، يخالف فيه الآمدي والجمهور، فيعرف المنطوق بأنه: دلالة اللفظ على معنى في محل النطق، بأن يكون ذلك المعنى حكمًا للمذكور، ويعرف المفهوم بأنه: دلالته (أي اللفظ) على معنى لا في محل النطق، بأن يكون ذلك المعنى حكمًا لغير المذكور، فالمنطوق والمفهوم عنده قسمان للدلالة اللفظية.

وثانيهما للآمدي والجمهور، فيعرفون المنطوق بأنه: ما (أي معنى) دل عليه اللفظ في محل النطق، والمفهوم بأنه: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق.

الفرق بين منطوق اللفظ ومفهومه

 وبهذا هم يجعلونهما من أقسام المدلول لا للدلالة، والفرق بين الدلالة والمدلول: أن الدلالة كون اللفظ؛ بحيث يفهم منه المعنى، أما المدلول فهو نفس معنى اللفظ، ولا شك أن الجمهور لا يقصر المنطوق على الحكم، بل يعديه ليشمل الذوات، وكذلك يشمل عندهم:

(النص): وهو ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا من التأويل.

و(الظاهر): ما يحتمل وجهين وأريد الراجح منهما لتبادره للفهم بنفسه.

و(المؤول): وهو ما احتمل وجهين وحمل على المرجوح منهما لدليل استوجب صرفه عن الراجح إليه.

وبهذا يتضح أن المنطوق عندهم يكون حقيقة كما في النص، والظاهر يكون مجازًا كما في المؤول.

ولقد حرر هذه المسألة تحريرًا بديعًا العلامة الشربيني في تقريره على (حاشية البناني على شرح الجلال المحلي لجمع الجوامع) عند تعريف ابن السبكي للمنطوق بأنه: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، فقال: "اعلم أن ابن الحاجب جعل المنطوق والمفهوم أقسامًا للدلالة، قال: المنطوق: دلالة اللفظ على معنى في محل النطق، بأن يكون ذلك المعنى حكمًا للمذكور، والمفهوم: دلالته على معنى لا في محل النطق، بأن يكون ذلك المعنى حكمًا لغير المذكور".

أقسام منطوق القرآن

ثم قسم المنطوق - وهو تلك الدلالة - إلى صريح، وغير صريح، فالصريح: دلالة اللفظ بالمطابقة أو التضمن، وغير الصريح: دلالته على ما لم يوضع له، بل يدل عليه بالالتزام، وهو دلالة الاقتضاء والإيماء والإشارة.

فدلالة {فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ} [الإسراء: ٢٣] على تحريم التأفيف منطوق صريح، وعلى تحريم الضرب مفهوم، ودلالة (تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي)، على أن أكثر الحيض وأقل الطهر خمسة عشر يومًا منطوقًا غير صريح، وعلى هذا فالمنطوق خاص بالحكم دون الذوات.

وقال الآمدي بعد ذكر الاقتضاء وغيره من هذه الأنواع التي جعلها ابن الحاجب أقسامًا لغير الصريح قبل ذكر المنطوق والمفهوم: أما المنطوق، فقد قال بعضهم: هو ما فهم من اللفظ في محل النطق، وليس بصحيح، فإن الأحكام المضمرة في دلالة الاقتضاء - كما ذكرناه - مفهومة من اللفظ في محل النطق، ولا يقال لشيء من ذلك منطوق اللفظ، فالواجب أن يقال: المنطوق: ما فهم من دلالة اللفظ نطقًا في محل النطق، انتهى.

قال العلامة التفتازاني: "جعل المنطوق والمفهوم من أقسام الدلالة يحوج إلى تكلف عظيم في تصحيح عبارات القوم، لكونها صريحة في كونها من أقسام المدلول - كما في كلام الآمدي - فالمصنف - رحمه الله - تابع القوم في ذلك لعدم التكلف مع قصور عبارة ابن الحاجب عن تناول مدلول نحو (زيد) مما هو ذات لا حكم، مع تصريح إمام الحرمين وغيره بأن النص والظاهر من أقسام المنطوق، ولا خفاء في أن نحو (زيد) والأسد من جملة النص والظاهر[(زيد) نص لأنه علم شخص لا يحتمل غير مسماه، و(أسد) ظاهر لأنه يحتمل وجهين: الحيوان المفترس المعروف، والرجل الشجاع، وأول الوجهين راجح يجب الحمل عليه عند التجرد من القرينة لتبادره بنفسه، وثانيهما مرجوح لا يصح الحمل عليه إلا عند القرينة الصارفة عن الراجح إلى المرجوح؛ وبحيث يصير فيه لفظ الأسد مؤولًا]، إلا أنه أبدل ما فهم من اللفظ بما يدل عليه، إشارة للرد على ابن الحاجب بأن المنطوق مدلول لا دلالة، وإشارة إلى اندفاع اعتراض الآمدي، فإن ما دل عليه اللفظ في محل النطق معناه أن الدلالة على ذلك المدلول ثابتة في اللفظ الذي هو محل النطق؛ أي المنطوق به، بمعنى أنها ناشئة من وضعه لا من خارج، بخلاف دلالة الاقتضاء والإشارة، فإنها ليست ناشئة من وضع اللفظ، بل من توقف صحة المنطوق على المقتضى، [هذه هي دلالة الاقتضاء، قال الجلال المحلي في شرحها: "ثم المنطوق إن توقف الصدق فيه أو الصحة له عقلًا أو شرعًا على إضمار؛ أي تقدير فيما دل عليه، فدلالة اقتضاء، أي: فدلالة اللفظ الدال على المنطوق على ذلك المضمر المقصود تسمى دلالة اقتضاء"، والأول كما في مسند أخي عاصم الآتي في مبحث المجمل: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، أي: المؤاخذة بهما لتوقف صدقه على ذلك لوقوعهما. والثاني كما في قوله تعالى: "واسأل القرية"، أي: أهلها، إذ القرية وهي الأبنية المجتمعة لا يصح سؤالها عقلا، والثالث كما في قولك لمالك عبد: "أعتق عبدك عني، ففعل"، فإنه يصح عنك، أي: ملكه لي فأعتقه على التوقف صحة العتق شرعا على المالك .أ. هـ وقوله كما في مسند أخي عاصم يريد به الحافظ أبا القاسم التميمي كما في حاشية البياني عليه. انظر جـ١ ص ٢٣٩]، أو لزوم المعنى للمدلول [وهذه هي دلالة الإشارة، قال المحلي في شرحها: "وإن لم يتوقف أي الصدق في المنطوق ولا الصحة على إضمار، (ودل) اللفظ المفيد له (على ما لم يقصد) به (فدلالة إشارة). أي: فدلالة اللفظ على ذلك المعنى الذي لم يقصد به تسمى دلالة إشارة، كدلالة قوله تعالى: {وأحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} على صحة صوم من أصبح جنبا، للزومه للمقصود به من جواز جماعهن في الليل الصادق بآخر جزء منه. أ. هـ المصدر نفسه ص٢٣٩ فما بعدها من أعلى].

وهذا المعنى لا يفيده قولهم: ما فهم من اللفظ في محل النطق، فإن الفهم منه قد يكون بواسطة اللزوم العقلي أو الشرعي، ثم إن هذا المنطوق بالمعنى الذي أراده المصنف لا يكون إلا صريحًا، وأما المدلول اقتضاءً أو إشارةً فليس من المنطوق عند أحد، أما ابن الحاجب، فإن المنطوق عنده الدلالة لا المدلول، وأما المصنف والقوم، فليس من المنطوق عندهم؛ لأن الدلالة عليه ليست في محل النطق، وإنما هو عند المصنف من توابع المنطوق، فالمدلولات عنده ثلاثة: منطوق، وتوابعه، ومفهوم، وقد صرح بتثليث الأقسام الآمدي وبعض شروح المنهاج. فإن قلت: ما الفرق بين المفهوم وتوابع المنطوق؟ قلت: المفهوم يقصد التنبيه بالمنطوق عليه، إما تنبيهًا بالأعلى على الأدنى وبالعكس، أو التنبيه بالشيء على ما يساويه، وكل ذلك للمناسبة بينهم، بخلاف توابع المنطوق، كما يعرفه الذكي المحقق، ثم إن المصنف ترك من توابع المنطوق دلالة الإيماء، وسيأتي بيان وجهه إن شاء الله تعالى إلى المقصود منه" أهـ.

ثم وَفَّى هذا العلامة -رحمه الله - بما وعد به من حديث دلالة الإيماء، فقال: "واعلم أن المصنف - رحمه الله - ترك دلالة الإيماء، وهي: أن يقترن المنطوق بحكم أي وصف لو لم يكن ذلك الوصف لتعليل ذلك المنطوق لكان اقترانه به بعيدًا، فيفهم منه التعليل ويدل عليه، وإن لم يصرح به، ويسمى تنبيهًا وإيماءً، مثل اقتران الأمر بالإعتاق وبالوقاع الذي لو لم يكن هو علة لوجوب الإعتاق لكان بعيدًا؛ لأن هذا إنما يفهم من سياق الكلام لا من اللفظ – وأيضًا - سيأتي مفصلًا في باب القياس" [المصدر نفسه، ص ٢٤٠] أهـ.

ومن يطالع النص السابق وما قبله يظهر له أن المنطوق قد يكون في المفردات كما في النص والظاهر والمؤول – أيضًا - وكذلك يكون في المركبات إذا كان المدلول حكمًا؛ لأن الحكم لا يتصور إلا في المركبات.

وهناك تقسيم آخر ذكر للمنطوق، وهو: أن اللفظ إما أن يدل على تمام المعنى الذي وضع له، وتسمى هذه الدلالة دلالة مطابقة، وإما أن يدل على جزء معناه الذي وضع له، وتسمى هذه الدلالة دلالة تضمن، وإما يدل على لازم معناه الذي وضع له، وتسمى هذه الدلالة دلالة التزام.

أقسام مفهوم اللفظ

أما المفهوم - كما سبق- له اصطلاحان: فهو عند ابن الحاجب من قبيل الدلالة، وعند الجمهور من قبيل المدلول؛ ولكن هناك أمور مهمة ننبه عليها:

أولًا: المفهوم يطلق على الحكم تارة، وعلى محل الحكم أخرى، وعلى الحكم ومحله معًا ثالثة، مثل تحريم الضرب، فالتحريم الحكم، والضرب محله، والمفهوم جمع بينهما، فصار (تحريم الضرب)، ولكن المنطوق يطلق على الحكم أو محله فقط.

ثانيًا: المفهوم ينقسم إلى قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة. فالأول: ما وافق حكمه حكم المنطوق، والثاني: ما خالف حكمه حكم المنطوق، والحكم في الموافقة قد يكون أولى من حكم المنطوق، وهذا يسمى فحوى الخطاب؛ لأنه كالريح تجده بمجرد سماع الخطاب، وقد يكون مساويًا لحكم المنطوق، ويسمى لحن الخطاب، فتحريم ضرب الوالدين أولى من تحريم التأفيف لما يشتمل عليه من شدة الإيذاء، وحرق مال اليتيم مساوٍ لأكل ماله؛ لأنهما يتساويان في إضاعة ماله وإتلافه، وهناك من قسم المفهوم إلى ثلاثة أقسام: الموافقة وقصرها على الأولى، والمساوي، والمخالفة. ولكننا نرد هذا التقسيم لأمرين:

(أ) أنه سلب اسم الموافقة: عن المساوي، وهذا لا يصح؛ لأن المساوي موافق.

(ب) أن من أخرج المساوي من الموافقة احتج كما يحتج بالموافقة، فلا معنى لإخراجه، ومن ثم فمفهوم الموافقة يشتمل على الأولى والمساوي - وليس في هذا المفهوم الأدون، والحكم الثابت بالمفهوم كالثابت بالمنطوق، فإذا كان حكم المنطوق قطعيًّا لاستناده لنظم اللغة فكذلك المفهوم، فالحكم الثابت بالمفهوم فوق الثابت بالقياس؛ لأن الثابت بالقياس يدرك بالرأي والاجتهاد، والمفهوم يدرك باللغة الموضوعة لإفادة المعنى، كذا في (التوضيح والتلويح)،  ومن ذهب إلى أن دلالة المنطوق قد تكون قطعية ودلالة المفهوم ظنية إنما أخطأوا في ضرب الأمثلة؛ لأنها أمثلة كلها لأحكام تدرك بالقياس.

ثالثًا: اتفق الكل على حجية مفهوم الموافقة، ولكنهم اختلفوا بعد ذلك في مواطن منها: طريق الدلالة، هل القياس الجلي أم الدلالة اللفظية؟ وإذا كانت الدلالة اللفظية فهل بالمنطوق والمفهوم في الحقيقة أم بالمفهوم؟ وفي (تحرير الجلال المحلي) لتلك المواطن ينقل عن الشافعي وإمام الحرمين والرازي، أن دلالة الموافقة قياسية، سواء كان الأولى أو المساوي الجلي، وتكون العلة في تحريم الضرب الإيذاء، وفي حرق مال اليتيم الإتلاف، وإن كان الشافعي وإمام الحرمين لم يجعلا المساوي من الموافقة، والرازي لم يصرح، ويرى الغزالي والآمدي أنها دلالة لفظية تفهم بالسياق والقرائن لا مجرد اللفظ، ففي تحريم الضرب فهم تعظيمها واحترامها، فحرم الضرب والتأفيف، وكذلك حرق مال اليتيم، فالمراد حفظه؛ ولذا منع الحرق والأكل، وعليه تكون دلالة مجازية، لإطلاق الأخص على الأعم، كإطلاق منع التأفيف على منع الإيذاء، وقيل: بل نقل اللفظ لهما عرفًا فصار حرق مال اليتيم عرفًا يطلق على إضاعته، وعلى القولين هما من المنطوق، وكثير من العلماء -منهم الحنفية- على أن الموافقة مفهوم لا منطوق ولا قياسي، ومنهم من تردد فيجعله تارة مفهومًا وأخرى قياسيًا كالبيضاوي، ورأى الصفي الهندي عدم التناقض، فكلاهما مسكوت عنه. ورأى ابن السبكي أنهما مختلفان، فالمفهوم مدلول اللفظ، والمقيس غير مدلول له.

وبعد نقل تحرير الجلال المحلي أرى أن الصواب: أنها دلالة لفظية بطريق المفهوم؛ لأن من يقول: إنها دلالة قياسية يجعل هناك مفهومًا أدون، وسبق ذكر منع ذلك، وكذلك لو كانت دلالة قياسية لمنعها من يمنع الاحتجاج بالقياس، ولكنهم احتجوا بها؛ ولأن من قال بأنها دلالة لفظية بطريق المنطوق فإن هذا يحوجه إلى ارتكاب المجاز أو النقل، والأصل عدمهما إلا بموجب، ولا موجب لهما.

رابعًا: شرط مفهوم المخالفة: شرط العمل بمفهوم المخالفة أن يكون القيد في اللفظ متعينًا للاحتراز عما يناقضه؛ أي: جاء الإخراج ما عداه، ولا تكون فائدة غير هذا، فلو كانت له فائدة غيره قدمناها؛ لأن هذه الفائدة ستكون ظاهرة ومفهوم المخالفة خفية، فمن ذلك لو كان القيد لبيان الغالب، كما في قوله تعالى: {وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم} [النساء: ٢٣]، فقوله تعالى: {فِي حُجُورِكُم } لا يعني أن الربيبة التي ليست في الحجر جائز نكاحها، والغالب أن الربيبة تكون في الحجر، وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا} [النور: ٣٣]، فالبغاء حرام سواء مع الإكراه أو مع عدمه، وسواء مع إرادتهن أو مع عدمها، فإنما جاء قيد الإكراه ليصف الواقع الذي كانوا عليه فحسب، وهذا يعني أن البغاء مع عدم الإكراه -أيضًا- حرام؛ لأن القيد ليس للإخراج، وكذلك قوله تعالى: {لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ} [آل عمران: ٢٨] فقوله تعالى: {مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ} ليس معناه أن موالاة الكافرين مع المؤمنين جائزة، بل موالاة الكافرين على كل حال حرام.

فكل هذه القيود قُصد بها فوائد أخرى غير إخراج ما سوى المنطوق؛ ولذا فهي لا مفهوم لها، أي: ليست لها مفهوم مخالفة، لفقد شرط الاحتجاج به وهو تعين القيد في إخراج سوى المنطوق، ومن ثم فالاسم المجرد من القيد والمسمى (اللقب) لا مفهوم له؛ لأنه لا قيد له، وهذا هو الصحيح عند العلماء.

خامسًا: الصحيح أن طريق الدلالة في مفاهيم المخالفة هي اللغة، قال المحلي: (يقول كثير من أئمة اللغة بها منهم أبو عبيدة وعبيد تلميذه، قالا في حديث الصحيحين: «مَطلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ» أنه يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم، وهم إنما يقولون في مثل ذلك ما يعرفونه من لسان العرب) أهـ، وأنه لذلك حجة لدى الجمهور، وخالف في ذلك الحنفية، وهم محجوجون بما سبق من حتمية أن تكون للقيد فائدة.

وبعد - فقبل أن ننفض أيدينا من هذا البحث، نرى أن نُطلع القارئ الكريم على ما كتبه فيه أهل علوم القرآن، مجتزئين في ذلك بقول السيوطي، ففيه - فوق التلخيص لمعظم ما سبق مما نقلناه من كلام أهل الأصول- فوائد أخرى تضاف إليه، قال رحمه الله: "المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق، فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره فالنص، نحو: {فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ } [البقرة: ١٩٦]، وقد نقل عن قوم من المتكلمين أنهم قالوا بندور النص جدًا في الكتاب والسنة. وقد بالغ إمام الحرمين [هو أبو المعالي عبد الله بن أبي عبد الله بن يوسف الجويني، شيخ الغزالي، وأعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي، توفي سنة ٤٧٨ هـ. ابن خلكان (١/٢٨٧)]، وغيره في الرد عليهم، قال: لأن الغرض من النص الاستقلال بإفادة المعنى على قطع، مع انحسام جهات التأويل والاحتمال وهذا وإن عز حصوله بوضع الصيغ رد إلى اللغة، فما أكثره مع القرائن الحالية والمقالية انتهى، أو مع احتمال غيره احتمالًا مرجوحًا، فالظاهر نحو: {فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ} [البقرة: ١٧٣]، فإن الباغي يطلق على الجاهل وعلى الظالم، وهو فيه أظهر وأغلب، ونحو: {وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ } [البقرة: ٢٢٢]، فإنه يقال للانقطاع طهر، والوضوء والغسل، وهو في الثاني أظهر، فإن حمل على المرجوح لدليل فهو تأويل، ويسمى المرجوح المحمول عليه مؤولا، كقوله: {وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ} [الحديد: ٤]  فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات، فتعين صرفه عن ذلك وحمله على القدرة والعلم، أو على الحفظ والرعاية، وكقوله: {وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ} [الإسراء: ٢٤]  فإنه يستحيل حمله على الظاهر، لاستحالة أن يكون للإنسان أجنحة، فيحمل على الخضوع وحسن الخلق، وقد يكون مشتركًا بين حقيقتين أو حقيقة ومجاز، ويصلح حمله عليهما جميعًا، سواء قلنا بجواز استعمال اللفظ في معنييه أو لا، ووجهه على هذا أن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين، مرة أريد هذا، ومرة أريد هذا.

ومن أمثلته: {وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ} [البقرة: ٢٨٢]، فإنه يحتمل: لا يضار الكاتب والشهيد صاحب الحق بجور في الكتابة والشهادة، (ولا يضارَ) بالفتح، أي: لا يضرهما صاحب الحق بإلزامهما ما لا يلزمهما، وإجبارهما على الكتابة والشهادة.

 ثم إن توقفت صحة دلالة اللفظ على إضمار، سميت دلالة اقتضاء، نحو: {وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ} [يوسف: ٨٢]، أي: أهلها، وإن لم تتوقف، ودل اللفظ على ما لم يقصد به، سميت دلالة إشارة، كدلالة قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ} [البقرة: ١٨٧] على صحة صوم من أصبح جنبا، إذ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر تستلزم كونه جنبًا في جزء من النهار، وقد حكي هذا الاستنباط عن محمد بن كعب القرظي.

أقسام المفهوم

والمفهوم: ما دل عليه اللفظ، لا في محل النطق، وهو قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.

 فالأول: ما يوافق حكمه المنطوق؛ فإن كان أولى سمي فحوى الخطاب، كدلالة: {فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ} [الإسراء: ٢٣] على تحريم الضرب؛ لأنه أشد، وإن كان مساويًا سمي لحن الخطاب، أي: معناه، كدلالة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا} [النساء: ١٠] على تحريم الإحراق؛ لأنه مساوٍ للأكل في الإتلاف، واختلف: هل دلالة ذلك قياسية أو لفظية مجازية أو حقيقية؟ على أقوال بيناها في كتبنا الأصولية.

والثاني: ما يخالف حكمه المنطوق، وهو أنواع: مفهوم صفة، نعتًا كان أو حالًا أو ظرفًا أو عددًا.

نحو: {إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ } [الحجرات: ٦] مفهومه أن غير الفاسق لا يجب التبين في خبره، فيجب قبول خبر الواحد العدل.

وحال نحو: {وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ} [البقرة: ١٨٧]. {ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ} [البقرة: ١٩٧]؛ أي: فلا يصح الإحرام به في غيرها. {فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ} [البقرة: ١٩٨] أي: فالذكر عند غيره ليس محصلًا للمطلوب، {فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ } [النور: ٤]، أي: لا أقل ولا أكثر.

وشرط نحو: {وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ} [الطلاق: ٦]، أي فغير أولات الحمل لا يجب الإنفاق عليهن.

وغاية نحو: {فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ} [البقرة: ٢٣٠]، أي: فإذا نكحته تحل للأول بشرطه.

وحصر نحو: {لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ} [الصافات: ٣٥]، {إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ} [طه: ٩٨]، أي: فغيره ليس بإله، {فَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡوَلِيُّ} [الشورى: ٩]، أي: فغيره ليس بولي، {لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ} [آل عمران: ١٥٨]، أي: لا إلى غيره. {إِيَّاكَ نَعۡبُدُ} [الفاتحة: ٥]، أي: لا غيرك.

واختلف في الاحتجاج بهذه المفاهيم على أقوال كثيرة، والأصح في الجملة أنها كلها حجة بشروط:

 منها: ألا يكون المذكور (خرج للغالب)، ومن ثم لم يعتبر الأكثرون مفهوم قوله: {وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم} [النساء: ٢٣]؛ فإن الغالب كون الربائب في حجور الأزواج، فلا مفهوم له؛ لأنه إنما خص بالذكر لغلبة حضوره في الذهن، وألا يكون موافقَا للواقع، ومن ثم لا مفهوم لقوله: {وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِ} [المؤمنون: ١١٧]، وقوله: {لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ } [آل عمران: ٢٨]   وقوله: {وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا }[النور: ٣٣]، والاطلاع على ذلك من فوائد معرفة أسباب النزول.

(فائدة)

قال بعضهم: الألفاظ إما أن تدل بمنطوقها، أو بفحواها ومفهومها، أو باقتضائها وضرورتها، أو بمعقولها المستنبط منها. حكاه ابن الحصار، وقال: هذا الكلام حسن. قلت: فالأول دلالة المنطوق، والثاني دلالة المفهوم، والثالث دلالة الاقتضاء، والرابع دلالة الإشارة [ج٣ من ص١٠٤ إلى ص ١٠٨.] ا. هـ. والله أعلم.

الخلاصة

المنطوق هو دلالة اللفظ على معنى في محل النطق، ويشمل النص والظاهر والمؤول، أما المفهوم فهو المعنى المستفاد من اللفظ لا في محل النطق، وينقسم إلى مفهوم موافقة يتفق حكمه مع المنطوق، ومفهوم مخالفة يخالفه، ويُعد كلاهما حجة شرعية بشروط، كما تتنوع دلالات اللفظ بين مطابقة وتضمن والتزام مع وجود دلالات اقتضاء وإشارة لا تدخل في المنطوق. وفهم هذه المقاصد ضروري لاستنباط الأحكام الشرعية بدقة ووعي.

موضوعات ذات صلة

العموم في اللغة العربية يشير إلى الشمول أو التناول، وهناك صيغ تدل عليه في القرآن مثل (كل) و(جميع)

المجمل هو ما لم تتضح دلالته في النص القرآني، وله أسباب متعددة، والبيان هو إخراج المعنى من الإشكال إلى الوضوح

المحاورة والجدل في القرآن الكريم يعتبران من أهم وسائل تبادل الأفكار وتوضيح الحقائق

موضوعات مختارة