أولًا:
المقسِم: المقسم في القرآن أربعة:
(أ)
الله تعالى نفسه،
وهو كثير ولب موضوعنا، كقوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ
لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ *
عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [الحجر: ٩٢-٩٣].
(ب)
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو غيره من الرسل كقوله تعالى: {قُلۡ
إِي وَرَبِّيٓ إِنَّهُۥ لَحَقّٞۖ} [يونس: ٥٣]، وقول إبراهيم: {وَتَٱللَّهِ
لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ}
[الأنبياء: ٥٧]
(جـ)
غير الرسل
كما في قوله تعالى: {إِذۡ أَقۡسَمُواْ
لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ} [القلم: ١٧].
(د)
غير البشر،
كالذي جاء عن رأس الكفر إبليس في قوله تعالى: {قَالَ
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ} [ص: ٨٢]
ثانيًا:
المقسم به:
جاء
القسم في القرآن الكريم بالله - سبحانه - أو أحد صفاته، أو بصفة فعله كبناء السماء وطحو
الأرض، وبالمخلوقات كالصافات والذاريات والطور، وحياة النبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ خاصة
في قوله تعالى: {لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي
سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} [الحجر: ٧٢]، فالحلف به - سبحانه وتعالى - أو بصفته
أو صفة فعله لا إشكال فيها، وينعقد اليمين بها، ولزمته الكفارة في الحنث، ولكن
الكلام في حلفه بمخلوقاته – سبحانه ـ والجواب ذكره السيوطي فذكر أوجهًا له:
أحدها: أنه على حذف مضاف تقديره (ورب التين).
والثاني: العرب تعظم الأشياء وتقسم بها، فنزل
بلغة العرب.
والثالث: أن القسم بما يعظمه المقسم وعليه
فالقسم بالمخلوق، هو قسم بالخالق.
ونقل السيوطي مثل هذا المعنى عن ابن أبي
الأصبع في (أسرار الفواتح) - ثم ذكر آثارًا عن الصحابة والتابعين في القسم
بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه كان لبيان مكانته عند ربه -
سبحانه.
وأرى: أن ثاني الأجوبة التي ذكرها السيوطي
لا معنى له؛ ولذا لم يذكره الحافظ ابن حجر مع استيفائه لأحاديث هذه المسألة فأورد
الجواب الأول وهو حذف المضاف.
والثالث: وهو أنه خاص بالله لتعظيم المقسم به
ونقل الحافظ عن ابن عبد البر جعل لفظ «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ» من الحديث غير
محفوظة وتردها الأحاديث الصحيحة، وقد ورد في غير حديث مرفوع القسم بقوله: «وَأَبِيكَ»
في مثل إجابته عن أي الصدقة أفضل؟ فقال: «وَأَبِيكَ لَتُنَبِأَنّ»، فإذا
ثبت ذلك، فالجواب عليه بأجوبة:
الأول: أنه كان يجري على السنتهم دون قصد
القسم، والمنهي عنه قصد القسم بها، وإليه مال البيهقي وارتضاه النووي.
والثاني: أنه يقع في كلامهم للتعظيم والتأكيد،
والنهي كان عن التعظيم، فمن أمثلة ما وقع في كلامهم للتأكيد لا للتعظيم قول الشاعر:
فإن تك ليلى استودعتني أمانة
فلا وأبي
أعدائها لا أذيعها
فلا
يمكن أن يكون معظمًا لأبي أعدائها، بل قصد تأكيد كلامه.
والثالث: أن هذا كان جائزًا ثم نسخ قاله
الماوردي، وحكاه البيهقي، وقال السبكي: أكثر الشُّراح عليه،
وقال ابن العربي: وروي أن النبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ
كان يحلف بأبيه ثم نهى عن ذلك، وقال المنذري: دعوى النسخ ضعيفة لعدم تحقق التاريخ.
والرابع: أن في الجواب حذفًا تقديره (أفلح ورب
أبيه) قاله البيهقي.
والخامس: أنه للتعجب، قاله السهيلي.
والسادس: أنه خاص بالشارع دون أمته، ورد بأن
الخصائص لا تثبت بالاحتمال.
ثم
تكلم الحافظ ابن حجر عن القسم بغير الله، وذهب إلى أنه لا ينعقد، ونقل عن بعض الحنابلة
استثناءهم للحلف بالنبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ القول بالانعقاد في الحلف به ـ صلى الله
عليه وسلم ـ
ووجوب الكفارة في الحنث، لأنه أحد ركني الشهادة، وأطلق ابن العربي النسبة لمذهب
أحمد ورد هذا، ثم استنبط من الحديث المشروح – (أفلح وأبيه) - أن من قال: إن فعلت
كذا فهو يهودي أو نصراني انعقد يمينه، ثم ذكر عن ابن المنذر أنه نقل الخلاف
في الحلف بغير الله فنقل عن طائفة أن النهي خاص بأيمان الجاهلية لتعظيمهم فيها
الأوثان، فهذه يأثم صاحبها ولا تنعقد.
وأما
ما كان يؤول إلى تعظيمه - سبحانه وتعالى - والقربة إليه ليس داخلًا في النهي، ومن
قال به أبو عبيد وطائفة، ودليله إيجاب الصحابة على الحالف بالهدي والصدقة والعتق،
وهذا يعني أنهم فهموا النهي ليس عامًا، وتعقبه ابن عبد البر بأنه ليس حلفًا، ونقل عن الطبري عدم انعقاد الحلف بغير الله، وأن
ابن عباس علل قسمه - سبحانه - بالمخلوقات ليعجب بها المخلوقين ويعرفهم قدرته لعظم
شأنها عندهم، ونقل الإجماع عن ابن هبيرة على انعقاد الحلف بالله - والاتفاق على
عدم جواز الحلف بمعظم، ونقل انفراد أحمد بانعقاد الحلف بالنبي ـ صلى الله عليه
وسلم ـ،
ونقل عن عياض عدم الخلاف بين الفقهاء من انعقاد الحلف بالله أو بصفاته إلا ما روي
عن الشافعي باشتراط نية الحالف بالصفات، وهذا النقل عن الشافعي غير صحيح؛ لأن
الشافعي يشترط النية في ما يصح إطلاقه عليه - سبحانه وتعالى - وعلى غيره، ونقل عن
وجه للشافعية أن اليمين الصريح عندهم بلفظ (الله)، وعن المالكية التعميم، وكذلك
الحنابلة [فتح
الباري (جـ١١، صـ٥٣٢، ٥٣٥)].
ثالثًا:
أداة القسم:
الغالب
فيها أن تكون فعلًا كأقسم، ويجب حذف هذا الفعل من الواو القسمية كـ (والله):
لأن هذه الواو لا تدخل إلَّا على الاسم الظاهر، وكذلك يجب حذفه مع التاء، وهي
مختصة بلفظ الجلالة (تالله)، وتفيد مع القسم معنى التعجب كقول أخوة يوسف: {قَالُواْ
تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ} [يوسف:
٨٥]، وغالبًا يذكر
الفعل مع الباء القسمية كـ (أقسم بالله لأفعلن كذا)، وقلما يحذف كما في
قوله تعالى: {فَبِعِزَّتِكَ
لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ} [ص:
٨٢].
ولقد
ذكر جار الله الزمخشري الفرق بين الباء والتاء: أن الباء الأصل، والتاء
مبدلة من الواو التي مبدلة منها، وفي التاء زيادة معنى التعجب [الكشاف (جـ٣، صـ٤١)]،
فالغالب في أداة القسم ائتلافها من فعل وحرف على ما وصفنا.
وقد
يكون القسم جملة اسمية، فيحذف خبرها وجوبًا إذا كان المبتدأ نصًا في اليمين
كقولهم: (لعمر الله لأفعلن كذا)، وقوله تعالى: {
لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} [الحجر: ٧٢]،
وتقدير المحذوف
يميني أو قسمي، فإن لم يكن نصًا في اليمين أو القسم جاز حذف الخبر وذكره، كما في قولهم:
(عهد الله لأفعلن كذا)، نصَّ على ذلك ابن عقيل في شرحه (لألفية ابن مالك)، و(في
حاشية الخضري) شرح معنی قولهم: (نصًا في القسم) بأن يكثر ويغلب استعماله في القسم،
وبيَّن أن (عهد الله) يعتبرها بعضهم (نصًا في القسم)، فلا إشكال في تسوية الفقهاء
بينها وبين (العمر)؛ لأنهما كناية يمين، ولا ينعقد بهما إلا مع النية [حاشية الخضيري على شرح ابن
عقيل (جـ١، صـ١٠٧)]،
وقد تحذف أداة القسم والمقسم به معا ويدلُّ عليهما باللام الموطئة للقسم كقوله
تعالى: {لَتُبۡلَوُنَّ
فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ
ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ} [آل عمران: ١٨٦]، وقد يحذفان فلا يدلُّ عليهما إلاَّ
المعنى، قال السيوطي نحو : {وَإِن
مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ }[مريم: ٧١] .
رابعًا:
المُقْسَم عليه:
الأصل فيه وهو جواب القسم، أن يذكر كما سبق في الأمثلة وقد يحذف،
فقد ذكر أبو علي الفارسي أن الألفاظ الجارية مجرى القسم قسمان:
أولهما: التي كغيرها من الأخبار وليست بقسم،
فلا تجاب بجواب، كما في قوله: {وَرَفَعۡنَا
فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ} [البقرة: ٦٣]، فتجوز أن تكون قسمًا أو حالًا للخلو من
الجواب.
وثانيهما: ما يتلقى بجواب القسم كقوله تعالى: {وَأَقۡسَمُواْ
بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ} [النور: ٥٣]؛ بل يحذف جواب القسم مع هذا الثاني
لحكمة، وقد بيَّن شمس الدين ابن القيم في (التبيان في أقسام القرآن) أن
القسم في القرآن بأمور على أمور، فيقسم - سبحانه - بذاته وصفاته وآياته المستلزمة
لذاته وصفاته، وبعض المخلوقات ليدل على عظيم آياته، ثم بين أن الغالب على القسم
الجملة الخبرية، وقد تكون طلبية كقوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ
لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ *عَمَّا
كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [الحجر: ٩٢-٩٣]، وقد يراد تحقيق المقسم عليه، فيكون
من باب الخبر، وقد يراد به تحقيق القسم، والأشياء الواضحة الجلية يقسم بها لا
عليها، ويجوز ذلك في القرآن، وذكر أن في القرآن تارة يذكر جواب القسم، وتارة يحذف
والأول الغالب والحالف لا يعيد المقسم عليه ولو كرر القسم، ولما كان القسم يكثر في
الكلام حذف فعله واكتفي بالباء، ثم حذفت وعوض عنها بالواو في الأسماء الظاهرة
والتاء في أسماء الله، فسبحانه وتعالى يقسم على أصول الإيمان وأن الرسول حق، وأن
الجزاء والوعد والوعيد حق، وحال الإنسان، فمن الأول: {وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ
صَفّٗا} [الصافات:١] إلى قوله: {إِنَّ
إِلَٰهَكُمۡ لَوَٰحِدٞ} [الصافات: ٤]،
ومن الثاني: {يسٓ
*
وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ} [يس: ١-٢]، ومن الثالث: {وَٱلذَّٰرِيَٰتِ
ذَرۡوٗا} [الذاريات: ١] إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا
تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ} [الذاريات: ٥]، ومن الرابع: {وَٱلۡعَصۡرِ
* إِنَّ
ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ *إِلَّا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ
وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ} [العصر: ١-٣].
ثم
ذكر أن الجواب يحذف تارة ولا يراد ذكره، بل يراد تعظيم المقسم به، وهذا يذكر معه
الفعل مع حرف القسم كقولك: (فلان يحلف بالله وحده)، وقد يكون بحرف القسم فقط كقوله
ـ
صلى الله عليه وسلم ـ : «لا، ومقلب القلوب»، وتارة بحذف الجواب، وهو مراده لظهوره
بدلالة الحال، أو بدلالة السياق، ويكثر إذا كان في نفس المقسم به ما يدلُّ عليه،
وهي طريقة القرآن؛ لأن المقصود يحصل بذكر المقسم به فيكون حذف المقسم عليه أبلغ،
كمن أراد أن يقسم على أن الرسول حق فقال: والذي أرسل محمدًا بالهدى ودين الحق
وأيده بالآيات البينات، فلا يكون في حاجة إلى جواب، ومن ذلك قوله تعالى: {صٓۚ
وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ}[ص: ١]، انتهى ملخصه.