(أ) عهد النبي –صلى الله عليه وسلم -:
وقعت الكتابة للقرآن رسميًّا
وشخصيًّا، فقد كتب القرآن بأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على المستوى
الرسمي بكتابة القرآن، واتخذ كتَّابًا للوحي، وقد بوَّب البخاري بابًا سمَّاه
(كاتب النبي – صلى الله عليه وسلم -) لم يذكرفيه إلا زيد بن ثابت، وذكر الحافظ
أربعة عشر.
وما يدل على الكتابة الرسمية ما رواه أحمد
وأصحاب السنن وصحَّحه ابن حبان
من حديث ابن عباس عن عثمان
بن عفان قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم - مما يأتي عليه الزمان ينزل
عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: «ضَعوا هَذه في السُّورةِ الَّتي فيها كَذا»
[انظر: فتح الباري: (ج٩ ص٢٢)].
وما أخرجه الحاكم عن زيد بن ثابت – رضي الله عنه - قال: "كنا
عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم - نؤلف القرآن من الرقاع" الحديث. [انظر: كتاب التفسير من المستدرك على الصحيحين تحت عنوان: جمع
القرآن لم يكن مرة واحدة].
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
فهذان الحديثان فوق دلالتهما
على الكتابة الرسمية يدلان على التوقيف في ترتيب آيات السور.
وتأليف القرآن المقصود:
جمعه وترتيبه كما صرح بذلك الحافظ في (الفتح) [انظر: الفتح (ج٩ ص٣٩)].
أما الكتابة على المستوى الشخصي،
فلا شك أن الصحابي الذي كان يعرف الكتابة كان يكتب لنفسه ويدلُّ على وقوع تلك
الكتابة حديث أبي سعيد عند مسلم في (كتاب الزهد باب التثبت وحكم كتابة العلم)، أن
النبيَّ – صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَكْتُبُوا عَنِّي،
ومَن كَتَبَ عَنِّي غيرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ».
وسواء كان النهي لعدم اختلاط الكتاب بالسنة، أم كان النهي بخصوص كتابة السنة مع
القرآن، أم لتوجيه الهمة للقرآن وحده، سواء علينا أكان هذا أم ذاك، فإن الحديث
صريح في كتابة القرآن، بل فيه حض عليه. فالكتابة على المستويين تمت ووقعت في عهده –
صلى الله عليه وسلم -.
والسؤال: على أي شيء كانوا
يكتبون؟
يقول زيد بن ثابت في حديثه في جمع القرآن: "فتتبعت
القرآن أجمعه من العُسُب، واللخاف، وصدور الرجال"، وقد
شرح الحافظ بعض هذه الألفاظ فذكر: أن العُسُب - بضمتين ثم موحدة - جمع عسيب، وهو جريد
النخل كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض، وقيل: العسيب طرف الجريدة
العريض الذي لم ينبت عليه الخوص، والذي ينبت عليه الخوص هو السعف.
ووقع في رواية ابن عيينة عن ابن شهاب:
"القصب، والعسب، والكرانيف، وجرائد النخل".
ووقع
في رواية شعيب "من الرقاع جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد".
وفي
رواية عمار بن غزية:
"وقطع الأديم" وفي رواية ابن أبي
داود من طريق أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد: "والصحف".
قوله:
"واللخاف" بكسر اللام ثم خاء معجمة خفيفة وآخره فاء، جمع لخفة،
بفتح اللام وسكون المعجمة، ووقع في رواية أبي داود الطيالسي في روايته: هي "الحجارة
الرقاق"، وقال الخطابي:
صفائح الحجارة الرقاق. قال الأصمعي: فيها عرض ودقة. وسيأتي للمصنف في الأحكام عن
أبي ثابت أحد شيوخه أنه فسره بالخزف - بفتح المعجمة والزاي ثم فاء - وهي الآنية التي
تصنع من الطين المشوي، ووقع في رواية شعيب: "والأكتاف" جمع كتف وهو
العظم الذي للبعير أو الشاة، كانوا إذا جف كتبوا فيه.
وفي رواية عمارة "وكسر الأكتاف"، وفي
رواية ابن مجمع عن ابن شهاب عند ابن أبي داود "والأضلاع"، وعنده من وجه
آخر "والأقتاب" – بقاف ومثناة وآخره موحدة - جمع قتب – بفتحتين "وهو
الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه، وعند ابن أبي داود أيضًا في "المصاحف"
من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال:
"قام عمر فقال: من كان تلقى من رسول الله شيئًا من القرآن فليأت به، وكانوا
يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب" [فتح الباري: (ج٩ ص ١٤)] انتهى
المقصود منه.
وترك
الحافظ - رحمه
الله - مما يستحق الشرح كلمتي "الكرانيف، والقصب"، أما الكرانيف:
ففي اللسان: (الكِرْنَاف والكُرْنَاف) أي بكسر الكاف وضمها، أصول الكرب التي تبقى
في جذع السعف وما قطع من السعف فهو الكرب الواحدة كرنافة، وفيه قول ابن سيده: الكرنافة والكرنوفة
- أصل السعفة الغليظ الملتزق بجذع النخلة، وقيل: الكرانيف: أصول السعف الغلاظ
العراض التي إذا يبست صارت أمثال الأكتاف.
وفي
حديث الزهري:
والقرآن في الكرانيف، يعني: أنه كان مكتوبًا عليها قبل جمعه في الصحف.
وأما
القصب فإنما يصلح من معانيه هنا ما في اللسان وغيره من كونه ثياب الكتان الرقاق
الناعمة. فيحتمل أنهم كانوا يكتبون أيضًا على قطع من قماش الكتان الرقيق الناعم.
لا
نعرف للقوم كيفية معينة يومئذ في الكتابة، كما لا نعرف هذه الكيفية في كتابتهم
للصحف البكرية،
والظاهر أنها كانت مماثلة أو عين الكيفية التي كتبوا بها المصاحف العثمانية، فإن
أحدًا لم ينقل فرقًا في كيفية الكتابة بين العهود الثلاثة فيما أعلم.
على الرغم من أن القرآن كان
محفوظًا بأكمله للنبي – صلى الله عليه وسلم - ومحفوظًا بالتواتر عند أصحابه، فقد
كتب القرآن في هذا العهد، وذكر الشيخ غزلان لهذه الكتابة أسبابًا ثلاثة:
أحدها:
المحافظة على النص القرآني من أن يطرأ عليه تغير؛ لأن الكتابة تظاهر الحفظ.
ثانيها:
تمام العناية به وزيادة التوثق له فلا يكون لخوف الضياع عليه أدنى شائبة.
ثالثها:
الفائدة العظيمة التي ظهرت بعد وفاته – صلى الله عليه وسلم - عند جمع القرآن في
العصر البكريّ؛ حيث كان للصحابة في هذ الجمع مصدران اعتمدوا عليهما.
السؤال: لِمَ لَمْ يتحد نوع ما كتب عليه ليسهل
الرجوع إليه؟ أول جواب على ذلك: أن في عهده –صلى الله عليه وسلم- كان على التيسير ورفع
الحرج؛ فمن ثم اختلف النوع؛ لأن المهم هو سرعة التدوين والكتابة، بخلاف ما كان عليه
الأمر في عهد الصديق أبي بكر.
وقد جلى الجواب الشيخ غزلان فذكر:
أن القرآن كان يتتابع نزوله، فكان صعبًا أن نجعله في كتاب واحد، وأن القرآن في
عهده –صلى الله عليه وسلم- كان عرضة للنسخ، وعليه يكون عرضة لتغيير الكتابة بعد
الجمع والترتيب.
وكانت الآيات الكثيرة تنزل ثم
يعلم الترتيب فلو وضعت في مصحف واحد لكان في المشقة ما فيه.
(ب) ما وقع من الجمع الكتابي في
عهد أبي بكر للقرآن:
قتل أثناء حروب الرِّدَّة سبعون
من حفاظ القرآن الكريم في يوم اليمامة خاصة، فخشي على القرآن أن يضيع منه شيء،
وخاصة أن ما كتب في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم - كان أشتاتًا فيمكن أن يضيع
منه شيء مع من مات، فمن ثم كان الجمع في العهد البكري، فقد أخرج البخاري من صحيحه في كتاب فضائل القرآن
باب جمع القرآن عن زيد بن ثابت
قال: "أرسل إليَّ أبو بكر الصديق بعد مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر
بن الخطاب عنده، قال أبو بكر – رضي الله عنه-: إن عمر أتاني فقال إن
القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى إن استحر القتل بالقراء
بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل
شيئًا لم يفعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل
عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا
نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله – صلى الله عليه وسلم-، فتتبع القرآن فاجمعه.
فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن،
قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله
خير.
فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى
شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما-، فتتبعت القرآن
أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري
لم أجدها مع أحد غيره، {لَقَدۡ
جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ} [التوبة: ١٢٨] حتى
خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر –رضي الله عنه.
ويستفاد من هذا الحديث أمور:
أولها: إعطاء
كل حال حكمها اللائق بها؛ ولذا عملوا على جمع القرآن؛ لأن الحال تغير عنه في عهد
النبي –صلى الله عليه وسلم-؛ فخوفًا من ضياع شيء من القرآن جمع أبو بكر الصديق القرآن بعد أن شرح الله صدره
وصدر عمر وزيد بن ثابت
لذلك.
ثانيها:
اختيار الأكفاء في المهام الصعبة كاختيار أبي بكر زيد بن ثابت لجمع القرآن لتوفر
العقل والأمانة، والديانة والشباب فيه، والممارسة والخبرة التي لها دخل عظيم في إنجاح
الأعمال.
ثالثها:
الشعور عند العمل العظيم بالمسئولية الجسيمة.
رابعها: دفع
شبهة كيف لم يجد زيد بن ثابت
هاتين الآيتين، وكيف اكتفى برجل واحد في نقل قرآنيتهما؟
وقد
دفع شيخنا غزلان هذه
الشبهة بأن بدأ بذكر ما يجب مراعاته عند التعرض لهذه الشبهة:
ا
- عدم إمكان أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - خص أبا خزيمة لتبليغ هاتين
الآيتين؛ لأن القرآن لا يحل روايته بالمعنى، فلا يمكن
الاطمئنان إلى روايته بلفظه دون تغيير حرف منه إلا تبليغ جماعة كبيرة.
٢
- أن إجماع الصحابة على أن كتابتهما في المصحف لا تكون برواية الواحد؛
ولذا لا بد أن الصحابة كتبوهما بعد روايتهما عن جماعة كثيرة، ويكون معنى كلام زيد:
"لم أجدهما مع أحد غيره" دائرًا بين أمرين: إما أن يكون مراده أنه لم
يجدهما مكتوبتين عند أحد غير أبي خزيمة، فهو انفراد بكتابتهما فقط.
وإما
أن يكون مراده أنه انفرد بكتابتهم وحفظهما، فلم يجدهم عند غير أبي خزيمة، فظل أبو
خزيمة لما علم ذلك يحدث بهما ويحدث بهما أيضًا زيد بن ثابت، حتى حفظها من لم يحفظه
وتذكرها من نسيه حتى تواتر نقلها، فتوفر شرط القرآنية لهاتين الآيتين فأثبتهما زيد
في المصحف.
وقد
نقل الحافظ أن هناك روايات عن الصحابة تكشف عن أن منهم من كانت معه هاتان الآيتان،
منها عن خزيمة بن ثابت، وعثمان، وأُبيّ بن
كعب -رضي الله عنهم- [انظر:
فتع الباري: (ج٩ ص ١١-١٢)].
فأبو خزيمة لم ينفرد بتلقيهما، بل تلقاهما
الكثير، وقد ذهب إلى ذلك أيضًا أبو حيان.
وأرى:
أن نفي زيد بن ثابت
لوجود الآيتين كان نفيًا لوجودهما من كل وجه؛ ولكن من المعقول أن يكون زيد بن ثابت قد اقتصر في بحثه على أهل
المدينة، ولا يعقل أنه ذهب لكل لأماكن لتقصي ذلك، والصحابة في المدينة كانوا
قليلين.
ونحن
لا نوافق شيخنا غزلان
في افتراض ذهول الأكثرين مع اشتراطه في أول الكلام أن يكون النقلة من حيث العدد ممن
تحيل العادة عليهم النسيان.
وخلاصة
القول: أن هاتين الآيتين توفر لهما من شروط النقل ما توفر لسائر آي القرآن، ولقد
حققت الكتابة غايتها المقصودة.
والظاهر
أن زيد بن ثابت لم
ينفرد بمهمة الجمع وحده، بل عاونه غيره كأبي بكر
وعمر وأُبيّ كما تفيده الروايات المتعددة كما ذكر الحافظ في (الفتح)، ولقد تم
الجمع في العهد البكري على أمثل ما يكون في الاحتياط والعناية اللائقين بجلال
القرآن.
ولقد
عرف الصحابة لأبي بكر الصديق
فضله حتى قال فيه علي: "أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبوبكر، هو أول من
جمع كتاب الله".
ومن
أعظم فوائد الجمع فوق ما هو مقصود من حكمته الرئيسية الداعية إليه، اتصال السند
الكتابي بالأخذ عن الصحف التي كتبت بين يدي النبي –صلى الله عليه وسلم- كاتصال
السند المتواتر في الرواية والتلقي على الشيوخ.
(ج)
الجمع العثماني للقرآن:
إذا
كان الجمع الكتابي في الصحف للقرآن قد تم في العصر البكري ليكون مرجعًا للحفاظ عند
إرادة العودة إليه، فقد كان الجمع العثماني لغرضٍ وداعٍ آخر هو: تجريد جميع
المصاحف والصحف مما ليس بقرآن كالدعوات المأثورة، والتفسير، وما نسخت تلاوته،
وحاشا أن يلبسوا على من بعدهم، ولكن ذلك كان بغرض حفظ القرآن وذلك بعد تفرق
الصحابة الذين تلقيت القراءات على أيديهم في الأمصار، وربما فسَّر صحابي لفظًا غريبًا
أو معنى وألحقه تلامذته على مصاحفهم فوجدت في المصاحف أشياء مذكورة ودعوات مثل
دعاء الحفد والخلع، حتى استفحل الأمر، واتسع الخرق؛ فرأى الخليفة الراشد عثمان تدارك هذا الأمر، وجمع الناس على مصحف واحد
جرده من كل هذه المصاحف، ونفى عنه كل ما ليس بقرآن، في مصحف واحد يجرده من عين
المصاحف البكرية التي لم يكن فيها إلا القرآن فحسب، على ما أخرج البخاري – رضي
الله عنه - في جمع القرآن من (صحيحه) من حديث ابن شهاب – يعني الزهري أن أنس ابن مالك حدثه "أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية
وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: "يا أمير المؤمنين، أدرك
هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى"، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها
في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى
عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن
الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه
بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردَّ عثمان
الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل
صحيفة أو مصحف أن يحرق".
هذا
هو الباعث على جمع عثمان
للمصاحف في مصحف واحد، وليس كما قال بعضهم: من أن السبب في الاختلاف كانت الأحرف
السبعة، وقد فندنا هذه الدعوى في مبحث الأحرف السبعة، ولا نريد أن نعيد استدلالًا،
ولكن لو كانت الأحرف قد أخذ عثمان بحرف واحد منها فكيف وصلت القراءات إلينا
بالتواتر.
ودعوى
أن هذا كله حرف قريش مكابرة، ولو كان كذلك لجمعهم على حرف واحد بدون اختلاف في
أدائه، وإلا لكان بقاء القراءات مانعًا من الوصول لدرء الخلاف على زعمهم، والمصحف العثماني
كالمصحف البكري في جمعه للأحرف السبعة.
فخبرني
بربك إذا كان من القراءات التي تركها عثمان
ما قد يختلف معناه اختلافًا بينًا عن القراءة الأخرى، إلى حد يصل إلى عدم جواز
اجتماع المعنيين أحيانًا في شيء واحد؛ لكونهما نفيًا وإثباتًا مثلًا، وإنما تتفق القراءتان
إذ ذاك من وجه آخر لا يقتضي التضاد وذلك كقراءة:
{وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}
[سورة إبراهيم: ٤٦]. بكسر
اللام الأولى من (لِتزولَ) وفتح الثانية على أن (إنْ) نافية نفت إزالة مكرهم
للجبال، وقرئت بفتح اللام الأولى ورفع الأخرى على أن (إنْ) مخففة من الثقيلة
واللام الأولى المفتوحة هي الفارقة بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففة المهملة،
والمعنى على هذه القراءة: (إِنَّ مَكْرَهُمْ يُزِيلُ الْجِبَالَ).
والقراءتان
سبعيتان متواترتان بلا شبهة، ومعناهما لا يمكن أن يجتمع في شيء واحد كما ترى.
وإن اتفقا من وجه آخر لا يقتضي التضاد، بل تكون
معه الآية على غاية من الاستقامة والسداد، فيراد من الجبال على قراءة النفي أمر
محمد – صلى الله عليه وسلم - ودين الإسلام، ويراد منها على قراءة الإثبات الجبال الحقيقية،
والمسألة مبسوطة في كتب التفسير وفي (النشر) لابن الجزري.
نقول:
إذا كان من القراءات ما قد يختلف فأيهما كان أدعى للخلاف على النحو الذي زعموا،
وأيهما كان أرفع له؟ أهو اختلاف المعنى البالغ هذا الحد، أم هو مجرد اختلاف الألفاظ
المترادفة المتفقة المعنى تمامًا على ما زعموا في المراد من الأحرف؟ أفيقع الخلاف
بسبب تعدد تلك الألفاظ المترادفة ليرفعه عثمان بإبقاء واحد فقط من تلك الألفاظ؟ أم
يقع بسبب مثل هذا الاختلاف البالغ في المعنى ويكون أجدر بدرجات أن يرفع لأجله
عثمان إحدى القراءتين؟ فإذا أبقى عثمان –رضي الله عنه- هاتين القراءتين جميعًا - مع
أن الأمر فيهما هو على الاختيار لأي منهما فما ذاك إلا لكونه لا يستجيز، بل لا يجرؤ
هو ولا غيره حتى لو كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم - نفسه على حذف شيء مما
أنزله الله ولم يأذن برفعه.
وهكذا كان رضى الأصحاب أيضًا، إذن - مع – صلى الله عليه وسلم - نفسه على حذف شيء مما أنزله الله ولم يأذن برفعه.
وهكذا كان رضى الأصحاب أيضًا، إذن - معالجة عثمان للخلاف هو على النحو الذي وصفنا من هذا الخلاف، ودفعه - أعني تجريد عثمان
للمصحف - من كل ما ليس بقرآن، وإحراق كل ما يشتمل مع القرآن على غيره من الصحف أو
المصاحف، أخرج ابن أبي داود
في (المصاحف) بسند صحيح - كما قال الحافظ -
من طريق سويد بن غفلة
قال: "قال علي: لا تقولوا في عثمان
إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منَّا، قال: ما تقولون
في هذه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن
يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن نجمع الناس على مصحف واحدٍ فلا تكون فرقة
ولا اختلاف.
قلنا:
"فنعم ما رأيت"، وهكذا تمَّ لعثمان ما أراد من هذا الجمع بمرضاة من
الصحابة.
مشكلة
عرضت في هذا الجمع شبيهة بأختها في الجمع البكري والحل هو نفس الحل.
أخرج
البخاري في
سورة الأحزاب من كتاب التفسير عن زيد بن ثابت
أنه قال: "لما نسخنا المصحف في المصاحف، فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع
رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله – صلى الله
عليه وسلم - شهادته شهادة رجلين: {مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}".
قال
الحافظ في (الفتح): "هذا يدل على أن زيدًا لم يكن يعتمد في جمع القرآن على
علمه ولا يقتصر على حفظه، لكن فيه إشكال، لأن ظاهره أنه اكتفى مع ذلك بخزيمة وحده
والقرآن إنما يثبت بالتواتر، والذي يظهر في الجواب أن الذي أشار إليه أن فقده فقد
وجودها مكتوبة لا فقد وجودها محفوظة، بل كانت محفوظة عنده وعند غيره، ويدل على هذا
قوله في حديث جمع القرآن: فأخذت أتتبعه من الرقاع والعُسُب".