التشابه في اللغة:
يطلق على معنيين، على التماثل، وعلى الالتباس. جاء في لسان العرب: "أشبه
الشيءُ الشيءَ: ماثله، وفي التنزيل: {مُتَشَٰبِهٗا
وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ}
[الأنعام: ١٤١]، و"الشبهة:
الالتباس" [لسان العرب: "شبه"].
والآيات والأحاديث الخاصة بصفات
الله تعالى –مثل: الاستواء، واليد، والعين، والقدم، ونحوها– من هذا القبيل الثاني،
أي من الأمور المشكلة، ولذلك اختلف في فهمها:
١-فـالسلف كان منهجهم
تجاه تلك النصوص، الإقرار والإثبات
والإمرار، من غير تعرض لتأويلها، مع تنزيهه تعالى عن التمثيل والتشبيه.
يقول ابن قدامة:
"قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل –رضي الله عنه– في قول النبي صلى
الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ يَنزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِنَّ
اللهَ يُرَى فِي القِيَامَةِ»، وما أشبه هذه الأحاديث: نؤمن بها، ونصدق بها،
لا كيف ولا معنى ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، {لَيۡسَ
كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ
وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: ١١]، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به
نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله، محكمه ومتشابهه،
ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم، وتثبيت القرآن".
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن
إدريس الشافعي –رضي الله عنه - : "آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد
الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله"، وعلى
هذا درج السلف وأئمة الخلف –رضي الله عنهم– كلهم متفقون على الإقرار والإمرار
والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله.
٢-أما الخلف:
فقد أوَّل جمهورهم هذه الصفات بمعانٍ لم يقل بها السلف.
حيث أوَّلوا الاستواء بمعنى
الاستيلاء أو القهر، واليد بمعنى القدرة، ومجيئه تعالى بمجيء أمره، وعين الله
بمعنى عنايته ورعايته، ولفظ اليمين بالقوة، والفوقية بالعلو المعنوي لا الحسي،
والعِنْدِيَّة في مثل قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ
ٱلۡغَيۡبِ} [الأنعام: ٥٩] بالإحاطة
والتمكن وهكذا.
وحجة هؤلاء:
أنه يجب تنزيه الله – تعالى – عن مماثلة خلقه، ولكن الحقيقة أن مذهب السلف لا
يقتضي المماثلة، فإذا كان للخلق علم وسمع وبصر ورحمة، فلله تعالى أيضًا علم وسمع
وبصر ورحمة، ولكن من قال من السلف أو الخلف إن علم الله وسمعه وبصره ورحمته مثل
علم خلقه وسمعهم وبصرهم ورحمتهم؟ وهل يعقل أن يكون فهم الخلف لآيات الصفات أحسن من
فهم السلف؟
تأويل ما يمتنع –عقلاً
أو شرعًا– حمله على ظاهره:
وإذا كان هذا موقف السلف والخلف من
نصوص الصفات، فإن الأمر يختلف مع تلك النصوص التي يمتنع عقلاً وشرعًا حملها على
ظاهرها، مثل نصوص معية الله –تعالى– كقوله عز وجل: {وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا
كُنتُمۡۚ} [الحديد: ٤] فالله تعالى
منزه عن أن يكون معنا بذاته في حجراتنا وداخل دورات مياهنا وحماماتنا ونحو ذلك،
فالمراد بمعيته هنا معيته بالعلم والسمع والبصر، فهو يعلم كل ما يصدر عنا ويسمعه
ويبصره.
تأويل المتشابه اللفظي:
يُقصد بـالمتشابه اللفظي: ما تكرر
من القرآن لفظًا، أو مع اختلاف في العبارة والتركيب بأي صورة من الصور، كالتقديم
والتأخير، والزيادة والنقصان، وإبدال حرف بآخر، أو كلمة بأخرى، وغير ذلك.
ومثاله: قوله تعالى {وَإِذۡ
قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا
وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا
وَقُولُواْ حِطَّةٞ
نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [البقرة: ٥٨]، مع قوله تعالى: {وَإِذۡ قِيلَ
لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ
وَقُولُواْ حِطَّةٞ
وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا
نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [الأعراف: ١٦١]، والمقصود بتأويل المتشابه اللفظي
هنا: بيان السر في التكرار، وفي اختلاف التركيب في كل موضع من المواضع المكررة،
بحيث يظهر لنا وجه إعجاز القرآن، الذي صُرِف فيه القول بأساليب متعددة، عجز الخلق
جميعًا عن مجاراته ولو بأسلوب واحد منها.
وعلى هذا:
فإن المقصود بتأويل المتشابه اللفظي يختلف عن المقصود بتأويل متشابه الصفات، ولقد
اعتنى العلماء بدراسة هذه الناحية في القرآن عناية فائقة، وكان على رأسهم الخطيب
الإسكافي في كتابه (درة التنزيل وغرة التأويل)، ومحمود بن حمزة الكرماني
في كتابه (البرهان في توجيه متشابه القرآن)، وابن الزبير الغرناطي في كتاب (ملاك
التأويل).