أدلة المانعين
ومناقشتها:
استدل المانعون لتفسير
القرآن بغير المأثور - ولو مع توافر كل الشروط والأدوات والعلوم - بأدلة من القرآن
والسنة، وآثار عن الصحابة والتابعين.
الأدلة من القرآن:
استدلوا بقوله تعالى: {قُلۡ
إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ
وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ
يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا
وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ}
[الأعراف: ٣٣]؛ حيث قالوا: إن القول على الله
بغير علم محرم؛ لأنه في الآية معطوف على محرم. والتفسير بالرأي قول على الله بغير
علم، فيكون محرمًا.
ويرد على هذا
الاستدلال: بأن التفسير بالرأي المحمود ليس قولًا على الله بغير علم، وإنما هو
إدراك الطرف الراجح، باستخدام العلوم التي يحتاج إليها المفسر بعد انعدام العلم
اليقيني، فالقول بغلبة الظن حينئذ يكفي {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦]. بل إن المجتهد
حينئذ مأجور، حتى لو لم يحالفه التوفيق، كما صح في الحديث.
واستدل المانعون أيضًا
بقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: ٣٦]؛ حيث قالوا: التفسير بالرأي قول بغير
علم، فيكون منهيًا عنه
ويرد عليهم في ذلك:
بما رددنا عليهم في استدلالهم السابق.
كما استدلوا بقوله
تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ
إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤]. حيث قالوا: إنه
ليس لغير النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتكلم في شيء من معاني القرآن؛ لأن
النبي هو المبين له.
ويرد عليهم في ذلك:
بأن الآية ليس فيها قصر البيان عليه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان مأمورًا ببيان
ما خفي عليهم، أو اختلفوا في فهمه، كما نصت الآية ٦٤ من السورة ذاتها، حيث يقول
تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ
الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} [النحل: ٦٤]،
وأما ما كان واضحًا في عصره صلى الله عليه وسلم، فلم يكن مأمورًا ببيانه، ولكن لما
اتسعت الفتوحات الإسلامية، ودخل العجم في دين الله، وبَعِد الناس عن عهد النبوة،
وفشا الجهل فيهم بلغة العرب، وأسباب النزول، وملابسات القرآن، احتاجوا إلى بيان؛
حيث لم يكفهم ما نُقل من طريق السماع.
أدلة المانعين من
السنة:
استدل المانعون بحديثين
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الحديث الأول: رواه
الترمذي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقوا
الحديثَ عنِّي إلّا ما علِمتُمْ فمَن كذبَ عليَّ مُتعمِّدًا فليتَبوَّأْ مَقعدَهُ
مِن النّارِ، ومَن قال في القرآنِ برأيِّهِ، فليتَبوَّأْ مَقعدَهُ مِن النّارِ». [رواه الترمذي].
الحديث الثاني: أخرجه الترمذي وأبو
داود عن جندب أنه قال: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من قالَ في القرآنِ برأيِهِ فأصابَ فقد
أخطأ».
وهذان الحديثان لا يدلان:.
وهذان الحديثان لا
يدلان في الواقع على المنع، لا سندًا ولا متنًا.
أما سند الأول منهما،
ففيه عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، والترمذي وإن حسَّن له إلا أن العلماء ضعفوه، كما
نقل الحافظ ابن حجر عنهم في تهذيبه أثناء ترجمته له. [تهذيب التهذيب: ٥/٤].
أما سند الحديث الثاني،
فهو ضعيف أيضًا، لوجود سهيل بن أبي حازم القطعي فيه، وقد ضعفه العلماء، كما نقل عنهم الذهبي في ميزانه، وابن
حجر في تهذيبه. [ميزان الاعتدال: ١/٤٣٢،
وتهذيب التهذيب ٤/٢٦١].
أما من ناحية المتن:
فإن المراد بالرأي في هذين الحديثين لا يخرج عن الصور الآتية:
الرأي القائم على غير
علم: بأن صدر من شخص لم تتوافر فيه شروط
المفسر، ولا ضوابط التفسير، ويدل لصحة هذا التوجيه ما أخرجه ابن جرير الطبري من
طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن قال
في القُرآنِ بغَيرِ عِلمٍ فليَتَبَوَّأْ مَقعَدَه مِنَ النّارِ». [تفسير ابن جرير: ١/٧٨].
أو أن المراد من الرأي:
الخوض فيما استأثر الله تعالى بعلمه، وجعله من المتشابه الذي لا يعلمه إلا هو،
كالروح ونحو ذلك.
أو أن المراد من الرأي:
الرأي الذي يجعل المذهب أصلًا ومتبوعًا، والتفسير فرعًا وتابعًا، كما يفعله مفسرو
الفرق المبتدعة.
أو أن المراد من الرأي:
الهوى والاستحسان، كما يفعله بعض الوعاظ، حينما يقصدون أغراضًا صحيحة، فيلجأون إلى
آراء خاصة، ترغيبًا وترهيبًا للمستمع.
أو أن المراد من الرأي:
الرأي القائم على ترك المأثور، والأخذ بظاهر العربية، فإن الأخذ بظاهر العربية فقط
لا يكفي، بل لا بد من الاعتماد على المأثور أولًا.
كما استدل المانعون
بآثارٍ عن الصحابة والتابعين، منها:
قول أبي بكر - رضي
الله عنه -: "أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله
برأيي، أو بما لا أعلم".
وعن ابن عباس -رضي الله
عنهما- قال: "إنما هو كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فمن قال
بعد ذلك برأيه فما أدري أفي حسناته يجد ذلك، أم في
سيئاته". [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر:
٢/١٣٦].
ويمكن أن يُرَدَّ على
هذه الآثار وما شاكلها بما يأتي:
أولًا:
إن امتناع السلف عن التفسير إنما كان فيما لا علم لهم به، أما ما كانوا يعلمونه
فكانوا يقولون به ولا يكتمونه، وإلا لكانوا من الذين يكتمون العلم، والذين هددهم
الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم - بالعذاب الأليم.
والدليل على ذلك:
(أ) أن كتب الحديث
والتفسير مملوءة بتفاسير صحيحة عنهم.
(ب) وبدليل أن الروايات
الواردة عنهم في ذم التفسير بالرأي تنص على أن المراد التفسير بغير علم، كما جاء
عن أبي بكر
وغيره قوله: "بما لا علم لي".
ثانيًا: أو أن امتناع
من امتنع منهم كان على سبيل التورع والاحتياط، خوفًا من عدم إصابة قول الحق.
ثالثًا: أو أن امتناع
من امتنع إنما كان لعدم وجوب ذلك عليهم، نظرًا لوجود آخرين يسدون مسده، كما كانوا
يفعلون مع من يطلق امرأته ثلاثًا، كل منهم يدفعه للآخر.
وبناء عليه: فإن ما
استدل به المانعون لا يدل لهم بحال من الأحوال.