سنة الله ماضية في الكافرين والمنافقين كما سجلها القرآن الكريم في مواضع كثيرة بالحق والعدل، وتُظهر الآيات مآل المستكبرين المعاندين، وتكشف خطرهم على الإيمان والمؤمنين.
سنة الله ماضية في الكافرين والمنافقين كما سجلها القرآن الكريم في مواضع كثيرة بالحق والعدل، وتُظهر الآيات مآل المستكبرين المعاندين، وتكشف خطرهم على الإيمان والمؤمنين.
لقد أوضحنا السنة الإلهية مع المؤمنين، ولما كان فريق كبير من الناس أرسل الله إليهم رسله ليؤمنوا به ربًّا واحدًا لا شريك له وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلم يستجيبوا لدعوة الإيمان وظلوا يتخبطون في سراديب الكفر وظلام الضلالة، فقد عني القرآن الكريم بوصف حالهم وتصوير عصيانهم وكشف كيدهم عدوانًا على الأنبياء وإيذاءً للمؤمنين، مع تكرار دعوة الإيمان المكللة بالعفو والغفران، وترك لهم الخيار فاختاروا طريق جهنم وانحازوا إلى سبيل الغواية الذي يؤدي بهم إلى نار الجحيم.
إن هذا الفريق من الذين اختاروا الكفر عنادًا واستكبارًا واستسلموا لشياطينهم الذين أضلوهم -ونعني هنا كفار قريش- قد استمعوا بين ما قد استمعوا إليه من الكتاب الذي أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- قول الله عز وجل: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ * وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ * وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ * تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ * وَيۡلٞ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ * يَسۡمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٖ * وَإِذَا عَلِمَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا شَيۡـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ * مِّن وَرَآئِهِمۡ جَهَنَّمُۖ وَلَا يُغۡنِي عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَيۡـٔٗا وَلَا مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الجاثية: ٣-١٠] إن الذين استمعوا إلى تلك الآيات من كتاب الله المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- المتلو على أسماعهم مبينًا سنن الله في شئون حياتهم مما احتوته الآيات من دعوة إلى الإيمان مؤيدة بالبرهان ثم ما تلاها من نذير لا يحول بينه وبينهم ما اتخذوه من أولياء من دون الله: ثم لم يؤمنوا، مستحقون للعذاب الذي هو أشد أنواع العقاب، إنه جهنم التي أعدها الله للكافرين.
ولقد عني الكتاب العزيز بوصف أحوالهم وإصرارهم على كفرهم وكشف كيدهم ولؤمهم، وبيان كذبهم على الله ورسوله والمؤمنين، ودحض حججهم وتسفيه عللهم؛ وذلك لأن الشرك والكفر هما أسوأ سبيل لعصيان رب الكون وخالقه، وذلك في قوله عز وجل: {إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ} [لقمان: ١٣] يقول الله عز وجل في شأن هؤلاء: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا * إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا} [النساء: ١٦٧-١٦٩]، إن هؤلاء الكفار لم يقف الأمر بهم عند رفض الإيمان ولكنهم كانوا يصدون الناس عن الإيمان بالترغيب تارة وبالترهيب والأذى تارات أخرى، وإن ما كان يصنعه طغاة مشركي قريش من إيقاع أشد أنواع الأذى بالذين آمنوا من المستضعفين مسطور في كتاب الله ومسجل في كتب السيرة.
وفي هؤلاء أيضًا يقول الله عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡ} [محمد: ٣٤].
وإن دائرة الكفر لا يقف الأمر بها عند إنكار الإيمان بالله، وإنما تتسع تلك الدائرة لتشمل من كفر بالملائكة أي أنكر وجودهم، ومن كفر بكتب الله ورسله واليوم الآخر، وتلك ظاهرة عند بعض المعاصرين ممن يظهرون الإيمان، لكن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كل لا يتجزأ، وإن إنكار ركن من هذه الأركان الخمسة يخرج بصاحبه عن دائرة الإيمان، وفي ذلك يقول الله عز وجل في محكم كتابه: {وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا} [النساء: ١٣٦] ثم تتضمن الآية التالية صورة أخرى للكفر هي قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا} [النساء: ١٣٧] ثم تجيء الآية التالية لتكمل صورة الكفار بالمنافقين وذلك في قول الله عز وجل: {بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا * ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا} [النساء: ١٣٨-١٣٩].
والمنافقون من أشد الكفار خطرًا على المؤمنين؛ لأنهم يعمدون إلى الخديعة حين يتظاهرون بالإيمان ويبطنون أشد أنواع الكفر حقدًا على المؤمنين وتضليلًا لهم، ومن ثم كان مكانهم في الآخرة هو الدرك الأسفل من النار تصديقًا لقوله تعالى: {إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا} [النساء: ١٤٥]، وفي وصف تضليل هؤلاء المنافقين وخداعهم يقول المولى عز وجل: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ * يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ * أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ * وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ * ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} [البقرة: ٨-١٦].
لقد حفل الكتاب العزيز بآيات كثيرة مبثوثة في مكانها الملائم لها في عدد كبير من سوره، ولكن لما كان لهؤلاء المنافقين من خطر على دعوة الإيمان ومن زرع بذور الفتنة بين جموع المؤمنين فقد شاءت الإرادة الإلهية أن تفضحهم، وتستهزئ بهم بصورة متكاملة، دقة وصف وكمال بيان، وجمال عرض، وإعجاز أسلوب، في هذه المجموعة المتفردة من آيات كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فخلفت عارًا لكل منافق، وسبة لكل مخادع عند كل من وقعت عيناه عليها من الذين يتلون كتاب الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ويوم يبعثون.
يبين القرآن الكريم أن سنة الله ماضية في الكافرين والمنافقين دون تبديل أو استثناء، فجزاؤهم العذاب المهين في الدنيا والآخرة، وقد جاءت الآيات توضح مظاهر كفرهم وعداوتهم للدعوة والمجتمع المؤمن، وتفصّل عاقبة مكرهم واستكبارهم، وهذا التحذير الرباني باقٍ شاهدًا وعدلًا إلى يوم القيامة، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.
سنن الله في الخلق مظهر من مظاهر القدرة الربانية، تجلت في آيات قرآنية محكمة تدعو للتدبر والتأمل
السنن الإلهية في خلق الأرض تجلٍّ لعظمة الخالق وقدرته المطلقة، تتضح في تكريم الإنسان وتيسير سُبل الحياة
يجمع القرآن الكريم في مواضع كثيرة بين الإيمان والعصيان في آية واحدة أو أكثر؛ ليجعل الحق والباطل في كفتي ميزان