قال
الله تعالى: {ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ
أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ}
[الروم: ٤١] تشير هذه
الآية الكريمة إلى أن الفساد أو التلوث الذي تعاني منه البيئة والبشرية اليوم برًا
وبحرًا وجوًا؛ جاء نتيجة طبيعية لعمل الإنسان، ذلك أن البيئة من المنظور الإسلامي
مرتبطة بتحمل الإنسان -دون غيره من المخلوقات- لأمانة الخلافة في الأرض وترقية
الحياة عليها حتى يستكمل حكمة الله من خلقه وخلقها، بعد أن سخر له كل م في الكون
من نعم ظاهرة وباطنة لكى ينتفع بها ويمجد بانتفاعها رب العالمين.
ولا
يكون الإنسان جديرًا بتحمل أمانة الخلافة إذا أساء استعمال هذه النعم التي تتكون
منها عناصر البيئة، أو تصرف فيها على نحو غير مشروع جريًا وراء منفعة خاصة، أو
استسلامًا لأنانية مقيته، فالخلافة تعني أول ما تعنى تعمير الأرض بإشاعة الخير
والسلام فيها، وبالعمل على إظهار عظمة الخالق وقدرته عن طريق الانتفاع الإيجابي
بكل المخلوقات التي سخرها الله لخدمة الإنسان، ويتجلى ذلك في قوله تعالى: {هُوَ
أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا} [هود: ٦١] أي: جعلكم عمارًا
تعمرونها وتسكنون بها، وهذا لا يتأتى إلا بأمرين:
أولهما: أن تبقى الصالح على صلاحه ولا
تفسده.
وثانيهما:
أن تصلح ما يفسد وتزيد إصلاحه، ولا شك أن في الأمرين خير ضمان لحماية البيئة
وسلامتها.
ولقد
سبق الدين الإسلامي الحنيف إلى وضع تشريعات محكمة لرعاية البيئة وحمايتها من آفات
التلوث والفساد، ورسم المنهج الإسلامي حدود هذه التشريعات على أساس الالتزام
بمبدأين أساسيين يحددان مسئولية الإنسان حيال البيئة التي يعيش فيها، الأول:
"درء المفاسد" حتى لا تقع بالبلاء على العباد وتسبب الأذى للفرد
والمجتمع والبيئة، حيث لا ضرر بالنفس، ولأضرار بالغير، والثاني: "جلب
المصالح" وبذل كل الجهود التي من شأنها أن تحقق الخير والمنفعة للجماعة
البشرية.
وأهم
ما يميز المنهج الإسلامي في الحفاظ على البيئة هو الأمر بالتوسط والاعتدال في كل
تصرفات الإنسان، باعتباره من أهم عوامل الوقاية من الخلل والاضطراب في منظومة
التوازن البيئي المحكم الذي وهبه الله للحياة والأحياء في هذا الكون، وهذا لا يعنى
بطبيعة الحال أن يقف الإنسان مكتوف الأيدي إزاء النظم البيئية المحيطة به، أوان
يعطل أداء واجب الإعمار الذي تقتضيه أمانة الاستخلاف في الأرض، ولكنه يعنى أن
يتعامل الإنسان مع هذه النظم بما يمكنه من تطوير حياته دون إسراف في استخدام
الموارد الطبيعية أو جور على حقوق الآخرين.