Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الترقي في فهم الإعجاز العلمي للقرآن الكريم

الكاتب

أ. د/ أحمد فؤاد باشا

الترقي في فهم الإعجاز العلمي للقرآن الكريم

يُعد الإعجاز العلمي في القرآن الكريم مدخلًا متجددًا لتأمل آيات الله في الكون والنفس، ودعوة صريحة للتدبر في كتابه المسطور والمنظور، ويُسهم هذا التوجه في ربط العلم الحديث بالهداية الإيمانية، وفق منهج متوازن يجمع بين العقل والنص.

الدعوة القرآنية للتدبر

شاءت حكمة الله تعالى أن يكون إرشاد الناس وهدايتهم بوسائل متنوعة، وهو سبحانه وتعالى خبير بعباده، فتارة يخاطبهم بما يمس قلوبهم مسًا رقيقًا رفيقًا، وتارة أخرى يقرع عقولهم قرعًا قويًا شديدًا، وكان من أبرز ما جلى به أبصارهم وأنار بصائرهم حضّه إياهم على التدبر في آيات خلقه.

وهذا ما شجع العلماء الذين يرون في الإعجاز العلمي للقرآن الكريم لونًا من التفسير فيه فتح جديد وتجديد في طريق الدعوة إلى الله وهداية الناس إلى دين الله، ولما كان القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى التي أيد الله بها رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم لتبقى بين أيدي الناس إلى قيام الساعة، مصداقًا لقوله تعالى: {قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ} [الأنعام: ١٩]، فقد ظهرت مباحث في علوم القرآن تعنى بجوانب الإعجاز القرآني: البلاغية والتشريعية والتربوية والعلمية وغيرها.

وفي بيان المعجزة العلمية من حيث طبيعتها الباقية بين يدي الناس، وتجددها مع كل كشف بشري في ميادين العلوم، وكذلك في المعارف ذات الصلة بمعاني الوحي الإلهي، يقول الله تعالى: {لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: ١٦٦]، وجاء في تفسير هذه الآية الكريمة: "أنزله بعلمه": أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب، من الماضي والمستقبل". [مختصر تفسير ابن كثير، المجلد الأول ص٤٦٦].

كذلك وعدنا الحق جل وعلا بأن يرينا آياته، فيتحقق لنا العلم الدقيق بها، وذلك في قوله عز وجل: {وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} [النمل: ٩٣] وقوله تعالى: {سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ } [فصلت: ٥٣]

ومن آيات الله في الآفاق وفي الأنفس كل مخلوقاته التي خلقها في شتى آفاق الأرض والسماء، مصداقًا لقوله تعالى: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ} [الشورى: ٢٩]، والقرآن الكريم حافل بذكر آيات الله في خلقه متخذًا من التفكير فيها مدخلًا رحبًا إلى الإيمان الخالص بالله عن طريق الاستشعار بوحدانيته سبحانه وبقدرته وبديع صنعه.

ويتخذ القرآن الكريم أساليب بلاغية متنوعة في الدعوة إلى النظر في آيات الله والاحتفال بذكر السماوات والأرض، والشمس والقمر، والمشارق والمغارب، والبروج والنجوم والكواكب، والليل والنهار والفجر والغسق، والظلمات والضياء والنور، والبحار والأنهار والعيون، والرياح اللواقح، والسحاب الثقال والمركوم والمنبسط، والبرق والرعد والمطر، والجبال الراسيات والجدد البيض والحمر والغرابيب السود، والأرض الهامدة والأرض المهتزة الرابية، والجنات والنخيل والأعناب والتين والزيتون، والطلح والسدر واليقطين، والنمل والنحل والبعوضة والعنكبوت، والطير الصافات، والإبل والخيل والأنعام، واللبن يخرج من بين الفرث والدم والشراب الشافي يخرج من بطون النحل، وخلق الإنسان من تراب ومن ماء مهين، وتطوره في ظلمات الرحم خلقًا من بعد خلق، وشفتيه ولسانه وسمعه وبصره وفؤاده، وإخراج الحي من الميت والميت من الحي... وهذه كلها أمثلة قليلة بعيدة عن تمام الحصر مما يوجهه القرآن الكريم لأولي الألباب الذين يعقلون ويتفكرون ويتدبرون.

ومن يتأمل الخطاب القرآني في الدعوة إلى النظر في آيات الله؛ يجد أنه ينزل في نفوس المؤمنين منزلة الأمر، فالمسألة عندهم إذن مسألة فريضة وتكليف [عبد الحافظ حلمي محمد، العلوم البيولوجية في خدمة تفسير القرآن الكريم، مجلة عالم الفكر المجلد الثاني عشر، العدد الرابع، الكويت ١٩٨٢م]. لكن من البديهي أن يتفاوت هذا التكليف بالنظر في آيات الله من مؤمن إلى مؤمن، ومن قارئ إلى قارئ، إذ أن نظرهم هذا يتفاوت بتفاوت استعدادهم ومقدرة إدراكهم وحصيلة معارفهم.

فالسماوات مثلًا آيات رائعة معجزة عند الأمي وعند عالم الفلك المتخصص على السواء، وإن كان العالم أقدر على الإحاطة بجلال الإعجاز في خلقها، ومن ثم كانت خشيته العميقة لخالقها مصداقًا لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ} [فاطر: ٢٨].

فمن هنا كان النظر الفطري البسيط والنظر العلمي المتأمل العميق، وكلاهما مطلوب ومشروع ومفيد. وهذا سر من أسرار بلاغة القرآن، بيد أن التعمق بالبحث العلمي السليم لا يتوافر إلا للقادرين عليه والمؤهلين له، فهو إذن فرض كفاية عليهم، كما أنهم مكلفون أيضًا بتبصرة غيرهم بما انتهى إليه نظرهم، فقد أمرنا أن نتعلم ونعلم، ونهينا عن كتمان العلم.

تفاوت مستويات فهم القرآن والإعجاز العلمي

والناس يتفاوتون في فهمهم للقرآن بحسب درجاتهم وأحوالهم واستطاعتهم، وهم في العصر الحديث أحوج من أي عصر مضى إلى أن يتعلموا من مائدته ما استطاعوا، وأن يفيدوا من كنوزه وأسراره في إصلاح دنياهم والفوز بنعيم آخرتهم.

يقول الراغب الأصفهاني في كتابه "مقدمة التفسير": "ثم إن القرآن- وإن كان في الحقيقة هداية للبرية - فإنهم لن يتساووا في معرفته، وإنما يحظون به بحسب درجاتهم واختلاف أحوالهم، فالبلغاء تعرف من فصاحته، والفقهاء من أحكامه، والمتكلمون من براهينه العقلية، وأهل الآثار من قصصه ما يجهله غير المتخصص بفنه. وقد علم أن الإنسان بقدر ما يكتسب من قوته في العلم تتزايد معرفته بغوامض معانيه..." [عن: د. أحمد الشرباصي، قصة التفسير، دار القلم، القاهرة، ١٩٦٢م. راجع: عبد الحافظ حلمي محمد، مرجع سابق].

وأهل الاختصاص في فروع العلوم -بطبيعة الحال- ليسوا بدعًا بين هؤلاء الذين ذكرهم الأصفهاني، فكل ما يساعد من حقائق العلم على تعميق الفهم لمعاني القرآن الكريم وتعاليمه وأحكامه، هو ما يجب الأخذ به، وكم في القرآن الكريم من آية إذا مستها يد العلم أبانت أسرارها وأظهرت إعجازه، ذلك أن القرآن الكريم له أسلوبه الحكيم في الدلالة على آيات الله في الكون، والهداية التي جاء أصلًا من أجلها تقتضي ألا يخاطب الناس عن الكون بما ينكرون، أو بما يستعصي على أفهامهم، فيقوم ذلك حجابًا بينهم وبين قبول دعوته، وحاملًا على التكذيب: {بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ} [يونس: ٣٩].

كذلك تقتضي الهداية القرآنية ألا يوافق القرآن الناس على باطل معتقداتهم الكونية وفي عصر نزول الوحي به، فيقوم ذلك حائلًا دون قبول دعوته في عصور التقدم العلمي والتقني التي علم منزل القرآن أنها ستكون، وتجنب هذين العائقين عن قبول هداية القرآن هو من بدائع إعجاز أسلوبه ومن أكبر الدلائل على أنه حقًا من عند الله ناظر الناس وفاطر الكون.

بلوغ نهاية الإحسان في قراءة "الكتابين"

وينبغي الترقي في فهم آيات القرآن والكون إلى درجة الفقه، حتى ندرك الحكمة وراء إعجازها، ونبلغ نهاية درجة الإحسان في قراءة الكتابين: المسطور والمنظور.

أما نهاية الإحسان في قراءة آيات القرآن فتعني تجاوز حدود الأصوات والألفاظ، واختراق حاجز الزمان والمكان، وصولًا إلى الاستمتاع بسماع المتكلم الأزلي جل جلاله، فالنفس الشفافة، والإحساس المرهف، لهما أثر جلي في قراءة القرآن، أو الاستماع إليه، وبذلك تتجلى أنوار القرآن على قلب القارئ أو السامع. ولهذا كانت نصيحة العارفين: "اقرأ القرآن كأنه يتنزل عليك".

وأما نهاية الإحسان في قراءة آيات الكون -كتاب الله المنظور- فتعني تجاوز حدود البحث العلمي الآلي، بعناصره ووسائله وأدواته، واختراقه عالم النظريات والقوانين العلمية بصياغاتها اللفظية، وصولًا إلى إدراك أن كل علم من العلوم الباحثة في ظواهر الكون والحياة، هو في حقيقته علم يبحث بلغته الخاصة عن الله خالق الكون والحياة.

ويستند في غاية منتهاه إلى اسم من أسماء الله الحسنى.. فعلم الطب والصيدلة يصل إلى كماله بمشاهدة التجليات الرحيمة لاسم "الشافي" في كل حبة دواء، وعلوم الفيزياء والفلك والكيمياء والنبات والحيوان تبحث في حقيقة الموجودات باستنادها إلى ما يناسبها من أسماء العليم الحكيم القادر المقدر الذي أوجد هذا العالم على أعلى درجة من الترتيب والنظام والكمال والجمال.

وبهذا تكون العلوم في حقيقتها غير مقصودة لذاتها، وإنما هي ضرورات حيوية وحاجات معرفية وعقلية تحيط الهداية الإيمانية بأبعاد جديدة، وترى في كل مشهد كوني آية ناطقة بقدرة الخالق ووحدانيته، ومظهرًا معبرًا من مظاهر تجليات أفعال الله تعالى وأسمائه الحسنى.

ولا شك أن البحث في الإعجاز العلمي لآيات القرآن الكريم على هدى وبصيرة يؤتي ثماره الحقيقية ببلوغ نهاية الإحسان على سلم الترقي في فهم آيات الله المنبثة في القرآن الكريم، وفي جنبات الكون الفسيح، وفي أسرار النفس البشرية وباقي الموجودات.

كما أن ارتقاء العلوم الحديثة ونجاحاتها في استكشاف حقائق جديدة عن الكون من العوامل التي ساعدت على الاجتهاد في تسخير العلم الكوني لتجلية معانٍ جديدة لآيات القرآن الكريم، شريطة أن يكون الاجتهاد في ذلك المجال وفق منهج رصين محدد ينبغي الالتزام به في ضوء ما هو معروف عن معنى الحقيقة العلمية وحدودها.

الخلاصة

فهم الإعجاز العلمي للقرآن يتطلب تدرجًا في التدبر وارتقاءً في الإدراك العلمي والإيماني، وتكامل النظر بين آيات القرآن وآيات الكون يفتح آفاقًا جديدة للفهم واليقين، وعند بلوغ نهاية الإحسان في قراءة الكتابين (المسطور والمنظور) يتحول العلم إلى عبادة، والمعرفة إلى طريق للهداية.

موضوعات ذات صلة

القرآن الكريم كتاب هداية ورحمة للبشرية، يحمل في طياته معجزات علمية ودلالات إعجازية تؤكد صدقه

تحدث القرآن الكريم عن الإعجاز العلمي، مُبينًا أن الرؤية تعتمد على انعكاس الضوء من الأجسام

يتجلى الإعجاز العلمي في آيات القرآن الكريم واضحًا، فيتناول ظواهر كونية وأرضية دقيقة

موضوعات مختارة