Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإعجاز المعاصر: (مصطفى صادق الرافعي)

الكاتب

أ. د/ محمد رجب البيومي

الإعجاز المعاصر: (مصطفى صادق الرافعي)

مصطفى صادق الرافعي يُعتبر واحدًا من أبرز الشخصيات؛ التي تناولت دراسة الإعجاز القرآني في العصر الحديث، وقد أثرى هذا المجال من خلال تأليفه كتاب "إعجاز القرآن"، الذي يعالج الموضوع بأسلوب أدبي راقٍ ومميز، ويُشكل كتابه إضافة قيّمة إلى المكتبة الإسلامية، حيث يقدم رؤية تحليلية معمقة حول جوانب الإعجاز في القرآن الكريم.

الرافعي وكتابه إعجاز القرآن

الرافعي - رحمه الله - أول من أخرج كتابًا مستقلًا في الإعجاز القرآني من المعاصرين، فمنذ أن كتب السيوطي كتابه عن الإعجاز؛ والمكانُ فارغٌ، ينتظر من يملؤه على وجه شامل مستوعب، يُضيف الجديد مما يشبع رغبة القارئ المعاصر، وقد تصدّر الكتاب ببحوث تتجه وجهة الأدب الإبداعي، ولكنّها لا تدخل في صميم المنهج العلمي، وأولُ صور الإعجاز ما كتبه الرافعي تحت عنوان (آداب القرآن)؛ إذ جعل الأخلاق القرآنية والمسائل التشريعية والتربية السلوكية إحدى وجوه الإعجاز، والسابقون من أمثال الباقلاني وعبد الجبار وعبد القاهر، ممن خصوا الإعجاز بأبواب مستقلة، جعلوا الأسلوب البياني وحده مدار الارتكاز في قضية الإعجاز.

 أما الرافعي فافتتح بهذا الفصل موضوعًا جديدًا، مؤكدًا أن قواعد الأخلاق قد وجدت من القرآن الركيزة المتبناة لعلم السلوك الإنساني، في أسلوب بياني، يجب أن يُلتفت إليه معنى ومبنى، وقد قال بصدد ذلك:

"وما فَرّط المسلمون في آداب هذا القرآن إلّا منذ فَرّطوا في لغته، فأصبحوا لا يفهمون بيانه، وبالتالي لا يدركون آدابه" [إعجاز القرآن للرافعي ص١١٣].

ثم أخذ يعرض آراء السابقين في الإعجاز، وقد حمل على المتكلمين حملة لا أرى معه الحق فيها، فإذا كانت الشبه التي تحدّث عنها المتكلمون قد فقدت مضمونها في هذا العصر، فقد كانت من قبل ذات نقدٍ هادمٍ، فإذا كرّ عليها المتكلمون بالنسف المبيد فقد قاموا بواجب يُشكرون عليه، كما رفض القول بالصَّرفة على المعنى الشائع العام، وهو مرفوض بداهة.

وحين تحدّث الرافعي عن الإعجاز الأسلوبي، ذكر أنَّ العرب حين ورد عليهم أسلوب القرآن رأوا أن ألفاظه هي الألفاظ التي يتداولونها، ولكنّ طريقة نظم هذه الألفاظ ووجوه تركيبها ونسق حروفها في كلماتها، ونسق الكلمات في الجمل؛ كلها جديدةٌ في بابها، فأحسّوا بعجزهم عن احتوائها، ورأوا أن أسلوب القرآن جنس من الكلام غير ما هم فيه، ولا سبيل إلى محاكاته، إذ هو وجه الكمال اللغوي الذي تشرئب إليه أرواحهم [إعجاز القرآن للرافعي ص ٢١٤].

التكرار في البيان القرآني

أما التكرار في البيان القرآني فقد خاض في تعليله كثيرٌ من البلغاء، ولكنّ الرافعي أتى بالجديد حين ذكر أن التكرار مألوفٌ عند العرب؛ ولكنّه في النسق القرآني غير مألوف، إذ إن المعنى يتردّد بصور، كل صورة منها غير الأخرى، وهم عاجزون عن محاكاة الصورة الواحدة، فما بالهم بالصور المتعددة، فكأنّ الرافعي يريد أن يقول لهؤلاء: إن القرآن يأتي بالمعنى ويتحداهم أن يأتوا بمثله، فيدركهم العجز، فيأتي بالمعنى نفسه في صورة أخرى جديدة، فيدهش السامعون لهذا التكرار الطريف؛ مع أنه تكرار، وقد خفي هذا المراد على الملاحدة، ومن لا نفاذ لهم في أسرار اللغة العربية، فزعموا المزاعم السخيفة، مع أنهم وأشباههم قد عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله.

وخلص الرافعي إلى تحليل الأسلوب القرآني، فحصر جهات النظم في ثلاث، هي: الحروف والكلمات والجمل، وخصّ كل جهة بفصل شافٍ مشفوع بالأدلة الكاشفة، والجديدُ بها أكثر من أن يُحصر، وقد باهى الرافعي بما اهتدى إليه، ولم يلتفت ناقدوه إلى ما اختاره من أمثلة لم تكن من مختارات سابقيه، مما يجعلني أؤكد أن كتاب الرافعي هو الثاني في بابه بعد كتاب (دلائل الإعجاز)؛ لأن الكتابين اجتمعا في خاصية واحدة، لم يشركهما فيها مشارك، وهي روعة البيان الأسلوبي وتدفق التحليل.

النشأة اللغوية للأمة العربية الإعجاز

ومن الجديد الذي اهتدى إليه الرافعي، من بارع الأفكار المضيئة في أفق الإعجاز نستشهد بهذه السطور:

"كل من يبحث في تاريخ العرب وآدابهم، وينفذُ إلى ذلك من حيث تنفذ به الفطنة، وتأتي حكمة الأشياء، فإنه يرى كل ما سبق على القرآن من أمر الكلام العربي وتاريخه إنما كان توطيدًا له، وتهيئة لظهوره، وتناهيًا إليه ودُرْبَة لإصلاحهم به، وليس في الأرض أمةٌ كانت تربيتها لغوية غير أهل الجزيرة، فما كان فيهم كالبيان آنق منظرًا وأبدع مظهرًا، وأمدّ سببًا إلى النفس، وأردّ عليها بالعافية، ولا كان لهم كذلك البيان أزكى في أرضهم فرعًا، وأقوم في سمائهم شرعًا، وأوفر في أنفسهم ريعًا، وأكثر في سوقهم شراءً وبيعًا، وهذا موضعٌ عجيب للتأمل، ما ينفد عَجَبُه على طرح النظر وإبعاده، وإطالة الفكر وترداده، وأيّ شيء في تاريخ الأمم أعجبُ من نشأة لغوية تنتهي بمعجزة لغوية، وتأتي بها على أكمل الوجوه وأحسنها، ثم يكون الدينُ والعلم والسياسة، وسائر مقومات هذه الأمة مما تنطوي عليه المعجزة، فتخرجُ به للدهر أمةً كان عملها في الأمم صورة من تلك المعجزة" [إعجاز القرآن للرافعي ص١٥٨].

وهذا الوجهُ من النشأة اللغوية للأمة العربية قبل مبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يراهُ الرافعي تهيئة وتوطيدًا للقرآن الكريم، إذ نشأ في أمة هذه مقدرتُها اللغوية لتكون قادرة على استيعابه، وهي في الوقت نفسه عاجزة عن الإتيان بمثله. كما عدّ الرافعي نهضة الأمة العربية، بعد ضياعها في العصر الجاهلي وامتداد دولها شرقًا وغربًا، مظهرًا من مظاهر الإعجاز القرآني في تربية النفوس، وحَفْز السلوك إلى المثل الأعلى، والإعجازُ بهذه الفتوح لا يقف عند الجاهلين من أهل مكة؛ لأنهم لم يروا ما جدّ من الفتوح فيما بعد، ولكنه شهادة لدوام الإعجاز لدى الخلف بعد انقضاء عهد السلف.

وقد جاء من المؤلفين في البيان القرآني وإعجازه بعد وفاة الرافعي من ظهر في نتاجهم العلمي أثر الإعجاز كما قرر الرافعي من قبل، فكانَ الرجل بذلك قائد كتيبة علمية وجَّهت نشاطها إلى حقل القرآن، وأحرزت فخار النصر ورجعت بالأسلاب، (وبعضهم - ولا أدري لماذا - لم يُشيروا إلى كتاب الرافعي الذي استقوا من نبعه وارتووا من مائه، ولو أشاروا إليه لكان ذلك أدلّ على منزعهم الخلقي قبل أن يدل على فهمهم لأصول البحث العلمي، إذ يتسمون بالأمانة العلمية، ولا أنتقل إلى محاولة من رأى أن يعارض الرافعي بعد أن استقى من نبعه، ليقول إنه غير متأثر به، وللقراء عقول تعرف انحرافات الأهواء، وتستّر الميول). 

الخلاصة

يُعتبر الرافعي من رواد دراسة الإعجاز القرآني في العصر الحديث؛ حيث أضاف أبعادًا جديدة كأوجه للإعجاز، ورفض الرافعي فكرة الصَّرفة، واعتبر أن إعجاز القرآن يكمن في أسلوبه الفريد الذي يعجز البشر عن محاكاته، وأبرز الرافعي أن التكرار في القرآن ليس عاديًّا؛ بل يأتي المعنى الواحد في صور متعددة تعجز العرب عن الإتيان بمثلها؛ ولهذا يُعد كتاب الرافعي من أهم الكتب في الإعجاز القرآني، وقد ترك الرافعي أثرًا كبيرًا في الدراسات القرآنية اللاحقة، رغم أن بعض الباحثين ممن استقى منه لم ينسبوا الفضل إليه. 

موضوعات ذات صلة

يُعدّ الإعجاز البياني في القرآن الكريم من أبرز وجوه إعجازه؛ إذ بهر العرب بفصاحته وأسلوبه الفريد

لم يكن إعجاز القرآن الكريم في عجز البشر على الإتيان بمثله لما تحداهم الله بذلك بل تخطى حد الإعجاز

قدّم الزمخشري تفسيرًا بيانيًّا مميزًا للقرآن، متأثرًا بأسلوب عبد القاهر الجرجاني في الإعجاز اللغوي

موضوعات مختارة