الرافعي - رحمه الله
- أول من أخرج كتابًا مستقلًا في الإعجاز القرآني من المعاصرين،
فمنذ أن كتب السيوطي كتابه عن الإعجاز؛ والمكانُ فارغٌ، ينتظر من يملؤه على وجه شامل
مستوعب، يُضيف الجديد مما يشبع رغبة القارئ المعاصر، وقد تصدّر الكتاب ببحوث تتجه وجهة
الأدب الإبداعي، ولكنّها لا تدخل في صميم المنهج العلمي، وأولُ صور الإعجاز ما كتبه
الرافعي تحت عنوان (آداب القرآن)؛ إذ جعل الأخلاق
القرآنية والمسائل التشريعية والتربية السلوكية إحدى وجوه الإعجاز، والسابقون من أمثال
الباقلاني وعبد الجبار وعبد القاهر، ممن خصوا الإعجاز بأبواب مستقلة، جعلوا الأسلوب
البياني وحده مدار الارتكاز في قضية الإعجاز.
أما الرافعي فافتتح بهذا الفصل موضوعًا جديدًا، مؤكدًا
أن قواعد الأخلاق قد وجدت من القرآن الركيزة المتبناة لعلم السلوك الإنساني، في أسلوب
بياني، يجب أن يُلتفت إليه معنى ومبنى، وقد قال بصدد ذلك:
"وما فَرّط المسلمون
في آداب هذا القرآن إلّا منذ فَرّطوا في لغته، فأصبحوا لا يفهمون بيانه، وبالتالي لا
يدركون آدابه" [إعجاز القرآن للرافعي ص١١٣].
ثم أخذ يعرض آراء السابقين
في الإعجاز، وقد حمل على المتكلمين حملة لا أرى معه الحق فيها، فإذا كانت الشبه التي
تحدّث عنها المتكلمون قد فقدت مضمونها في هذا العصر، فقد كانت من قبل ذات نقدٍ هادمٍ،
فإذا كرّ عليها المتكلمون بالنسف المبيد فقد قاموا بواجب يُشكرون عليه، كما رفض القول
بالصَّرفة على المعنى الشائع العام، وهو مرفوض بداهة.
وحين تحدّث الرافعي عن الإعجاز الأسلوبي، ذكر أنَّ
العرب حين ورد عليهم أسلوب القرآن رأوا أن ألفاظه هي الألفاظ التي يتداولونها، ولكنّ
طريقة نظم هذه الألفاظ ووجوه تركيبها ونسق حروفها في كلماتها، ونسق الكلمات في الجمل؛ كلها جديدةٌ في بابها، فأحسّوا بعجزهم عن احتوائها، ورأوا أن أسلوب القرآن جنس
من الكلام غير ما هم فيه، ولا سبيل إلى محاكاته، إذ هو وجه الكمال اللغوي الذي تشرئب
إليه أرواحهم [إعجاز القرآن للرافعي ص ٢١٤].