Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الاعجاز البياني للقران الكريم: (الشريفان)

الكاتب

أ.د محمد رجب البيومي

الاعجاز البياني للقران الكريم: (الشريفان)

يتبع الشريفان الرضي والمرتضى منهجين مختلفين في تفسير الإعجاز البياني للقرآن الكريم، حيث يميل الرضي إلى المنهج الأدبي، بينما يعتمد المرتضى على المنهج العلمي التحليلي، يقدم كل منهما منظورًا مميزًا؛ يُبرز جوانب متنوعة ومتكاملة من الإعجاز القرآني.

منهج الشريفين في تفسير الإعجاز البياني

وأقصد بهما الشريفين الرضي والمرتضى، وهما أخوان بارعان تحدثا عن الإعجاز الإلهامي كثيرًا، فأفاضا في ذكر أسبابه، وتعدد فنونه، ولكنهما يختلفان منهجًا، فالرضي شاعر أديب يعتمد على الذوق الحساس، والبيان الطلق، والمرتضى يشاركه الشعر والأدب، ولكنه نظّار متكلم يعتمد على دفع الحجة، ومعارضة الخصم، وترتيب الأدلة، فهما يمثلان في تفسير الإعجاز مذهبين مختلفين، ويتركان للدارس مجالًا فسيحًا للموازنة والتحليل، ولا أدري كيف سكت كثير من الدارسين عن إيضاح مقامهما في دنيا الإعجاز البياني، وكتبهما ذائعة مشتهرة، ولعلي بذلك أدعو إلى دراستهما من يريد أن يضيف الجديد.

وفي مجال التمثيل لوجهة الشريف المرتضى في التفسير العلمي لبعض الآيات الكريمة، أنقل عن (أماليه) ما ذكره في تأويل قوله تعالى: {فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ} [الشعراء: ٣٣]، مقابلًا ذلك بقول الله عز وجل في موضع آخر: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [القصص: ٣٢]، مشيرًا إلى أن الثعبان في الآية الأولى هو الحية العظيمة الخلقة، والجان في الآية الثانية هو الصغير من الحيات، فكيف يجتمع الصغر والكبر في شيء واحد؟

وللإجابة عن ذلك قال المرتضى عدة ردود، نذكر منها: إن الآيتين ليستا حديثًا عن قصة واحدة؛ بل هناك حالتان مختلفتان، إذ إن الحال التي جعلت العصا فيها بصفة الجان، كانت في ابتداء النبوة قبل أن يذهب موسى إلى فرعون، والحالة الثانية التي صارت فيها العصا ثعبانًا كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة، فلا اعتراض، ثم يرى المرتضى أن الظن يذهب إلى أن الموقف واحد، وليس بموقفين، مع أن الله قد حسم الأمر حين قال: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}[القصص: ٣٣]، فدل على اختلاف الموقف، ولكنه من باب إرخاء العنان للمجادلة، على طريقة المتكلمين.

 تابع النظر، فقال: وعلى افتراض اتحاد الموقف، فإن الله تعالى شبه العصا بالثعبان في الآية الأولى لعظم الخلقة، وكبر الجسم، وهول المنظر، وشبهها في الآية الثانية بالجان لسرعة الحركة والنشاط والخفة، فاجتمع لها نشاط الصغير وسرعة حركته مع هول الكبير وروعة منظره، وهذا أبهر في باب الإعجاز، وأبلغ في خرق العادة، ولا تناقض معه؛ لأن وجه الشبه مختلف في الآيتين، ولا يجب أن يكون المشبه مماثلًا للمشبه به في كل الوجوه، بل يحوز من الصفات ما يدل على شيء جامع، لا على كل متفق.

 وكأن المرتضى في نقاشه الجدلي لم يكتف بالرأيين السابقين، بل عمد إلى رأي ثالث؛ خلاصته أن المراد في الآية بالجان هو أحد الجن لا الحية الصغيرة، فكأنه تعالى أخبر بأن العصا صارت ثعبانًا في الخلقة، وعظم الجسم، وكانت مع ذلك كأحد الجن في هول المنظر وإلافزاع، فكأن وجه الشبه المختلف قد كان سبب ما يظهر من الأحرف، وقد يجوز أن تكون العصا قد ظهرت أولًا بصفة الجان، ثم انقلبت إلى صفة الثعبان، وهو رأي رابع ساقه المرتضى، وأعقبه بأن هذا التأويل يجعل الحكم متفق في الاثنين، وهو ما يبطل اعتراض المعترض.

على هذا النحو من التفريع والتشقيق، وتوهم الاعتراض ثم الإجابة عليه بعدة وجوه، سار الشريف المرتضى فيما تعرض له من تخريج الآيات الموهمة للاعتراض.

تفسير الرضي البياني وجمالياته الأدبية

 أما الشريف الرضي في كتبه البيانية؛ فقد خالف هذا المنحى فلا تهمه أن يتتبع الردود لينقضها، بل يهمه الشرح البياني المشرق لآيات الإعجاز القرآني، وقد يرد على قول سابق دون أن يشير إلى اسم صاحبه؛ ولكنه يقول في اقتضاب: "فبطل قول من قال"، وقد تعقب الرماني في آيات كثيرة، وأبدى ما يخالف وجهة نظره، وهذا في أدب النقد الملتزم دون تجريح قد نراه لدى بعض الدارسين.

 كما أن الشريف الرضي قد تتبع في كتابه (تلخيص البيان في مجاز القرآن) سور الكتاب العزيز، سورة سورة، إلا بعض القصار التي خلت من صور البيان واعتمدت على الحجة المقنعة، والإلزام المفحم، وأضرب المثل لما عقب به على قول الله عز وجل: {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء: ٩٤]، قال: "هذه استعارة، والمراد بها أنهم تفرقوا في الأهواء، واختلفوا في الآراء، وتقسمتهم المذاهب، وتشعبت بهم الولائج، ومع ذلك فجميعهم راجع إلى الله سبحانه وتعالى على أحد وجهين: إما أن يكون ذلك رجوعًا في الدنيا، فيكون المعنى أنهم وإن اختلفوا في الاعتقادات صائرون إلى الإقرار بأن الله - سبحانه وتعالى – خالقهم، ورازقهم، ومصرفهم، ومدبرهم، أو يكون ذلك رجوعًا في الآخرة؛ فيكون المعنى أنهم راجعون إلى الدار التي جعلها الله - تعالى - مجال الجزاء على الأعمال، وموفي الثواب والعقاب، وإلى حيث لا يحكم فيهم ولا يملك أمرهم إلا الله - سبحانه وتعالى، وشبه تخالفهم في المذاهب، وتفرقهم في الطرائق - مع أن أصلهم واحد، وخالقهم واحد - بقوم كانت بينهم وسائل متناسقة، وعلائق متشابكة، ثم تباعدوا تباعدًا قطع تلك العلائق، وشذب تلك الوصائل، فصاروا أصنافًا مختلفين".

 فهذا تحليل أدبي يبعد بالكتاب عن جفاف المنطق الصارم، وله أمثاله، بل ما يزيد عنه كثيرًا، لأني لو نقلت النصوص التامة لتعليقاته الأدبية البارعة لضاق نطاق القول، وحسبي أن ألفت إلى ما تعرض له في مثل قول الله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ} [البقرة: ٢٥٨]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وقوله: {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ}، فقد سبق إلى تحليل كان ابن بجدته، ودل على صدق استشفاف، ولطافة اتجاه، وأذكر أني وضحت ذلك تمامًا فيما كتبته عنه تحت عنوان: (منحى الشريف الرضي) في كتابي: (خطوات التفسير البياني)، ومنه اقتبست ما جاء عن الشريفين -رحمهما الله-.

الخلاصة

تناول الشريفان الرضي والمرتضى موضوع الإعجاز البياني في القرآن بأسلوبين مختلفين؛ فالرضي يركز على التحليل الأدبي والجمالي للآيات، بينما ينهج المرتضى منهجًا منطقيًّا يقوم على الردود المفصلة والتأويلات المتعددة، وقد أظهر الشريف الرضي مهاراته البيانية في تفسير الآيات بمختلف صورها الاستعارية، في حين كان المرتضى أكثر تنظيمًا وحججًا في تفسيراته.

موضوعات ذات صلة

يُعدّ الإعجاز البياني في القرآن الكريم من أبرز وجوه إعجازه؛ إذ بهر العرب بفصاحته وأسلوبه الفريد

ظهرت في العصر العباسي حركة فكرية تهتم بدراسة إعجاز القرآن الكريم، حيث تصدّى العلماء لمواجهة الآراء المخالفة التي ظهرت بسبب الحرية الفكرية،

قدّم الزمخشري تفسيرًا بيانيًّا مميزًا للقرآن، متأثرًا بأسلوب عبد القاهر الجرجاني في الإعجاز اللغوي

موضوعات مختارة