وأقصد بهما الشريفين الرضي والمرتضى، وهما
أخوان بارعان تحدثا عن الإعجاز الإلهامي كثيرًا، فأفاضا في ذكر أسبابه، وتعدد فنونه،
ولكنهما يختلفان منهجًا، فالرضي شاعر أديب يعتمد على الذوق الحساس، والبيان الطلق،
والمرتضى يشاركه الشعر والأدب، ولكنه نظّار متكلم يعتمد على دفع الحجة، ومعارضة
الخصم، وترتيب الأدلة، فهما يمثلان في تفسير الإعجاز مذهبين مختلفين، ويتركان
للدارس مجالًا فسيحًا للموازنة والتحليل، ولا أدري كيف سكت كثير من الدارسين عن
إيضاح مقامهما في دنيا الإعجاز البياني، وكتبهما ذائعة مشتهرة، ولعلي بذلك أدعو
إلى دراستهما من يريد أن يضيف الجديد.
وفي مجال التمثيل لوجهة الشريف المرتضى في
التفسير العلمي لبعض الآيات الكريمة، أنقل عن (أماليه) ما ذكره في تأويل
قوله تعالى: {فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ
مُّبِينٞ} [الشعراء:
٣٣]، مقابلًا ذلك بقول الله عز وجل في موضع آخر: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا
وَلَمْ يُعَقِّبْ} [القصص: ٣٢]، مشيرًا إلى أن الثعبان في الآية الأولى
هو الحية العظيمة الخلقة، والجان في الآية الثانية هو الصغير من الحيات، فكيف
يجتمع الصغر والكبر في شيء واحد؟
وللإجابة عن ذلك قال المرتضى عدة ردود، نذكر منها: إن الآيتين ليستا
حديثًا عن قصة واحدة؛ بل هناك حالتان مختلفتان، إذ إن الحال التي جعلت العصا فيها
بصفة الجان، كانت في ابتداء النبوة قبل أن يذهب موسى إلى فرعون، والحالة الثانية
التي صارت فيها العصا ثعبانًا كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة، فلا اعتراض،
ثم يرى المرتضى أن الظن يذهب إلى أن الموقف واحد، وليس بموقفين، مع أن الله قد حسم
الأمر حين قال: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}[القصص:
٣٣]،
فدل على اختلاف الموقف، ولكنه من باب إرخاء العنان للمجادلة، على طريقة المتكلمين.
تابع النظر، فقال: وعلى افتراض اتحاد الموقف، فإن الله
تعالى شبه العصا بالثعبان في الآية الأولى لعظم الخلقة، وكبر الجسم، وهول المنظر،
وشبهها في الآية الثانية بالجان لسرعة الحركة والنشاط والخفة، فاجتمع لها نشاط
الصغير وسرعة حركته مع هول الكبير وروعة منظره، وهذا أبهر في باب الإعجاز، وأبلغ
في خرق العادة، ولا تناقض معه؛ لأن وجه الشبه مختلف في الآيتين، ولا يجب أن يكون
المشبه مماثلًا للمشبه به في كل الوجوه، بل يحوز من الصفات ما يدل على شيء جامع،
لا على كل متفق.
وكأن المرتضى في نقاشه الجدلي لم يكتف بالرأيين
السابقين، بل عمد إلى رأي ثالث؛ خلاصته أن المراد في الآية بالجان هو أحد الجن لا
الحية الصغيرة، فكأنه تعالى أخبر بأن العصا صارت ثعبانًا في الخلقة، وعظم الجسم،
وكانت مع ذلك كأحد الجن في هول المنظر وإلافزاع، فكأن وجه الشبه المختلف قد كان
سبب ما يظهر من الأحرف، وقد يجوز أن تكون العصا قد ظهرت أولًا بصفة الجان، ثم
انقلبت إلى صفة الثعبان، وهو رأي رابع ساقه المرتضى، وأعقبه بأن هذا التأويل يجعل
الحكم متفق في الاثنين، وهو ما يبطل اعتراض المعترض.
على
هذا النحو من التفريع والتشقيق، وتوهم الاعتراض ثم الإجابة عليه بعدة وجوه، سار
الشريف المرتضى فيما تعرض له من تخريج الآيات الموهمة للاعتراض.