Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

النسخ في القرآن

الكاتب

أ.د/ محمد بكر إسماعيل

النسخ في القرآن

مفهوم النسخ في القرآن هو رفع حكم شرعي سابق بدليل شرعي لاحق، وهو يقع في الأحكام العملية دون الاعتقادية أو الأصول الأخلاقية، وهو مبدأ يوضح تطور التشريع الإسلامي، وينقسم إلى أنواع تشمل نسخ الحكم أو التلاوة أو كليهما.

مفهوم ومعاني النسخ

معاني النسخ في اللغة تدور حول: الرفع والإزالة، والنقل، والتبديل والتحويل. [لسان العرب لابن منظور ط دار المعارف المصرية، ومقاييس اللغة لابن فارس].

 يقال: نَسَخَت الشمسُ الظل أي أزالته ورفعته؛ فإن الظل لا يبقى في ذلك المكان بعد وجود الشمس فيه.

ويقال: نسخت الكتاب، أي نقلتُ مثل ذلك المكتوب إلى محلٍ آخر.

وقد استعمل القرآن الكريم مادة النسخ في هذه المعاني وما يماثلها.

أما الرفع والإزالة فقد جاء في قوله تعالى: {مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} [البقرة: ١٠٦].

وقوله تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} [الحج: ٥٢].

وأما النقل فقد جاء في قوله تعالى: {هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [الجاثية: ٢٩]. أي: ننقله بعناية ودقة، ونثبته في كتاب؛ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

وأما التبديل والتحويل فقد جاء في قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} [النحل: ١٠١].

اختلاف علماء الفقه والأصول في تعريف النسخ

وقد اختلف علماء الفقه والأصول في تعريف النسخ اختلافًا كثيرًا، نختار أهمها وأولاها بالقبول:

(أ) عرفه السمرقندي في كتابه (ميزان الأصول) [جـ٢ ص ٩٧٨ تحقيق د/عبد الملك عبد الرحمن السعدي ط وزارة الأوقاف السعودية سنة ٠٧ ٤ ١هـ/٩٨٧ ١م]، بقوله: "هو بيان انتهاء الحكم الشرعي المطلق، الذي في تقدير أوهامنا استمراره لولاه، بطريق التراخي" أهـ.

(ب) وعرفه الآمدي في كتابه: (الإحكام في أصول الأحكام) [جـ٣ ص ١٥٥ ط دار الكتب العلمية بيروت، لبنان ١٤٠٠هـ، ١٩٨٠م]، "فقال: هو عبارة عن خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق". أهـ.

(ج) والتعريف الأشهر والأيسر أن يقال فيه: هو رفع الحكم الشرعي بدليلٍ شرعي متأخر عنه.

فهذا التعريف قد أخرج تخصيص العام، وتقييد المطلق بالاستثناء أو بالصفة أو بالحال أو بالزمان أو بالمكان، وغير ذلك من أنواع التخصيص والتقييد.

ومعنى رفع الحكم الشرعي: قطع تعلقه بأفعال المكلفين لا رفعه هو؛ فإنه أمر واقع، والواقع لا يرتفع.

والحكم الشرعي: هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين إما على سبيل الطلب أو الكف أو التخيير، وإما على سبيل كون الشيء سببًا أو شرطًا أو مانعًا، أو صحيحًا أو فاسدًا.

والدليل الشرعي: هو وحي الله مطلقًا متلوًّا أو غير متلوّ، فيشمل الكتاب والسنة.

وهذا التعريف أراه جامعًا لأركانه وشروطه، مانعًا من دخول الغير فيهما، وبسط ذلك في الكتب المطولة.

أدلة العلماء على جواز النسخ

واستدل جمهور العلماء على جواز النسخ بالعقل والنقل والتاريخ.

أما العقل فلا يمنع جوازه؛ لأنه لا يترتب على وقوعه محال.

والواقع التاريخي أيضًا، يؤكد وقوع النسخ بنوعيه: نسخ الشرائع السابقة بالإسلام، ونسخ الحكم في شريعة الإسلام بحكم آخر متأخر عنه، والوقوع خير شاهد على الجواز.

وقد اعتمد المُجَوِّزُون له على ثلاث آيات من القرآن الكريم:

الأولى: قوله تعالى: {مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} [البقرة: ١٠٦].

الثانية: قوله تعالى: {يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ} [الرعد: ٣٩].

الثالثة: قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} [النحل: ١٠١].

فإذا قرأت أكثر كتب المفسرين، وجدتهم يحملون النسخ في آيتي البقرة والنحل على نسخ الحكم، ووجدت بعضهم يحمله على نسخ الحكم والتلاوة.

أما آية الرعد، فقد حملها أكثرهم على نسخ الشرائع، فكل شريعة تنسخ الأخرى، وشريعتنا ناسخةٌ لجميعها، بمعنى أنها نسخت كثيرًا من الأحكام الجزئية التي لا تتفق مع مصالحنا.

فالشريعة السماوية لا تنسخ الأصول العامة ولا القواعد الكلية؛ لأنها متفقة عليها، لا تختلف فيها شريعة عن أخرى، على أن المحو والإثبات في الآية يتناول كل ما من شأنه أن يُمْحَى، وكل ما من شأنه أن يُثْبَت، فيدخل فيها نسخ الأحكام الجزئية في شريعتنا بمقتضى هذا العموم، لهذا جعلها كثير من العلماء من أدلة الجواز.

الأمور التي يتحقق من خلالها النسخ

ولعلك تدرك مما سبق أنه لابد في تحقيق النسخ من أمور أربعة:

أولها: أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًّا.

ثانيها: أن يكون دليل رفع الحكم دليلًا شرعيًّا.

ثالثها: أن يكون هذا الدليل الرافع متراخيًا عن دليل الحكم الأول غير متصل به، كاتصال القيد بالمقيد والتأقيت بالمؤقت.

رابعها: أن يكون بين هذين الدليلين تعارض حقيقي.

تلك أربعة لابد منها لتحقق النسخ باتفاق جمهرة الباحثين، وثمة شروط اختلفوا في شرطيتها:

ـ منها أن يكون ناسخ القرآن قرآنًا وناسخ السنة سنة.

ـ ومنها كون النسخ مشتملًا على بدل للحكم المنسوخ.

ـ ومنها كون الناسخ مقابلًا للمنسوخ مقابلة الأمر للنهي والمضيق للموسع.

ـ ومنها كون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. [مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ/محمد عبد العظيم الزرقاني ج٢ص ٧٦ ط عيسى الحلبي وشركاه ].

هل يقع النسخ في الأحكام الشرعية العملية الثابتة؟

ولا يقع النسخ إلا في الأحكام الشرعية العملية الثابتة بالنص غير المؤقتة بوقت؛ لأنها تنتهي بوقتها المحدد لها، ولا في الأحكام المنصوص على تأبيدها؛ لأن النسخ فيها يتناقض مع التأبيد بشرط أن يكون التأبيد منصوصًا عليه.

ولا يلحق القواعد الكلية التي تندرج تحتها الفروع الجزئية؛ لأن هذه القواعد مقاييس تبنى عليها الأحكام.

ولا نسخ في الأمور الاعتقادية المتعلقة بذات الله -تعالى- وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

ولا نسخ في الأصول الأخلاقية، لأنها من الأمور المتفق عليها في الشرائع السماوية.

ولا نسخ في أصول العبادات والمعاملات؛ لأن الشرائع كلها لا تخلو منها وهي متفقة فيها.

ولا يدخل النسخ الخبر الصريح الذي ليس بمعنى الطلب، كالقصص والوعد والوعيد.

الطرق التي يعرف بها الناسخ والمنسوخ

والطرق التي يعرف بها الناسخ والمنسوخ كثيرة، ينبغي أن نعلم قبل أن نذكرها إجمالًا أن النسخ يتضمن رفع حكم تقرر من جهة الشارع وإثبات حكم، ومثل هذ لا يحل لمسلم أن يقول فيه إلا بيقين.

فمن قال في شيء: إنه منسوخ؛ فقد أوجب ألا يطاع هذا الأمر الصادر عن الله أو عن رسوله  -صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن نسقط طاعة أمرنا بها الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- إلا ببرهان.

وفي هذا يقول ابن الحصار: "إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت كذا".

وقال: "ولا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح"، ثم قال: "والناس في هذا بين طرفي نقيض؛ فمن قائل: لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول، ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد، والصواب: خلاف قولهما". [أنظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج٣ ص ٨١ ط الهيئة المصرية العامة للكتاب تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم].

وتوضيح ذلك: أنه لا سبيل إلى معرفة نسخ آية أو حديث بغير أحد وجوه ثلاثة:

الوجه الأول: النص الصريح الصحيح بأن هذا الأمر ناسخٌ لكذا، أو أمر صريح بترك الأمر الأول. مثاله: قوله تعالى: {وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ} [البقرة: ١٤٣]. ثم قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ} [البقرة: ١٤٤]. فهذا دليل واضح على أن القبلة التي كانت قبل هذه منسوخة.

ومثل قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ} [البقرة: ١٨٧]. فهذا النص صريح في نسخ النهي عن الوطء في ليل رمضان على رأي من قال بالنسخ.

 الوجه الثاني: إجماع الأمة بلا خلاف يعتد به على أن أمر كذا منسوخ، ومن المعلوم أن الإجماع يستند دائمًا إلى دليل.

 الوجه الثالث: تعارض الأدلة المتساوية تعارضًا تامًّا مع معرفة الأمر المتقدم زمنًا من المتأخر، وتفصيل المسألة: أن النصين إما أن يتعارضا من جميع الوجوه، أو من وجه دون وجه، فإن تعارضا من وجه دون وجه جُمِعَ بينهما، وإن تعارضا من جميع الوجوه فإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، أو كان أحدهما أقوى من الآخر في الثبوت عُمِل بالأقوى، وأهمل الآخر.

وإن تعارضا من جميع الوجوه، وتكافآ في الثبوت وعلم الأمر المتقدم منهما والمتأخر صرنا إلى النسخ.

أما إن تعارض من جميع الوجوه، وتكافآ في الثبوت، ولم يعلم المتقدم والمتأخر فلا يصار إلى النسخ بالاجتهاد؛ بل يجب التوقف عنهما أو التخيير بينهما.

وعلى هذا فلا يعتمد على: (الاجتهاد من غير دليل، ولا على أقوال المفسرين من غير سند، ولا على مجرد التعارض الظاهري بين النصوص، ولا على ثبوت أحد النصين في المصحف بعد الآخر؛ لأنه ليس على ترتيب النزول). [أنظر اللآلئ الحسان في علوم القرآن د/ موسى شاهين لاشين مطبعة الفجر الجديد بالقاهرة].

(هذا كله إذا لم يمكن الجمع بين النصين بوجه من وجوه التخصيص والتأويل، وإلا وجب الجمع؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إعمال دليل وإهدار آخر، ولأن الأصل في الأحكام بقاؤها وعدم نسخها، فلا ينبغي أن يترك استصحاب هذا الأصل إلا بدليل بَيِّن). [مناهل العرفان ج٢ ص ١٠٧].

تقسيم بعض العلماء للنسخ باعتبارات مختلفة

وقسم بعض العلماء النسخ أقسامًا متعددة باعتبارات مختلفة، نذكر بعضها بإيجاز فنقول كما قالوا:

(أ) ينقسم النسخ باعتبار التلاوة والحكم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما نسخت تلاوته وبقي حكمه:

فقد روي أنه كان في سورة النور آية، ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وهي: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله). وروي أن عمر قال: "لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي".

وقد أنكر كثير من العلماء هذا الضرب لعدم فهمهم الحكمة منه؛ ولأن دليله من قبيل أحاديث الآحاد التي يتطرق إليها الاحتمال، فيسقط به الاستدلال.  

 الثاني من الأقسام: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته:

وهو كثير في الكتاب والسنة، ومن أجله صنفت الكتب، ولاسيما إذا أخذنا في اعتبارنا مفهومه الواسع المنسوب إلى الصحابة وكثير من التابعين، إذ أدخلوا فيه تخصيص العام وتقييد المطلق كما سيأتي بيانه فيما بعد.

وقد أنكر قوم هذا الضرب بدعوى أن التلاوة والحكم متلازمان، فلا يصح رفع أحدهما مع بقاء الآخر، ورفع الحكم بجعل التلاوة خالية من الفائدة فلا يجوز. ثم إن نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، يوهم بقاء الحكم؛ فيعرض المكلف للجهل والخلط في الشريعة والأحكام.

 الرد على شبهة أن نسخ الحكم مع بقاء التلاوة يوهم بقاء الحكم:

ـ ورُدَّ على هذه الشبهة برد دعوى التلازم، فالآية بعد نسخ حكمها لا تكون خالية من الفائدة، بل معناها قائمٌ عَطّلَ العمل به دليل آخر؛ وفي ثبوته تذكير بنعمة الله تعالى إذا كان الحكم المنسوخ أشد، واختبار بالانصياع والتسليم إذا كان الحكم المنسوخ أخف، ثم في تلاوتها تعبد وأجر.

أما شبهة إيهام بقاء الحكم، وتعريض المكلف للجهل والخلط فهي مردودة بأن النسخ لا يصار إليه إلا بدليل معلوم للمكلف، وإذا علم الدليل الناسخ زال الجهل، وبعد احتمال الخلط في الأحكام. [اللآلئ الحسان ص ٢٠٢- ٢٠٣].

 والثالث من الأقسام: نسخ الحكم والتلاوة معًا:

قال الزركشي في (البرهان) [ج٢ ص ٣٩، ٤٠]: "فلا تجوز قراءته ولا العمل به، كآية التحريم بعشر رضعات فنُسِخْن بخمس؛ قالت عائشة -رضى الله عنها-: «أُنْزِلَ فِي القُرْآنِ ‌عَشْرُ ‌رَضَعَاتٍ ‌مَعْلُومَاتٍ، فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسٌ، وَصَارَ إِلَى خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ». [رواه مسلم:٢/ ١٠٧٥، والترمذي ٣/٤٥٦، وأبو داود بذل المجهود ٩/٤٤]، وفي رواية: "فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وهي مما يقرأ من القرآن". [النسائي٣٣٠٧]

وقد تكلموا في قولها: "وهي مما يقرأ" فإن ظاهره بقاء التلاوة؛ وليس كذلك، فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة، والأظهر أن التلاوة نسخت أيضًا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فتوفي وبعض الناس يقرؤها.

وقال أبو موسى الأشعري: "نزلت ثم رفعت".

وجعل الواحدي من هذا ما روي عن أبي بكر -رضي الله عنه- قال: "كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر". وفيه نظر.  

وحكى القاضي أبو بكر في (الانتصار) عن قوم إنكار هذا القسم؛ لأن الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها.

وقال أبو بكر الرازي: نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن يُنسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم، ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف، فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في قوله: {إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ * صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ} [الأعلى: ١٨-١٩]، ولا يعرف اليوم منها شيء.

ثم لا يخلو ذلك من أن يكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا توفي لا يكون متلوًّا في القرآن؛ أو يموت وهو متلو موجود في الرسم، ثم يُنسيه الله ويرفعه من أذهانهم، وغير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال السمرقندي في [(ميزان الأصول) ج ٢ ص ١٠٠٨، ١٠٠٩]: "أما الجواز فإن نسخ التلاوة، هو صرف القلوب عن حفظ القرآن الدال على كلام الله تعالى، فجائز أن ينتهي الحكم لانتهاء المصلحة وتنسى التلاوة". أما عين كلام الله تعالى فلا يتصور عليه النسخ، فإنه قديم؛ قال تعالى: {سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ * إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ} [الأعلى: ٦-٧] ؛ ولكن هذا في حال جواز النسخ، وهو حال حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فأما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلا؛ لأن الله تعالى أخبر أنه هو الحافظ لهذا القرآن بقوله: {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: ٩]، أي نحفظه مُنَزَّلًا، لا يلحقه تغيير ولا تبديل؛ صيانة للدين الحق إلى آخر الدهر".

تقسيم النسخ ببدل وغير بدل

وينقسم النسخ. أيضًا إلى قسمين: نسخ ببدل، ونسخ بغير بدل.

أما القسم الأول: فلا خلاف فيه بين العلماء، وأمثلته كثيرة سيأتيك كثيرٌ منها إلى جانب ما قد مضى ذكره.

ومعناه: أن الشارع الحكيم إذا نسخ حكمًا أبدله بحكم أخف منه أو أثقل منه، أو مساوٍ له؛ لحكمة نعلمها أو لا نعلمها.

أما النسخ إلى غير بدل فقد وقع فيه الخلاف بين الأصوليين، فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه.

ومن المانعين له الشافعي -رضي الله عنه-، وهو أول من وضع علم الأصول على الراجح من أقوال المؤرخين.

فقد قال [الرسالة ص ٣٢٨]: "وليس ينسخ فرض أبدًا إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة، وكل منسوخ في كتاب وسنة هكذا".

ومن المُجَوِّزِين له: الآمدي فهو يقرر في كتاب [الإحكام، انتهي بتصرف وإيضاح من الإحكام في أصول الأحكام ج٣ ص ١٩٥] أن مذهب الجميع جواز نسخ حكم الخطاب لا إلى بدل خلافًا لمن شذ منهم.

واستدل على وقوعه بأدلة كثيرة، وضرب لذلك أمثلة من القرآن، منها:

(أ) قوله تعالى في سورة المجادلة: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ} [المجادلة: ١٢]، ثم نسخ حكمها في الآية التي بعدها، دون أن يأتي بتكليف آخر يحل محل التكليف الأول، وذلك في قوله جل شأنه: {ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} [المجادلة: ١٣].

(ب) ونسخ الله الاعتداد بحول كامل في حق المتوفي عنها زوجها، بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} [البقرة: ٢٤٠].

وقد كانت أربعة أشهر وعشرًا، كما في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ} [البقرة: ٢٣٤].

(ج) ونسخ وجوب ثبات الرجل لعشرة في القتال فقال: جل شأنه أولًا: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ * يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ} [الأنفال: ٦٤-٦٥]، ثم قال بعدها مباشرة: {ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [الأنفال: ٦٦]. إلى آخر ما قال.

 ونحن إذا نظرنا إلى خلاف العلماء حول النسخ إلى غير بدل، وجدناه في الحقيقة خلافًا حول مفهوم البدل نفسه، لا حول اشتراطه، فإن مفهوم البدل ومعناه العام يشمل أمرين: الرد إلى ما كان قبل شرع الحكم المنسوخ وهو البراءة الأصلية، أو الإباحة ونقل الحكم المنسوخ إلى حكم آخر، فكلاهما يسمى بدلًا، فلا إشكال إذن ولا خلاف؛ لأن رد الحكم إلى الإباحة هو نسخ إلى بدل؛ لأن الإباحة نوع من أنواع الخطاب.

تقسيم النسخ باعتبار الأخف والأثقل

وينقسم النسخ من جهة أخرى إلى ثلاثة أقسام:

الأول: نسخ الأثقل بالأخف، وهو الغالب والكثير.

والثاني: نسخ الحكم بحكم آخر مساوٍ له، كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ} [البقرة: ١٤٤].

والثالث: نسخ الأخف بالأثقل، وهو قليل. كنسخ حبس الزاني بالجلد والرجم، ولا شك أن الضرب بالحجارة حتى الموت أثقل من الحبس.

ومنع بعض العلماء هذا النوع بدعوى أن الله يريد بنا اليسر في تشريعاته كلها، كما قال جل شأنه: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ} [البقرة: ١٨٥]، وقال عزمن قائل: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ} [النساء: ٢٨].

 والجواب عن هذه الشبهة أن العسر واليسر والخفة والثقل من الأمور الإضافية، فما من أمر خفيف إلا وهو ثقيل بالإضافة إلى ما هو أخف منه، وما من أمر ثقيل إلا وهو خفيف بالإضافة إلى ما هو أثقل منه، وكل ما أمر الله تعالى به يسر لنا إذ فوقه ما هو عسير وعسير، وكل ما نَقَلَنَا إليه من أحكام تخفيف علينا بالنسبة لما في علمه من مشاق، ولو أن المقصود التخفيف المطلق، واليسر المطلق لكانت ركعة واحدة في الصلاة مثلًا أخف بكثير مما هي عليه، ثم إنه قد وقع النسخ بالأشد فلا سبيل إلى إنكاره ومنعه.

 قال السيوطي في (الإتقان): "قال بعضهم: سور القرآن باعتبار الناسخ والمنسوخ أقسام: قسم ليس فيه ناسخ ولا منسوخ، وهو ثلاث وأربعون سورة: الفاتحة، ويوسف، ويس، والحجرات، والرحمن، والحديد، والصف، والجمعة، والتحريم، والملك، والحاقة، ونوح، والجن، والمرسلات، وعم، والنازعات، والانفطار، وثلاث بعدها، والفجر وما بعدها إلى آخر القرآن إلا التين، والعصر، والكافرون.

وقسم فيه الناسخ والمنسوخ، وهو خمس وعشرون: البقرة وثلاث بعدها، والحج، والنور وتاليها، والأحزاب، وسبأ، والمؤمن، والشورى، والذاريات، والطور، والواقعة، والمجادلة، والمزمل، والمدثر، والتكوير، والعصر.

وقسم فيه الناسخ فقط، وهو ست: الفتح، والحشر، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والأعلى.

وقسم فيه المنسوخ فقط، وهو الأربعون الباقية". [الإتقان: ج ٣ ص ٦٩، ٧٠].

هذا والسور التي ذكر السيوطي أنها تشتمل على ناسخ فقط، أو ناسخ ومنسوخ معًا، يحمل على النسخ بمعناه الواسع الذي يشمل ما كان مطلقًا فقيد إطلاقه، وما كان عامًّا فخصص عمومه بنوع من أنواع التخصيص، أو كان مبهمًا فأزيل إبهامه، أو كان غير مؤقت فأقت، ونحو ذلك، وهو مفهوم الصحابة للنسخ كما سيأتي بيانه.

الآيات التي قيل إنها منسوخة

ـ الآيات التي قيل إنها منسوخة عدها السيوطي اثنتين وعشرين آية، بعد أن ضيق مفهوم النسخ بعض الشيء، وبين الناسخ لها، ونظمها في قصيدة لتحفظ.

وإليك هذه الآيات، وما ذكره في شأنها ، مع مناقشته في بعض ما ذهب إليه:

الأولى: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ} [البقرة: ١٨٠]، قيل: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وقيل: بحديث: «لا وَصِيَّة لِوَارِثٍ». [الحديث أخرجه الترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء في:(لا وصية لوارث) عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب وهو يقول: «إِنَّ اللهَ عز وجل قَدْ ‌أَعْطَى ‌كُلَّ ‌ذِي ‌حَقٍّ ‌حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»]. وقيل: بالإجماع، حكاه ابن العربي.

وقد نازعه في نسخ هذه الآية جماعة من أهل العلم وقالوا: "إنها محكمة"، وهو الظاهر لي. قال القاسمي في (محاسن التأويل) [ج٣ ص ٤١١ وما بعدها] بعد أن ذكر ما ذهب إليه السيوطي: "ذهبت طائفة إلى أن الآية محكمة لا تخالف آية المواريث"، والمعنى: كتب عليكم ما أوصاكم به من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ} [النساء: ١١]، أو كتب على المحتضر: أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم، وألا ينقص من أنصبائهم، ولو فرض المنافاة لأمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية، بإبقاء القريب الذي لا يكون وارثًا لأجل صلة الرحم. قالوا: "ونسخ وجوبها للوالدين والأقربين الوارثين لا يستلزم نسخ وجوبها في غيرهم".

 الثانية: قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ} [البقرة: ١٨٤].

ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ} [البقرة: ١٨٥].

 واعتمدوا فيما ذهبوا إليه على آثار كثيرة وردت في صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد.

 لكن قد ورد ما يفيد أنها محكمة؛ فقد روى البخاري في التفسير عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في هذه الآية: "ليست منسوخة، وهو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان كل يوم مسكينًا".

 الثالثة: قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ} [البقرة: ١٨٧].

قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} [البقرة: ١٨٣]. فقد روي أن شهر رمضان قد فرض على الذين من قبلنا، على الوجه الذي كان مفروضًا على المسلمين قبل نزول هذه الآية الناسخة، بمعنى أنهم قد كتب عليهم أنه إذا صلى أحدهم العشاء ونام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها من الليلة المقبلة، وهذا ما رواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عمن حدثه عن ابن عمر.

ونحن لا ندري على وجه اليقين أن الصوم قد فرض على الذين من قبلنا على هذا النحو، فيكون الأصح الذي تطمئن إليه النفس أن هذه الآية ناسخة للسنة التي كان عليها المسلمون في أول الإسلام.

 الرابعة: قوله جل شأنه: {يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ} [البقرة: ٢١٧].

ذكر القرطبي وغيره من المفسرين: أن العلماء اختلفوا في نسخ هذه الآية، فالجمهور على نسخها، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح.

واختلفوا في ناسخها: فقال الزهري: "نسخها {وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} [التوبة: ٣٦].

وقيل: "نسخها غزو النبي -صلى الله عليه وسلم- ثقيفًا في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام".

وكان عطاء يقول: "الآية محكمة، ولا يجوز القتال في الأشهر الحرام، ويحلف على ذلك؛ لأن الآيات التي وردت بعدُ عامة في الأزمنة، وهذا خاص، والعام لا ينسخ الخاص". [راجع القرطبي عند تفسير هذه الآية].

 الخامسة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} [البقرة: ٢٤٠]، قيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ} [البقرة: ٢٣٤].

وهي متقدمة عليها في الترتيب مؤخرة عنها في النزول.

وذهب جماعة من المفسرين إلى أنها محكمة لا نسخ فيها وهو الراجح عندي.

وبيان ذلك: أن الآية الأولى في ترتيب المصحف فرضت على المرأة أن تعتد في بيت الزوجية أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليهن، لا تخرج فيها من بيتها إلا لحاجتها الضرورية، ولا تتزين للرجال، ولا تتعرض لهم من أجل الزواج، حتى تنقضي عدتها.

والآية الثانية في الترتيب أقرت حكم الآية الأولى من وجوب العدة أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليهن، مع إفادة استحباب أن تكون العدة حولًا.

وهذا الاستحباب إما أن يكون وصية من الله للورثة، مبالغة في تكريم المرأة وإنعامًا منه في رفع المعاناة عنها، وتطييبًا لنفسها ووفاء لزوجها، وإما أن يكون وصية من الزوج قبل موته، وإما أن يكون وصية من الورثة بعضهم لبعض.

   وأما النفقة فليست مرفوعة بميراثها من زوجها، لأن هذه الوصية على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب، فآية المواريث نقلت الحكم من الوجوب إلى الاستحباب ولم ترفعه بالكلية.

   ومن هنا نفهم أن النسخ في هذه الآية يحمل على معناه الواسع الذي قال به السلف، والخلاف بين الفريقين لفظي أو اصطلاحي؛ ولا مشاحة في الاصطلاح، وكل من الفريقين على الصواب، إن شاء الله تعالى.

ومن نظر في هاتين الآيتين وجد الأمر كما قررناه، فالآية الأولى فيها ذكر التربص وهو الانتظار والحبس عن الزواج حتى تنتهي العدة، بخلاف الآية الثانية، وبذلك تكون الآية الأولى خاصة بالزمن الذي لا تتعرض فيه المرأة إلى خطبة الأزواج، وما تبقى من الحول وهو سبعة أشهر وعشرين يومًا، تكون المرأة فيه مخيرة بين الانتقال من بيت الزوج المتوفي والتزوج بآخر، والمكث في بيت زوجها المتوفي عنها دون أن تتزوج بآخر؛ وفاء لزوجها الأول ومبالغة في تكريمه، وعندئذ تكون أهلًا لإكرام أهل زوجها لها، واعتزازهم بوجودها بينهم.

وحيث أمكن الجمع فلماذا نعدل عنه إلى القول الذي يرتضيه قوم وينكره آخرون؟!

 السادسة: قوله تعالى: {وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ} [البقرة: ٢٨٤] قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ} [البقرة: ٢٨٦].

والأصح أنها ليست منسوخة، فالآية الثانية بيان لها؛ فقد وقع في نفوس المؤمنين أنهم سيحاسبون على كل ما يخطر في ضمائرهم من سوء، كما يحاسبون على كل ما تبديه أنفسهم من شر وإن لم يمكنهم دفعه؛ فبيَّن الله عز وجل في الآية الثانية أنه لا يحاسبهم إلا على ما يمكنهم دفعه من الخواطر؛ إذ على المؤمن أن يدفع وساوس الشيطان أولًا بأول، ولا يسمح لها أن تتحول إلى إرادة ثم إلى عزم ثم إلى فعل؛ عملًا بقوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ} [الأعراف: ٢٠٠-٢٠١].

 والدليل على ما ذكرناه من عدم النسخ ما رواه أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية: {وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ} [البقرة: ٢٨٤]. دخل قلوبهم منها شيء، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «قُولُوا: ‌سَمِعْنَا ‌وَأَطَعْنَا ‌وَسَلَّمْنَا، قَالَ: فَأَلْقَى اللهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ: {لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ}، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، {رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ}، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ}، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.

واستدل القائلون بالنسخ بما رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم: {لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ}، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ جَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ‌كُلِّفْنَا ‌مِنَ ‌الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ، الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَا نُطِيقُهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: {سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ}»، فَلَمَّا أَقَرَّ بِهَا الْقَوْمُ، وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، أَنْزَلَ اللهُ عز وجل فِي أثرِهَا: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ}، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ عز وجل فَأَنْزَلَ: {لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ}.

والمراد بالنسخ هنا أنه من قبيل بيان المجمل وتقييد المطلق؛ على حسب مفهوم المتقدمين من الصحابة والتابعين لا على حسب مفهومه عند المتأخرين، فالقول بعدم النسخ أسلم. [دراسات في علوم القرآن أ د. محمد بكر إسماعيل ط دار المنار ص ٢٦٧-٢٦٤ سنة ١٩٩١م].

السابعة: قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} [آل عمران: ١٠٢].

 قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ} [التغابن: ١٦].

فإن كان النسخ بمعنى بيان المجمل وتقييد المطلق، كما هو مفهوم المتقدمين للنسخ، فلا مانع من القول به؛ لأن الآية الثانية بيان للأولى وتقييد لمطلقها؛ فمن المعلوم شرعًا أن الطاعة على قدر الطاقة.

 الثامنة: قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا} [النساء: ٨].

قيل: منسوخة، وقيل: لا، ولكن تهاون الناس في العمل بها.

والأصح: أنها محكمة لم تنسخ بآية المواريث كما قال بعضهم؛ وذلك لما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس في الآية قال: "هي محكمة وليست بمنسوخة"، وفي لفظ عنه: "هي قائمة، يعمل بها".

التاسعة والعاشرة: قوله تعالى: {وَٱلَّٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا * وَٱلَّذَانِ يَأۡتِيَٰنِهَا مِنكُمۡ فَـَٔاذُوهُمَاۖ فَإِن تَابَا وَأَصۡلَحَا فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا} [النساء: ١٥-١٦].

هاتان الآيتان منسوختان عند جمهور المفسرين والمحدثين، ودليل النسخ فيهما ظاهر، لكن هذا النسخ هو من قبيل التدرج في التشريع؛ رعاية لمصالح العباد في العاجل والآجل.

فالآية الأولى تنص على عقوبة الزانية بكرًا كانت أم ثيبًا بحبسها في البيت؛ حتى يتوفاها الله ، أو يجعل لها مخرجًا بآية أخرى أو حديث.

والآية الثانية تنص على عقوبة الرجال من الأيامى والأبكار، وهي الإيذاء بالأيدي والنعال والتقريع بالألسنة، وما إلى ذلك من أنواع الإيذاء المناسب لهذه الجريمة، وهي جريمة الزنا واللواط كما يرى بعض المفسرين.

قال ابن كثير في تفسيره: "كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيتها فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ؛ لذلك قال ابن عباس: "كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم"، وكذا روي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء الخرساني، وأبي صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك، أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه".

ثم ساق الحديث الذي رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه وغيرهما من أصحاب السنن، وفيه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خُذُوا عنِّي، قد جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ، وَالْبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ».

 الحادية عشرة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ} [النساء: ٣٣]، منسوخة بقوله: {وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ} [الأنفال ٧٥].

وقيل: إنها غير منسوخة، لأنها تدل على توريث مولى الموالاة، وتوريثهم باقٍ غير أن رتبتهم في الإرث بعد رتبة ذوي الأرحام، وبذلك يقول فقهاء العراق.

والأصح: أنها منسوخة؛ لكثرة الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين.

 الثانية عشرة: قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ} [المائدة: ٢].

قيل إن قوله: {وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ} منسوخ بمقتضى عموم قوله: {وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ} [التوبة: ٣٦] وقد سبق القول في هذا، فالراجح عدم النسخ، والحكم باقٍ كما هو، فلا يجوز للمسلمين أن يقاتلوا عدوهم في الأشهر الحرم، إلا إذا اضطروا لذلك.

 الثالثة عشرة: قوله تعالى: {جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ} [المائدة: ٤٢]، منسوخة بقوله: {وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} [المائدة:٤٩]، وقد قيل: بعدم النسخ، وأن الآية الثانية متممة للأولى، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- مخير بمقتضى الآية الأولى بين أن يحكم بينهم وأن يعرض عنهم، وإذا اختار أن يحكم بينهم وجب أن يحكم بما أنزل الله بمقتضى الآية الثانية، وهذا ما نرجحه، لأن النسخ لا يصح إلا حيث تعذر الجمع.

 الرابعة عشرة: قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ} [المائدة:١٠٦]، قيل: قوله: {أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ} منسوخ بقوله: {وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ} [الطلاق: ٢].

  قال الزرقاني [أنظر مناهل العرفان ج ٢ ص ١٦١]: "وقيل إنه لا نسخ؛ لأن الآية الأولى خاصة بما إذا نزل الموت بأحد المسافرين، وأراد أن يوصي فإن الوصية تثبت بشهادة اثنين عدلين من المسلمين، أو غيرهم، توسعة على المسافرين؛ لأن ظروف السفر ظروف دقيقة، قد يتعسر أو يتعذر وجود عدلين من المسلمين فيها، فلو لم يبح الشارع إشهاد غير المسلمين لضاق الأمر وربما ضاعت الوصية، أما الآية الثانية فهي القاعدة العامة في غير ظروف السفر".

الخامسة عشرة: قوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ} [الأنفال: ٦٥] قيل: إنها منسوخه بقوله سبحانه: {ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [الأنفال: ٦٦]. 

ووجه النسخ: أن الآية الأولى أفادت وجوب ثبات الواحد للعشرة، وأن الثانية أفادت وجوب الواحد للاثنين، وهما حكمان متعارضان؛ فتكون الثانية ناسخة للأولى على ما تقدم بيانه عند الكلام على نسخ الأثقل بالأخف، والنسخ هنا ظاهر ، ولكن قد يقال إن هذا النسخ هو انتقال من الواجب إلى الرخصة.

 السادسة عشرة: قوله تعالى: {ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا} [التوبة: ٤١].

قيل: نسخت بآيات العذر، ومنها قوله: {لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [التوبة: ٩١]، والأصح أنه لا نسخ في الآية، فكأنه قيل: انفروا خفافًا وثقالا إلا من كان معذورًا لا يستطيع القتال لكونه ذا عاهة من مرض أو عرج، أو عمى أو زمانة، ونحوها من المعوقات، مع بقاء طائفة تقوم بما يحتاج إليه القاعدون من أولى الضرر؛ كتعليم وإرشاد وغير ذلك.

 السابعة عشرة: قوله تعالى: {ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} [النور: ٣]. 

قيل: منسوخة بقوله سبحانه: {وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ} [النور: ٣٢] لأن الآية خبر بمعنى النهي، بدليل قراءة: "لا ينكحْ" بالجزم، وهي قراءة عمرو بن عبيد، والقراءات يفسر بعضها بعضًا.

والأصح عندي، والله أعلم، أنه لا نسخ في الآية، لأن الآية لها معان يمكن أن تحمل عليها؛ بحيث لا تتعارض مع قوله: {وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ}.

فمن معانيها: أن الزاني لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة؛ لا ترى حرمة ذلك، وكذلك الزانية لا يطاوعها على الزنا إلا عاص بزناه، أو مشرك لا يعتقد تحريمه.

وقراءة عمرو بن عبيد بالجزم تدل على حرمة نكاح الزانيات إلا إذ ظهرت توبتهن.

وآية: {وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ} مخصصة بقوله: {ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ}، أي: وزوجوا الأيامى منكم بشرط ألا يكن زانيات، والله أعلم.

 الثامنة عشرة: قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ} [النور: ٥٨].

قال السيوطي في [الإتقان جـ٣/٧٦]: "قيل: منسوخة، وقيل: لا، ولكن تهاون الناس في العمل بها". أهـ.

والأصح: أنها غير منسوخة، فهي أدب عظيم أَدَّبَ الله به عباده، فلا أدري كيف ساغ له أن يذكرها في هذ الباب.

 التاسعة عشرة: قوله تعالى: {لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا} [الأحزاب: ٥٢]. 

 قيل: نسخها قول الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحۡلَلۡنَا لَكَ أَزۡوَٰجَكَ ٱلَّٰتِيٓ ءَاتَيۡتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ} [الأحزاب: ٥٠].

وهذا النسخ لا يستقيم إلا على أن هذه الآية متأخرة في النزول عن الآية الأولى.

وقد أخرج أبو داود في سننه والترمذي في جامعه والحاكم وابن المنذر وغيرهم عن عائشة قالت: «لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى أُحِلَّ اللهُ تَعَالَى لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِّسَاءِ مَا شَاءَ ‌إلَّا ‌ذَاتَ ‌مَحْرَمٍ».

العشرون: قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ} [المجادلة: ١٢] ، قيل: نسخت بالآية التي بعدها.

 الواحدة والعشرون: قوله تعالى: {وَإِن فَاتَكُمۡ شَيۡءٞ مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ فَعَاقَبۡتُمۡ فَـَٔاتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتۡ أَزۡوَٰجُهُم مِّثۡلَ مَآ أَنفَقُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ} [الممتحنة: ١١].

قيل: نسختها آية الغنيمة وهي قوله سبحانه: {وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ} [الأنفال: ٤١].

وقيل: منسوخة بآية السيف وهي قوله تعالى: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ} [التوبة: ٥].

 والأصح أنها محكمة إذ لا تعارض بين هذه الآيات الثلاث.

الثانية والعشرون: قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا * نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا * أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا} [المزمل: ١-٤].

قيل: منسوخة بقوله سبحانه في آخر هذه السورة: {إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ} [المزمل: ٢٠]، ثم نسخ هذا الوجوب بالصلوات الخمس.

روى أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت في حديث طويل: «إِنَّ اللهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هٰذِهِ السُّورَةِ – تَعْنِي سُورَةَ المُزَّمِّلِ –، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا؛ حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ، فَأَمْسَكَ اللهُ خَاتِمَتَهَا فِي السَّمَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ التَّخْفِيفَ فِي آخِرِ هٰذِهِ السُّورَةِ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا مِنْ بَعْدِ الفَرِيضَةِ».

هذه هي الآيات التي قيل إنها منسوخة، قد نقلتها من (الإتقان) للسيوطي، وتصرفت في نقلها بالتوضيح والتعليق والإضافة؛ ليعلم القارئ جلية الأمر في هذه الآيات، وموقف العلماء في نسخها من عدمه، وأكثرها في نظري غير منسوخ على المعنى الضيق الذي تمسك به المتأخرون؛ وهو رفع الحكم المتقدم بحكم متأخر، فضلًا عن المعنى الواسع الذي قال به المتقدمون؛ وهو تخصيص الحكم العام أو تقييد المطلق بحكم متأخر عنه.

وبعد أن عرفنا مفهوم النسخ في اللغة والشرع، وعرفنا حكمه وأدلته وأركانه وشروطه، وما إلى ذلك، أرى أن أختم هذا البحث ببيان الحكمة من النسخ، وإنها لعظيمة، عرفنا شيئًا منها فآمنا به، وخفي منها الكثير فسلمنا بجهلنا فيه.

ومن المعلوم أن شريعة الإسلام نسخت جميع الشرائع السماوية؛ التي لم يعد لها ما يستدعي بقاءها بحال، فجاءت جامعة لأصول الشرائع كلها ، تعدل المسار، وتصحح المعتقد، وترد الناس إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها، وتلائم ظروفهم المعيشية، وتلبي مطالبهم، وتبغي لهم اليسر، ورفع الحرج، ودفع المشقة، وتتدرج بهم رويدًا رويدًا، صاعدة بهم في مدارج الرقي شيئًا فشيئًا، وتسير بهم من السهل إلى الأسهل، ومن الصعب إلى الأصعب أحيانًا؛ تدريبًا لهم على احتمال صنوف الحياة في شتى صورها، أو تسير بهم من تكليف إلى تكليف آخر مساوٍ له،؛ لابتلائهم وامتحان قلوبهم، فتظهر طاعة المطيع وعصيان العاصي.

فالنسخ نوع من التدرج في التشريع، روعي فيه مصالح العباد في العاجل والآجل، فإن من الأمور التكليفية ما يصلح في وقت دون وقت، وفي حال دون حال، فأخذ الله عباده بالحكمة، فوضع لهم من التشريعات ما يناسبهم على اختلاف درجاتهم وبيئاتهم وأحوالهم. وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.

الخلاصة

يتناول هذا المقال مفهوم النسخ في الشريعة الإسلامية، موضحًا معانيه اللغوية في القرآن الكريم كالإزالة والنقل، وأقسامه من حيث نسخ التلاوة والحكم أو أحدهما، ومن حيث النسخ ببدل أو بغير بدل، وكذا النسخ إلى أخف أو أثقل أو مساو، وشروط النسخ وأدلته من القرآن والسنة، مع تفصيل الآيات التي قيل بنسخها والخلافات الفقهية حولها، وبين أن أكثرها غير منسوخ.

موضوعات ذات صلة

أسباب النزول توضح الحكمة من نزول آيات القرآن الكريم، وهي مرتبطة بالأحداث أو الأسئلة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم

تُعدّ أسباب النزول أساسًا لفهم وتفسير آيات القرآن الكريم، فهي تمنحنا السياق التاريخي والاجتماعي للنصوص

علم (الوجوه والنظائر) يفك ألغاز الألفاظ المشتركة في القرآن الكريم، ويكشف عن معانيها المتعددة حسب سياق الآيات

موضوعات مختارة