Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

موهم الاختلاف والتناقض

الكاتب

أ.د/ محمد بكر إسماعيل

موهم الاختلاف والتناقض

قد يتوهم بعض الناس وجود تناقض في القرآن الكريم؛ بسبب عدم فهمهم لأساليبه البلاغية، وقد عالج علماء التفسير هذا الأمر بالحديث عن (موهم الاختلاف والتناقض)؛ لدفع الشبه التي ترد على أذهان من لا خبرة لهم بأساليبه ومقاصده وأصول تفسيره.

تمهيد

هذا باب عقده علماء التفسير؛ ليدفعوا عن القرآن شبهًا ترد على أذهان بعض من لا خبرة لهم بأساليبه ومقاصده وأصول تفسيره. وهذه الشبهة التي عملوا جاهدين على تفنيدها، ودحضها - بالحجة القاطعة والبرهان الساطع - هي مجرد خواطر، ترد على الأذهان، ثم لا تجد لها في القرآن مكانًا تستقر فيه؛ فتزول من تلقاء نفسها، أو بعد شيء من التدبر، أو بسؤال أهل العلم، فلا يبقى لها أثر؛ لأنها من قبيل الوهم.

ماهية الوهم والتناقض

والوهم - كما تقول كتب اللغة: ما يقع في الذهن من الخاطر. يقال: وَهَمَ فلان: ذهب وَهْمُهُ إلى الشيء وهو يريد سواه.

 والقرآن الكريم كتاب أحكمت آياته إحكامًا لا يقبل التناقض بحال، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

والتناقض في القول: هو الاختلاف والتعارض.

والنقيضان في الكلام: ما لا يصح أحدهما مع الآخر، نحو: هو كذا وليس بكذا في شيء واحد وحال واحدة. [انظر: المفردات للراغب، مادة نقض]

قال أبو بكر الصيرفي في شرح رسالة الشافعي: "جماع الاختلاف والتناقض: أن كل كلام صح أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض.

وإنما التناقض في اللفظ: ما ضاده من كل جهة على حسب ما تقتضيه الأسماء، ولن يوجد في الكتاب ولا في السنة شيء من ذلك أبدًا؛ وإنما يوجد فيه النسخ في وقتين بأن يُوجِب حكمًا ثم يحله، وهذا لا تناقض فيه.

وتناقض الكلام لا يكون إلا في إثبات ما نُفِي، أو نفي ما أُثبِت، بحيث يشترك المثبت والمنفي في الاسم والحدث والزمان والأفعال والحقيقة، فلو كان الاسم حقيقة في أحدهما وفي الآخر مستعارًا، ونفى أحدهما وأثبت الآخر - لم يُعد تناقضًا.

 هذا كله في الأسماء، وأما المعاني - وهو باب القياس - فكل من أوجد علة، وحررها، وأوجب بها حكمًا من الأحكام، ثم ادعى تلك العلة بعينها فيما يأباه الحكم، فقد تناقض". [راجع البرهان في علوم القرآن، ج ٢، ص ٥٣-٥٤]

أسباب توهم التعارض وطرق دحضها

وقد ذكر العلماء لتوهم التعارض أسبابًا ترجع في جملتها إلى ما يأتي:

الأول: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى:

(أ‌) فقد أخبر الله - عز وجل - أنه خلق آدم من تراب، فقال: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ} [آل عمران: ٥٩]، وأخبر أنه خلقه من طين، فقال: {وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ} [السجدة: ٧]، وأخبر أنه خلقه من صلصال من حمأ مسنون، فقال: {وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٍ} [الحجر: ٢٦]، وأخبر أنه من صلصال كالفخار، فقال: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} [الرحمن: ١٤].

فهذه أطوار خلقه بداية من التراب إلى الصلصال الذي يشبه الفخار، ذكر كل طور في الموضع الذي يناسبه في السياق والمضمون والنظم، وغير ذلك من المناحي البلاغية.

فالجمع بين ما ورد في هذه الآيات وما يماثلها ممكن، وبالتالي لا يكون بينها تعارض.

(ب‌)  وأخبر - جل شأنه - عن عصا موسى عليه السلام حين ألقاها في آيتين؛ يتوهم متوهم أنهما متعارضتان، وذلك في قوله تعالى: {فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ} [الشعراء: ٣٢]، وقوله جل شأنه: {فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ} [القصص: ٣١].

والجان: الصغير من الحيات، والثعبان: الكبير منها؛ وذلك لأن خلقها كخلق الثعبان العظيم، واهتزازها وحركاتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته [البرهان، ج ٢، ص ٥٥، والإتقان، ج ٣، ص ٩٤]، قاله الزركشي في (البرهان)، ونقله عنه السيوطي في (الإتقان).

 يضاف إلى هاتين الآيتين آية أخرى جاء في سورة طه: قال جل شأنه: {فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ} [طه: ٢٠].

فهذه الآيات الثلاث تدل على أطوار العصا في تقلبها؛ فهي في أول أمرها بدت للناظرين حية صغيرة دقيقة، ثم تورمت وتضاعف جِرمها حتى صارت ثعبانًا، فلا تعارض إذن في هذه الآيات.

الثاني من الأسباب: اختلاف الموضوع أو الموضع:

(أ‌)   كقوله تعالى: {فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} [الأعراف: ٦]، وقوله جل شأنه: {وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ} [الصافات: ٢٤]، مع قوله جل وعلا: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ} [المؤمنون: ١٠١]، وقوله سبحانه: {فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ} [الرحمن: ٣٩].

فباعتبار الموضوع يكون المعنى في الآية الأولى: فلنسألنهم عن التوحيد وتصديق الرسل، ولنسألن المرسلين عن أحوال أممهم معهم في شأن ما جاءوا به من ربهم.

ويكون المعنى في الآية الثانية: إنهم مسئولون عما كانوا يعبدون، وهذا المعنى قريب من الأول؛ لأنه يستلزم سؤالهم عن أحوالهم مع المرسلين، الذين دعوهم إلى التوحيد الخالص فأعرضوا وكذبوا.

وأما الثالثة فمعناها: لا يتساءلون بالأرحام كما كانوا يفعلون في الدنيا.

وأما الرابعة فمعناها: أنهم لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله حفظها عليهم، وكتبتها عليهم الملائكة؛ فهي كقوله تعالى: {وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} [القصص: ٧٨] هذا باعتبار الموضوع.

 أما باعتبار الموضع، فهم في موضع يسألون وفي موضع لا يسألون؛ فيوم القيامة طويل، كان مقداره في علم الله خمسين ألف سنة؛ فإنهم حين يعرضون يسألون ويحاسبون، فإذا انتهى الحساب ذهب فريق إلى الجنة وذهب فريق إلى السعير.

وقيل: "إن السؤال المثبت سؤال تبكيت وتوبيخ، والمنفي سؤال المعذرة وبيان الحجة". قاله السيوطي في (الإتقان) [الإتقان٣/٩٥]، وهو يرجع إلى اختلاف الموضوع والموضع معًا.

فالله - عز وجل - لا يسألهم سؤال إخبار؛ فهو أعلم بهم من أنفسهم، فتعين أن يكون السؤال نوعًا من التعذيب.

وهذا السؤال له موضع أو مواضع يكون فيها مثبتًا، ومواضع أخرى يكون منفيًّا.

(ب‌)  مثل قوله تعالى في (سورة البقرة آية ١٧٤): {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مع قوله - سبحانه - في (سورة الحجر: ٩٢ - ٩٣): {فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ}، فالمنفي كلام التلطف والإكرام، والمثبت سؤال التوبيخ والإهانة.

الثالث من الأسباب: اختلاف جهتي الفعل:

(أ‌) كقوله تعالى: {فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ[الأنفال: ١٧]،

فإنه يبدو لغير المتأمل أن في هذا اجتماع الضدين، والجمع بين الضدين محال.

والجواب: أن الجمع بين الضدين باعتبارين مختلفين جائز، فقد أضاف الله - تعالى - القتل إليهم، والرمي إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم- على جهة الكسب والمباشرة، ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير.

"أي: فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم وقدرتكم، ولكن الله قتلهم بنصركم وتسلطكم عليهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، وما رميت تلك الرمية التي نتج عنها هذه الآثار العظيمة حقيقة حين فعلتها". أفاده أبو السعود في تفسيره. [المجلد الثاني، ص٤٧٧].

(ب‌)  ومثله قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: ٢٩]، وقوله سبحانه: {قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ} [فصلت: ٩-١٢] مع قوله تعالى: {ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا *رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا * وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا * وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ} [النازعات: ٢٧-٣٠].

فهذه الآيات تبدو لمن لا علم له بأساليب البيان في القرآن أنها متعارضة، مع أن الجمع بينها ممكن، فنقول: إن الله -عز وجل- بين لنا في آية البقرة أنه خلق الأرض وما فيها إجمالًا، ثم خلق سبع سماوات لم يبين لنا كيف بناها، وكيف أغطش ليلها وأخرج ضحاها؛ بناءً على ما تقدم نزوله في سورتي فصلت والنازعات.

وبيّن لنا في سورة فصلت أنه خلق الأرض في يومين، وجعل لها رواسي من فوقها، وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها في يومين آخرين بالإضافة إلى اليومين الأولين؛ فيصير مجموع الأيام أربعة، ثم بيَّن أنه استوى إلى السماء وهي دخان، فقضاهن سبع سماوات في يومين.

وبذلك يزول بعض الإشكال ويبقى بعضه، وهو ما يتعلق بالجمع بين هذه الآيات وآيات النازعات.

والجواب أن يقال: إن الله - تعالى - خلق الأرض - أولًا - قبل السماء غير مدحوة، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعًا في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك، فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك بعد خلق السماء، يدل لهذا أنه قال: {وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ} ولم يقل: "خلقها"، ثم فسر دحوه إياها بقوله: {أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا * وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا}.

وقد نسب هذا القول لابن عباس - رضي الله عنهما – [تفسير الطبري ١/٤٣٧] وغيره، وبهذا يزول ما تبقى من الإشكال، والحمد لله.

الرابع من الأسباب: الاختلاف في الحقيقة والمجاز:

(أ) كما في قوله تعالى: {فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا} [الأعراف: ٥١]، وقوله سبحانه: {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ} [التوبة: ٦٧]، وقوله جل شأنه: {وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ} [طه: ١٢٦]. وقوله تبارك اسمه: {وَقِيلَ ٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰكُمۡ} [الجاثية: ٣٤] فإنه لا يتعارض مع قوله عز جاهه: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه: ٥٢]، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا} [مريم: ٦٤]؛ لأن معنى "فاليوم ننساهم" ونحوه: نتركهم في العذاب محرومين من كل خير.

(ب) ومثله قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ}[الحج: ٢]؛ أي: سكارى من الأهوال مجازًا لا من الشراب حقيقة.

الخامس من الأسباب: أن يأتي الكلام محتملًا لوجهين فيحمل كل وجه على اعتبار يناسبه ولا يتناقض مع غيره:

(أ‌)   كقوله تعالى: {فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٌ} [ق: ٢٢] مع قوله تعالى: {خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِي} [الشورى: ٤٥].

فيحمل البصر في الآية على العلم لا على النظر بالعين، ويدل على ذلك قوله في الآية: {فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ} ، فبذلك التأويل يزول الإشكال.

(ب‌)  ومثله قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ} [الرعد: ٢٨] مع قوله - عز وجل: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: ٢].

فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة، وجوابه أن الطمأنينة إنما تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى، فتوجل القلوب لذلك.

وقد جمع بينهما في قوله: {تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ} [الزمر: ٢٣]، فإن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا به، فانتفى عنهم الشك. أهـ. [البرهان، ج٢، ص٤٨]

هذه هي أهم الأسباب التي تؤدي إلى توهم التعارض بين بعض النصوص القرآنية.

وقد عرفنا طريقة الجمع بين ما يبدو لغير المتأمل أنه متعارض، وذكرنا قول الصيرفي في هذا، ونضيف إليه ما قاله أبو إسحاق الإسفراييني في تعذر الجمع؛ تتمة للفائدة.

قال - رحمه الله -: "إذا تعارضت الآي، وتعذر فيها الترتيب والجمع طلب التاريخ، وتُرِك المتقدم منها بالمتأخر، ويكون ذلك نسخًا له، وإن لم يوجد التاريخ وكان الإجماع على استعمال إحدى الآيتين عُلِم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل به، ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تَعْرَيَان عن هذين الوصفين" أهـ. [المرجع السابق، ج٢، ص٤٨]

الإعجاز القرآني وضرورة التدبر

وخلاصة هذا البحث أن من تدبر في كتاب الله - تعالى -، وكان مزودًا بالعلم ونور البصيرة، لن يجد فيه تناقضًا ولا اختلافًا أبدًا. يقول الله - عز وجل: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا}.

وفي دعوة القرآن إلى تدبره تكريم للإنسان، وتنبيه له إلى الوظيفة التي خلق من أجلها، وشهادة له من الله -تبارك وتعالى- على قدرته في استقبال ما يراه، وما يسمعه بفكر لو استعمله بحق لعرف قدر نفسه، وأدرك الحكمة من خلقه، واستوعب الدرس من كتاب ربه، وعَلِم عِلْم اليقين أن هذا القرآن كتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وقد نزل على الرسول -صلى الله عليه وسلم- بحضرة رجال؛ كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزًا أو مطعنًا، وهم أصحاب ملكات قوية في الفصاحة والبيان، وقد تحداهم الله أن يأتوا بسورة من مثله؛ فعجزوا كل العجز، فدل ذلك على أن غيرهم أعجز، فلا يدعينَّ مدع أن في هذا القرآن شيئًا ما من التناقض، فمن فعل فقد سفه نفسه وفقد حسه وتولى كبره.

ومن الإنصاف للحق أنه على الإنسان إذا سولت له نفسه أن شيئًا في القرآن يثير تساؤلًا أن يُعمل عقله؛ مستعينًا بعقل غيره إن لم يسعفه عقله، ثم يعيد النظر مرة بعد مرة، متجردًا من المذهبية والتقليد والهوى؛ فإنه سيؤمن إيمانًا لا يخالجه شك بهذه الحقيقة التي استقرت في قلب كل منصف وإن لم يكن مسلمًا، فالحق واحد لا يتعدد ولا يتناقض، ولا يختلف عليه اثنان على مر الزمان.

تصانيف في الرد على الشبهات في القرآن الكريم

وقد صنف في هذا الباب رجال نبغوا في العلوم الشرعية واللغوية، ونالت مصنفاتهم شهرة وقبولًا عند أهل العلم قديمًا وحديثًا، وأرى من الخير أن أذكر - هنا - ما تيسر لي الاطلاع عليه، منها:

(أ) الرد على الملحدين في تشابه القرآن، تأليف الإمام محمد بن المستنير بن أحمد أبو علي الشهير بقطرب المتوفى سنة (٢٠٦هـ = ٨٢١م)، ذكره الزركشي في (البرهان).

(ب) تأويل مشكل القرآن، تأليف أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (٢١٣-٢٧٦هـ = ٨٢٨-٨٨٩م)، شرحه ونشره السيد أحمد صقر، الطبعة الثانية (١٣٩٣هـ = ١٩٧٣م) بدار التراث بالقاهرة.

وقد جمع ابن مطرف الكناني بين كتابيه: مشكل القرآن وغريبه في كتاب واحد من جزأين أسماه: (القُرْطَين)، طبعته مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى سنة ١٣٥٥هـ، وهو أيسر للباحث المبتدئ في تناول ما يريده؛ لأن ابن مطرف رتبه على السور بخلاف ترتيب المؤلف.

(جـ) تنزيه القرآن عن المطاعن، لقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني (ت ٤١٥هـ = ١٠٢٥م)، طبعته دار النهضة الحديثة، بيروت، لبنان.

(د) الأنموذج الجليل في أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل، للإمام زين الدين محمد بن أبي بكر بن عبد القادر بن عبد المحسن الرازي الحنفي، ت (٦٦٦هـ = ١٢٦٨م)، طبعته شركة مصطفى البابي الحلبي بتحقيق الشيخ إبراهيم عطوة عوض، تحت عنوان: (مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل)، وصدرت طبعته الأولى سنة (١٣٨١هـ = ١٩٦١م)، وقد نشره الأزهر تباعًا في أجزاء صغيرة هدية على مجلته الغراء بعنوانه الذي اختاره له المؤلف؛ بداية من شهر المحرم (١٤١٠هـ = ١٩٨٩م) إلى رجب من العام نفسه، توفر على مراجعته لجنة من محرري المجلة.

(هـ) فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، تأليف قاضي القضاة شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري (٨٢٣-٩٢٦هـ = ١٤٢٠-١٥٢٠م)، حققه وقدم له وعلق عليه، وتقدم به إلى كلية أصول الدين بالقاهرة لنيل درجة التخصص (الماجستير) في التفسير وعلوم القرآن، عبد السميع محمد أحمد حسنين ثم طبع في مكتبة الرياض الحديثة بالمملكة العربية السعودية عام ١٤٠٤هـ = ١٩٨٤م.

ومن المفيد في هذا الموضوع الرجوع إلى كتب التفسير بالمعقول والمنقول، ومن أهمها:

- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري.

- مفاتيح الغيب، لفخر الدين الرازي.

- أنوار التنزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي.

- الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي.

- تفسير القرآن العظيم، لابن كثير.

الخلاصة

مما لا شك فيه أن القرآن الكريم يخلو من أي تناقض وتعارض بين آياته، وقد وهم من يظن ذلك، فمن تدبر في كتاب الله تعالى وكان مزودًا بالعلم ونور البصيرة لن يجد فيه تناقضًا ولا اختلافًا أبدًا، ولوهمه أسباب منها اختلاف الموضع والموضوع واختلاف جهتي الفعل والاختلاف بين الحقيقة والمجاز، وقد صنفت التصانيف في هذا لتدفع الشبهات التي يتوهمها أصحابها، كـ(الرد على الملحدين) و(تأويل مشكل القرآن) و(تنزيه القرآن عن المطاعن) وغيرها.

موضوعات ذات صلة

علم (الوجوه والنظائر) يفك ألغاز الألفاظ المشتركة في القرآن الكريم، ويكشف عن معانيها المتعددة حسب سياق الآيات

المبهمات في القرآن الكريم تمثل جانبًا عظيمًا من إعجاز الكتاب العزيز؛ حيث جمع الله بين البيان والإبهام بحكمة بالغة

أسباب النزول توضح الحكمة من نزول آيات القرآن الكريم، وهي مرتبطة بالأحداث أو الأسئلة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم

موضوعات مختارة